{بسم الله الرحمن الرحيم}
{يَاَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْآ اِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا
زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوْهُمُ الاَدْبَارَ. وَمَنْ يُّوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ اَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ
بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَاْواهُ جَهَنَّمُ. وَبِئْسَ المَصِيْرُ}.
ملخص معاني الآيتين:
لا يجوز لمسلم أن يولّي
دبره يوم الزحف، ويهرب من ساحة القتال، فمن فعل ذلك ناله غضب من الله، ويُلقَى في
نار جهنم، أما إن كان تولّيه وفق تدبير حربي، أو يريد أن يتزوّد بقوة ويتجهّز
بأفضل أسلحة، فلا بأس به.
حكم الآية باق إلى يوم القيامة:
قال بعض أهل العلم:
الحكم المذكور في الآية خاص بغزوة بدر، لكن الجمهور على أنه باق إلى يوم القيامة،
كما قال القرطبي:
ويروى عن ابن عباس رضي
الله عنهما وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. (القرطبي)
قال صاحب التفسير
الحقاني في تفسيره:
قال ضحاك وغيره : الحكم
خاص بغزوة بدر، لأنها أولى المعارك، كما أن كلمة {يَومَئِذٍ} ترمز إليها. لكنه قول
ضعيف عند الجمهور، والمراد من {يَومَئِذٍ} يوم الزحف، لأن الآية نزلت بعد بدر،
فاللفظ عام يشمل جميع الغزوات والمعارك. (التفسير الحقاني)
بيان شامل للحكم المذكور:
فيما يلي نلخّص المسائل
التي ذكرها الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه «أحكام القرآن»:
1- كل غزوة يشهدها
النبي · بنفسه، لا يجوز لهم تولي الدبر.
قال الجصاص:
فهذا كان حكمهم إذا
كانوا مع النبي · قلَّ عدد العدو أو كثر، إذ لم يحدد الله فيه شيئاً.
وقد استدل على ذلك بالآية
155 من سورة آل عمران، والآية 25 من سورة التوبة.
2- إن لم يشهد النبي ·
القتال بنفسه، ولم يكن العدو أكثر بعشرة أضعاف المسلمين، لا يجوز لهم تولي الدبر،
أما إن كان العدو أكثر من ذلك، جاز لهم التولي بنية التحيّز إلى فئة، للاستمداد
بقوة. كما في الآية 65 من سورة الأنفال.
قال الجصاص:
فكان على العشرين أن
يقاتلوا المائتين، ولا يهربوا عنهم، فإذا كان العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز
إلى فئة من المسلمين نصرة لمعاودة القتال.
3- نسخت الآية 66 من
سورة الأنفال هذا الحكم، وكُتب على المؤمنين أن لا يهربوا من عدو يزيده ضعفين.
قال ابن عباس: إن فر
رجل من رجلين فقد فرّ، وإن فر من ثلاثة فلم يفر، قال الشيخ يعني بقوله: «فقد فر» الفرار
من الزحف المراد بالآية، والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من
الكفار، فإن زاد عدد الكفار على اثنين، فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من
المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم،
فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: {وَمَنْ يُّوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
دُبُرَهُ} الآية.
4- فإذا بلغوا اثني عشر
ألفاً، فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم
وإن كثر عددهم، ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه، واحتج بحديث الزهري عن عبيد الله
بن عبد الله أن ابن عباس قال: قال رسول الله ·: خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا
أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يوتى اثنا عشر ألفا من قلة، ولن يغلب. وفي
بعضها: «ما غلب قوم يبلغون اثني عشر ألفاً إذا اجتمعت كلمتهم».
وذكر الطحاوي أن مالكاً
سُئل فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال له
مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف وإلا فأنت في سعة من التخلف.
وكان السائل له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، وهذا المذهب
موافق لما ذكر محمد بن الحسن. والذي عن النبي · في اثني عشر ألفا فهو أصل في هذا
الباب، وإن كثر عدد المشركين، أن يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم، لقوله ·: إذا
اجتمعت كلمتهم وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم. (أحكام القرآن للجصاص)
الفرار من ساحة القتال حرام:
قال القرطبي رحمه الله
تعالى:
حرّم الله ذلك على
المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. (القرطبي)
أخرج مسلم في صحيحه عن
أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي · قال:
«اجتنبوا السبع
الموبقات» وعَدَّ منها : التولّي يوم الزحف. (القرطبي)
وعن ابن عباس رضي الله
عنهما الفرار من الزحف من أكبر الكبائر. (البحر المحيط)
وقال القرطبي:
«فمهما كان في مقابلة
مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن». (القرطبي)
ثم أشار القرطبي إلى
غزوة موتة التي ثبت فيها ثلاثة آلاف من المسلمين أمام مائتي ألف من العدو، كما
أشار إلى قصة طارق بن زياد رحمه الله تعالى، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تفسير
القرطبي.
التدبير الحربي العظيم:
إن كان الله سبحانه وتعالى
قد أكّد على أن الفرار يوم الزحف من الأعمال الشنيعة ليثبتوا أمام العدو بكل قوة
وبسالة، فإنه أشار إلى أمرين مهمين:
الأول: التحرّف و
الثاني: التَحَيُّز.
فالتحرّف اتخاذ ترتيبات
محكمة ذكية تتخلها عمليات الكرّ والفرّ، وإصابة العدو بأضرار فادحة بتدابير آنية
قابلة للتغير في كل لحظة. وهذه المعاني جمعها الله تعالى في كلمة «التحرّف».
كما قال القرطبي:
التحرّف: الزوال عن جهة الاستواء، فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير
منهزم. (القرطبي)
أما التَحَيُّزُ فشدّ
أزر المجاهدين بإنشاء شبكة من الامدادات المتنوعة بظهر ساحة القتال بحيث يمكن لهم
تقوية أنفسهم في حالة وصولهم إليها، إضافة إلى قدرتها على مد المجاهدين بالتعزيزات
والإمدادات الحديثة والمؤن والذخيرة ليمكن لهم الكرّ على العدوّ، وكان النبي · قد
حوّل نفسه والمدينة بأكملها إلى فئة للمجاهدين، ومثله فعل عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنه، فكان سببا في تقوية الجهاد وتعزيزه. (والله أعلم بالصواب)
الأجواء القرآنية:
ليس من السهل الثبات في
ساحة القتال ومجابهة العدو بكل شجاعة وبسالة، لذلك قدّم القرآن الكريم قبل بيانه
جواً عظيماً يسهّل ذلك الصعب، اقرأ الآية السابقة، ففيها أن الله أخرج نبيه
للقتال، وصرّح بغرض الجهاد بأنه إحقاق الحق، وأنزل الملائكة، وبيّن معاداة الكفار
والمشركين لله ورسوله، ثم أعقبها بأمره بالثبات في ساحة القتال وحرّم عليهم
التولّي يوم الزحف. كيف يجيز الله تعالى الانحراف عما كتب عليهم، والموافقة على
هزيمة الحق وتشجيع الكفار، وفرار المؤمنين من الاستشهاد، وخذلان المؤمنين أمام
الملائكة، وسخرية الكفار من المؤمنين؟ اقرءوا الآيات من أولها، ترون أنها تبعث في
المؤمنين الهمة وتحثهم على الثبات، وتسهّل لهم الفداء بالروح مقابل الفرار يوم
الزحف. (والله أعلم بالصواب)
الاستغفار لمن تولي يوم الزحف:
قال القرطبي: من صدر
منه هذا الذنب العظيم، عليه أن يستغفر الله عزوجل ويتوب إليه، كما في الحديث، قال
القرطبي:
فإن فرّ فليستغفر الله
عزوجل : روى الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي ·
يقول: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله له
وإن كان قد فرّ يوم الزحف. (القرطبي)
دروس وعبر:
لقد شحن الله تعالى هذه
الآية بكثير من الدروس والعبر، منها:
1- وجوب تربية
المجاهدين وتدريبهم نفسيا وقلبيا وبدنيا بحيث يثبتون في ساحة القتال، ولا يتولون
منها، حتى يستوجبوا غضب الله عليهم.
2- أقل تربية جهادية
يكتسبها المؤمن هي ما تؤهله لمواجهة رجلين من المشركين. (وذلك بإشارة النص)
3- تقوية صلة المجاهدين
مع الله، وأن تكون همهم عالية، ومقاصدهم رفيعة، ويشتاقون إلى لقاء الله، الذي
يُسهّل لهم الثبات في ساحة القتال.
4- استخدام عمليات
الكرّ والفرّ أثناء القتال.
5- إنشاء معسكرات
وثكنات للمقاتلين بالقرب من ساحة القتال تؤويهم وتمدهم بالتعزيزات العسكرية.
(والله أعلم بالصواب)
المرفق:
لاحظوا هذه العبارة
النافعة:
«من أحد أهم ضوابط
الانتصار في القتال تطبيق قوله تعالى: {يُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِهِ صَفًّا
كَاَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرصُوْصٌ} عمليا في الميدان، فلن يفارق جندي مكانه،
وليثبت فيه مثل الجبل». أما تولّي الظهر للعدو والفرار من الميدان فمعناه السعى
إلى المحافظة على النفس والروح، لكن بفرار رجل واحد قد يفر الجيش بأكمله، فيتغلّب
الكفار على المؤمنين، ويستعبدونهم، لذلك تقرر من الكبائر في الشريعة، وحذّر من غضب
الله وناره لمن ارتكبه. إذ بفرار رجل واحد قد تفسد ترتيبات الجيش، ويضعف رعبهم على
العدو، فيُبتلى الجميع بآلام ومحن، لذلك عدّه الرسول · من أكبر الكبائر، وفي
الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن
قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال
اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات. (رواه البخاري ومسلم)
أخرج الطبراني عن ثوبان
رضي الله عنه رفعه قال: من أتى إحدى هذه الثلاثة لم ينفعه عمل صالح، وهي: الإشراك
بالله وعقوق الوالدين والفرار يوم الزحف.
أخرج أحمد في مسنده عن
بشير بن معبد رضي الله عنه أنه قدم إلى النبي · ليبايعه، فعرض عليه ثلاثة شروط،
وكان منها: أن أجاهد في سبيل الله. قال بشير: فرفضته مخافة من الفرار يوم الزحف،
فقال النبي ·: فبم تدخل الجنة؟ فقبلته، وبايعته.
لم يرخص القرآن للفرار
يوم الزحف إلا في وجهين:
الأول: أن لا تكون
الأرض صالحة للقتال، ويتفق خبراء الحرب على وجوب تغييرها.
الثاني: أن يريد معاودة
الهجوم على العدو بجيش أكبر.
