{سورة الأنفال مدنية، الآية 11}

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِذْ يُغَشِّيْكُمُ النُّعَاسَ اَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوْبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ اْلأقْدَامَ}.

ملخص معاني الآية:

لقد نصر الله تعالى المؤمنين يوم بدر قبل القتال بأمرين:
(1) غشيهم النُعاس أمنةً.
(2) أنزل من السماء ماءً غزيراً.
 وقد استغل المؤمنون الأمرين فيما تأتي:
(1) أزال النُعاسُ من قلوبهم الخوف، وعادت الطمأنينة إلى أرواحهم وأبدانهم.
(2) بالمطر تتطهروا من الأنجاس الظاهرة والباطنة من وساوس الشيطان ودسائسه، كما صلحت الأرض للتحرك والمشي بعد أن كانت تُعيقهما.
(3) قويت قلوبهم وثبتت أقدامهم وارتفعت معنوياتهم بعدما شاهدوا آثار النصر الأوّلية.

أقوال المفسرين في تفسير الآية ومصادرها

تفسير جامع للآية:

يجمع المقطع الآتي كل ما ذكره المفسرون عن الآية الكريمة لتحديد معناها ومرادها:
«وقعة بدر كانت من إحدى الوقائع التي امتحن الله فيها المؤمنين، كانوا أقل عدداً وعُدّة، خرجوا في طلب العير، لم يكن في حسبانهم أن الله يجمع بينهم وبين جيش أكثر منهم عدداً، مجهزاً بأفضل أسلحة، خرجوا من مكة أشراً وبطراً، فكان أول لقاء حقيقي بين المسلمين والمشركين، وقد سبق المشركون إلى أطيب المواقع أرضاً وماءً، فيما وجد المسلمون موقعاً منخفضاً، محاطا بالحصيات والأتربة المعيقة للسير إضافة إلى الرمال المتطايرة المحرجة. ثم نفاد الماء حال دون الوضوء والغسل، زد عليه العطش الذي كاد يقضي عليهم. فلما شاهدوا ذلك تخوّفوا، إذ هي من آثار الهزيمة، ووسوس إليهم الشيطان أنكم إن كنتم من أولياء الله لأيّدكم ونصركم، ولما واجهتم ما تعانون منه، وكانوا في تلك الحالة حتى أنزل الله عليهم من السماء ماء، فاستقرت الرمال، وتوفرت المياه للطهارة والغسل والوضوء والشرب، كما تعافوا من الرمال المتطايرة المزعجة، أما موقع المشركين فتَوَحَّلَ بالمطر، وصار بحال تنزلق فيه الأقدام، ويتعسَّر السير عليه. ثم لمّا أذهب الله تعالى المشاكل الظاهرة عن المؤمنين، أنزل عليهم سكينة بأن غشيهم نعاس، حتى إنهم لما استيقظوا وجدوا الخوف قد تطاير من قلوبهم. ذكر بعض الروايات أن النبي · وأبو بكر قضيا الليلة في العريش يَدعُوَان، حتى غشي النعاس النبيَ ·، فلما استيقظ قال: أبشروا بنصر الله فإن جبريل قادم لنصركم، ثم خرج من العريش فأجرى الله على لسانه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ويُوَلُّوْنَ الدُّبُرَ}. فباختصار إن رحمة الله تعالى ممثلة في الماء الذي نزل من السماء كان سبباً في تطهير الأبدان من الأحداث والقلوب من دسائس الشيطان ووساوسه. واستقرار الرمال تسبب في ثبات أقدامهم ورفع معنوياتهم». (التفسير العثماني)

فائدتا النعاس:

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:
«وفي امتنان الله عليهم في هذه الليلة وجهان: أحدهما أن قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم كما يقال الأمن منيمٌ والخوف مسهرٌ». (القرطبي)
وقيل: غشّاهم في حال التقاء الصفين. (القرطبي)

هطول المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان:

فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية.(القرطبي)

الطهارة والجهاد:

أشارت الآية الكريمة إلى نكتة مهمة، وهي أن بين الجهاد والطهارة ارتباطا قويا، يشعر المؤمن بالقوة إن كان في حالة الطهارة، تنزل عليه رحمة الله تعالى الخاصة، يرافقه ملائكة الرحمة، ولا يتغلّب عليه العدو. ففي الآية تأكيد على أهمية الغسل والوضوء وطهارة اللباس أثناء القتال، وعلى المجاهدين أن يهتمّوا بها، إذ هي تزيدهم قوة وتأييداً. (والله أعلم بالصواب)

تحرّج المشركين من المطر:

في طبقات ابن سعد أن الوادي كان جافا يابسا، فبعث الله سحابا فبلّلَه، وصار المسلمون يتحركون بيسر، فيما كان المشركون يتحرّجون من السير والتحرك، على أنه لم يكن بين المسلمين والمشركين إلا ثنية رمال، وقد غشي النعاس المسلمين تلك الليلة. ثم ذكر بعد عدة صفحات: لقد نزل المسلمون بأرض مليئة بأتربة متطايرة، وبعد هطول الأمطار تجمدت وصارت مثل جبل الصفا، وباتوا يتحركون عليها بكل يسر. (التفسير الماجدي)

الجهاد أفضل الطاعات:

لقد أورد الإمام القرطبي رحمه الله تعالى نكتة تلوي على القلوب، فقد قال:
قال مالك بلغني أن جبريل عليه السلام قال للنبي · ما تعدون البدريين عندكم؟ قال: هم يعدون في خيارنا، فقال جبريل : كذلك عندنا.
فيه أن فضلهم باعتبار أعمالهم دون ذواتهم، فأفضل أعمال الملائكة اشتغالهم بالتسبيح، وأفضل أعمال البشر الإخلاص والطاعات، وأفضل الطاعات هي ما قرر الشرع فضلها، كما قال القرطبي رحمه الله:
وأفضلها الجهاد وأفضل الجهاد يوم بدر، لأن بناء الإسلام كان عليه. (القرطبي)

مشروعية مهاجمة العدو لتلحقه أضرار مادية:

قال القرطبي رحمه الله تعالى:
ودل خروج النبي · لتلقي العير على جواز النفير للغنيمة، لأنها كسب حلال الخ
وفيه رد على المالكية الذين يمنعونه، وقالوا بكراهته، إذ هو جهاد لأجل الدنيا. ثم قال القرطبي:
وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة يراد به : إذا كان قصده وحده، وليس للدين فيه حظ. (القرطبي)

النعاس أثناء القتال نعمة:

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : «النعاس في القتال أمنة من الله تعالى، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان» انتهى.  وعن ابن مسعود رضي الله عنه شبيه هذا الكلام. وقال: النعاس عند حضور القتال علامة الأمن من العدو، وهو من الله تعالى. وهو في الصلاة من الشيطان». قال ابن عطية: وهذا إنما طريقة الوحي، فهو لا محالة يسند. (البحر المحيط)

ستة أسباب:

كيف كان النعاس الذي غشي المؤمنين يوم بدر نعمة من الله تعالى؟ أورد الإمام الرازي كلاما قيّماً في هذا الموضع، ذكر أن هناك ستة أسباب تدل على أن النعاس كان نعمة من الله تعالى، ومن أرادها فليعد إلى التفسير الكبير للرازي.

دروس وعبر:

تزخر بدر بكثير من الدروس والعبر، ففي الآية الكريمة إشارة إلى أهمية الطهارة في الجهاد، وأنها تنفع المؤمنين، وعليهم أن يهتمّوا بها، ويواظبوا عليها.
كما أشارت الآية إلى أهمية المياه، وإلى وجوب توفّرها بغزارة للمجاهدين، كما يجب عليهم السعي إلى السيطرة على منابع المياه ومصادرها.
علاوة على ما ذكرنا فإن الآية دلّت على أهمية الراحة النفسية والقلبية والثبات في ساحة القتال. وكل ذلك لا تحصل إلا بارتباط قوي مع الله، لذلك يجب على المقاتلين أن يقوّوا صلتهم مع الله، ويهتمّوا بمذاكرتها فيما بينهم أثناء القتال. (والله أعلم بالصواب)