بسم
الله الرحمن الرحيم
{إذْ يُوْحِيْ رَبُّكَ إلَى الْملائِكَةِ أنِّيْ مَعَكُمْ فَثَبِّتُوْا
الَّذِيْنَ آمَنُوْا. سَاُلْقِيْ فِيْ قُلُوْبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا الرُّعْبَ
فَاضْرِبُوْا فَوْقَ الاَعْنَاقِ واضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
ملخص معاني الآية:
أشار فيها إلى إنزال الملائكة يوم بدر لنصر
المؤمنين، وأكّد لهم بأنه معهم فليثبّتوا المؤمنين، ثم وعد بأنه سيلقي في قلوب
الذين كفروا الرعب، فقاتلوا في سبيل الله، واضربوا أعناق الكافرين بالسيف، واضربوا
منهم كل ِمفصل وبنان.
جملة ما وردت فيها من المضامين:
1- أنزل الله تعالى يوم بدر الملائكة بقيادة
جبريل وميكال عليهما السلام.
2- أكثر الروايات تدل على أن الملائكة باشروا
القتال.
3- طمّن الله الملائكة بأنه معهم، وفيه دلالة
على أن الجهاد من أحد الأعمال المقربة من الله، شأنه شأن التسبيح والتقديس اللذين هما
من وظائف الملائكة، التي تُقرّبهم من الله تعالى.
4- أمر الله تعالى الملائكةَ بتثبيت المؤمنين
وتشجيعهم، ففعلوا كما اُمروا، بأن باشروا القتال، وألهموا في القلوب، وهتفوا
بالنصر والتأييد، وأبدوا حبهم الروحي للمجاهدين.
5- درّبهم الله سبحانه وتعالى على فنون القتال،
وأشار إلى أهم المواضع من العدو التي تَشلُّهم عند توجيه الضربة إليها.
إيراد ورده:
قد يتساءل هنا أحد أن الله سبحانه وتعالى أمر
الملائكة بتثبيت المؤمنين، أما إلقاء الرعب في قلوب الأعداء فجعله إلى نفسه، فما
الحكمة في ذلك؟
أورد الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى هنا
نكتة مهمة، فقال:
«قلوب المشركين لا تتأهل لإلهام الملائكة، لذلك
جعل إلقاء الرعب إليه سبحانه، وأمر الملائكة بتثبيت قلوب أهل الإيمان».
باشر الملائكة القتال يوم بدر بأيديهم. (موضح
القرآن)
تفسير جامع للآية:
«يمكن معرفة أهمية غزوة بدر بمشاركة إبليس
اللعين بنفسه فيها، فقد جاء يوم بدر إلى أبي جهل في هيئة سراقة بن مالك المدلجي،
سيد بني كنانة، وحثّه على القتال، وقال: لن يغلبكم اليوم أحد، فإني معكم وهؤلاء
قومي ورائي، وكان قد تجمّع تحت راية إبليس جند عظيم من الشياطين».
سوف تأتي تفاصيل هذه القصة. وقد ردّ الله تعالى
عليه بإرسال الملائكة بقيادة جبريل وميكال، وأعلن بأنه معهم، إن كان الشياطين قد
ظهروا بهيئة الناس لتشجيع المشركين على القتال، ولإلقاء الوساوس في قلوب المؤمنين،
فإن الله أمر الملائكة بالبروز للربط على قلوب المؤمنين البائسين وتثبيتهم، كأنه
قال: ادفعوا المؤمنين إلى القتال، وأنا اُلقي الرعب في قلوب المشركين، أنتم
اضربوهم فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان، لأن المشركين إنسهم وجنهم احتشدوا
اليوم لمحاربة الله ورسوله، فليعلموا كيف يعاقب الله أعداءه، والعقوبة الحقيقية هي
ما تنزل بهم يوم القيامة، لكنهم يتذوّقون عيّنةً من عذابه في الدنيا قبل الآخرة.
جاء في الروايات أن المؤمنين شاهدوا الملائكة
يوم بدر بأعينهم، وكان قتلى الملائكة من المشركين متميزين عن قتلى البشر.
أراد الله تعالى أن يريهم جانبا من عجائب
قدرته، إن كانت الشياطين على مختلف طوائفها من الجن والإنس قد احتشدت لمحاربة
الحق، فإنه سبحانه وتعالى أنزل الملائكة المقربين لنصر المؤمنين، أما الفتح والظفر
فتحت مشيئته وإرادته، وليس بحاجة إلى الملائكة والبشر، لأنه إن أراد نصر المؤمنين
بالملائكة، لكفاهم مَلَكٌ واحدٌ، إذ بإمكان مَلَك واحد أن يقلب قرية بأكملها مع
أهلها ويدمرها، فالمقصود هنا - في عالم الأسباب والتكليف - الرد على تحرّكات
الشياطين غير الاعتيادية لمناصرة المشركين. (التفسير العثماني)
تثبيت الملائكة للمؤمنين:
أمر الله تعالى الملائكة بتثبيت المؤمنين، أورد
المفسرون عدة أقوال في شرح معناه:
1- قال الحسن: بالقتال أي فقاتلوا.
2- وقال مقاتل: بشروهم بالنصر. فكان الملك يسير
أمام الصف في صورة الرجل فيقول: أبشروا فإن الله ناصركم.
3- وذكر الزجاج أنهم يثبتونهم بأشياء يلقونها
في قلوبهم تقوي بها.(البحر المحيط)
وقال الإمام الرازي:
إن الشيطان كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى
الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه. (التفسير الكبير)
4- وذكر الثعلبي نحوه قال: صححوا عزائمهم
ونياتهم على الجهاد. (البحر المحيط)
5- وقال ابن عطية نحوه، قال: يحتمل أيضاً أن
يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان من توهم الظفر، واحتقار
الكفار، ويجري عليه من خواطر تشجيعه. (البحر المحيط)
إلقاء الرعب في قلوب الكفار من
النعم الجليلة:
قال الله تعالى: {سَاُلْقِيْ فِيْ قُلُوْبِ
الَّذِيْنَ كَفَرُوْا الرُّعْبَ} فإلقاء الرعب في قلوب الكفار من نِعَم الله العظيمة
على المؤمنين في الجهاد، والمؤمنون إذا ملأوا قلوبهم بنية صادقة بالفداء والتضحية
بالروح والغالي لأجل دين الله، فإن الله يُلقي الرُعب في قلوب المشركين، ويشعرون
بالعجز والشلل أمام جحافل المؤمنين. قال أبو حيان:
ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة.
وقال الرازي:
وهذا من النِعَم الجليلة، وذلك لأن أمير النفس
هو القلب، فلما بين الله تعالى أنه ربط على قلوب المؤمنين بمعنى أنه قوّاها وأزال
الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين، فكان ذلك من أعظم نعم
الله تعالى على المؤمنين. (التفسير الكبير)
دروس وعبر:
هناك جانب كبير من الدروس والعبر التي تفعم بها
غزوة بدر، ففيها تأكيد على أهمية التدريب على فنون القتال، فقد قام الله تعالى
بتدريب الملائكة عليها بنفسه.
وأنه يجب على المقاتلين أن يتحلَّوا بالصفات
التي تستدعي قتال الملائكة إلى جانبهم في ساحة القتال، وما تستدعي إلقاء الله
الرعب في قلوب الأعداء.
لاشك أن القلوب إن كانت مفعمة بحب الآخرة،
بعيدة عن حب الدنيا، جاهدة في سبيل الله بنية خالصة، راغبة في لقاء الرب، متحمسة
للفداء بالروح والنفس، فإن الملائكة تنزل لنصرهم، ويُلقَى الرعبُ في قلوب الأعداء.
