{بسم الله الرحمن الرحيم}
{ذَلِكَ بِأنَّهمْ شَآقُّوا اللهَ ورَسُوْلَهُ. وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ
وَرَسُوْلَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَابِ. ذَلِكُمْ فذُوْقُوهُ وَاَنَّ
لِلْكَافِرِيْنَ عَذَابَ النَّارِ }.
ملخص معاني الآيتين:
يُعاقب الكفار بما ذُكر
لكفرهم وعصيانهم ومعاداتهم لله ورسوله، وما هو إلا مجرد طعم لعذاب أليم اُعدّ لهم
في الآخرة.
أكابر المجرمين:
الحكومات ترى من حقها
معاقبة المنشقّين والعصاة والمجرمين، ولا يُعَدُّ ذلك ظلماً، كذلك ليس من الظلم
إبادة السباع المفترسة والوحوش البشرية
التي تشكّل خطرا على حياة الآخرين، ومثله من العدل الأمر بقتل أولئك الذين يعادون
الله ورسوله، ويعصون أمره، ويتصدون لروح وعقيدة المؤمن، ويسعون إلى نشر الفساد
والكفر في الأرض، ويريدون أن يمحقوا الحق بالباطل لينصروه عليه، فإنزال الملائكة
لتصدي هؤلاء والأمر بقتلهم وقتالهم ليس من الظلم والجور في شيء.
مكانة أولياء الله:
قال القرطبي رحمه الله
تعالى:
لم يعاقب الكفار بما
عُوقبوا إلا لأنهم شآقّوا الله ورسوله، وأرادوا محاربتهما.
{شَآقُّوا اللهَ} أي أولياءه. (القرطبي)
من يجاهد في سبيل الله،
فإن الله يعتبر أعداءهم أعدائه، وبالتالي يُنزل الملائكة لإهلاكهم. (والله أعلم
بالصواب)
العذاب الأكبر لا زال باقيا:
إن هذا الذي نزل بهم في
ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة. (التفسير الكبير)
دروس وعبر:
دلّت الآية الكريمة على
أن أكبر وأخبث جريمة في الدنيا هي معصية الله ورسوله، فمن يكفر بالله، ويدافع عن
باطله، ويحارب المسلمين ليقضي عليهم، فهو من أكابر مجرمي الدنيا. يا ليت لو أذعن
كل مسلم لهذه الفكرة، واتخذها مقياساً للمودة والمعاداة، لتوحدت صفوف المسلمين،
وازدادت قوتهم وشوكتهم.
لقد وردت كلمة
{شَآقُّوا اللهَ} في الآية، والشِّق طرف الشيء وجانبه، والمعنى إن الذين فضّلوا
طرف الكفر والعداوة على طرف الإيمان والمؤمنين، لهم عذاب أليم. فالله سبحانه
وتعالى باستخدام كلمة (شآقوا) الدالة على الطرف والجانب أشار إلى أن المسلمين أمة
واحدة، وأن الكافرين أمة مختلفة عنهم، ثم بيّن أن هناك مقياسا للمودة والمعاداة،
فمن عادى الله ورسوله، لا يمكن أن يكون محبا للمؤمنين.
إضافة إلى ذلك فإن
الآية الكريمة تبعث روح الجهاد والقتال في نفوس المؤمنين، وتقول لهم: أيها
المؤمنون! إن كنتم تحبون الله ورسوله، فحاربوا أولئك الذين يشاقون الله ورسوله. ففي
الحالات العامة إن أخبر حبيب حبيبا أن فلانا يعاديني ويكرهني كراهة شديدة، فإن ذلك
يكفي لخلق مشاعر العداء والنفور في قلب الحبيب، وبالتالي يعاديه ويتنفر منه، إن
كان صادقا في الحب.
كما تشير الآية الكريمة
إلى عدل الجهاد وإنصافه، فالإسلام لا يريد إراقة الدماء ولا إزهاق النفوس، لكن
هؤلاء أعداء الإسلام من الكفار والمشركين بلغوا إلى أقصى حدود الجريمة والظلم،
وشاقوا الله ورسوله، لذلك فإن معاقبتهم وإراقة دمائهم من الخدمات الجليلة إلى
البشرية برمتها.
