{سورة الأنفال مدنية، الآيات : 17، 18}

   بسم الله الرحمن الرحيم

{فَلَمْ تَقْتُلُوْهُمّ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ، وَمَا رَمَيْتَ اِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى. ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِيْنَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا. اِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ. ذَلِكُمْ واَنَّ اللهَ مُوْهِنُ كَيْدَ الْكَافِرِيْنَ}.

ملخص معاني الآيتين:

أشار فيهما إلى أن المشركين الذين قُتلوا يوم بدر إنما قتلهم الله تعالى، وأن حفنة من التراب التي رمى بها النبي · إلى المشركين إنما رماها الله، ليُنعم على المؤمنين بنِعَم حسنة، ويكرمهم بالفتح العظيم والظهور على المشركين، وليُضعف قوة المشركين وتدابيرهم.

نعمة عظيمة:

كلمة «البلاء» في الآية الكريمة بمعنى النعمة والإحسان.
البلاء ههنا النعمة. (القرطبي)
والمراد من هذا البلاء الإنعام، أي يُنعم عليهم بنعمة عظيمة من النصرة والغنيمة والأجر والثواب. (التفسير الكبير)
وقيل بالشهادة لمن استُشهد يوم بدر. (البحر المحيط) وعددهم أربعة عشر رجلا.
وباختصار، إن الله نصر المؤمنين، وقتل المشركين، وأصاب عيون جميع المشركين من قبضة تراب، ليُنعم على المؤمنين بنعمة جليلة، ويغدق عليهم عطاءه. ومن هنا عرفنا أنه ما من مناسبة يقوم فيها المؤمنون بنفس الترتيبات التي قام بها المؤمنون يوم بدر إلا واستحقوا بلاء حسنا وعطاءً جميلاً من الله.

القضاء على العُجب والأنانية:

قال القرطبي رحمه الله تعالى:
روي أن أصحاب رسول الله · لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل: قتلت كذا، فعلت كذا، فجاء ذلك من ذلك تفاخر ونحو ذلك... الخ (القرطبي)
ومثله قال صاحب التفسير الحقاني بتعبير مختلف:
قال مجاهد رحمه الله تعالى: سبب نزولها أن المسلمين لمّا عادوا من بدر ظلوا يقولون: فعلت كذا، قمت بكذا وكذا من الأعمال البطولية، فنزلت الآية، وأشارت إلى أن كل ذلك كان بفضل الله وتوفيقه، حتى إن الذي فعله النبي · من رمي قبضة تراب أصابت عيون المشركين كلهم، لم يكن منه ·، إنما كان من الله تعالى وبتوفيقه، وبذلك قضى على جميع وجوه إعجاب المرء بأعماله. (التفسير الحقاني)
ومن هنا عرفنا أن المجاهدين إذا صاروا يتحدثون عن بطولاتهم وإنجازاتهم بعد الفتح، ونسوا ما أنعم الله عليهم من نعمة النصر والتأييد، فإن ذلك يضر بفكرة الجهاد ونظريته، ومن ثم صاروا ينظرون إلى العدد والعُدّة والتدابير، ولا ينظرون إلى الله تعالى، فإن مات هؤلاء الأبطال، أو ضعفت قوتهم، امتنع البقية عن الخروج في سبيل الله. فأراد الله تعالى أن يُعلّم المؤمنين أنهم ما فعلوا شيئا من عندهم، بل أكثر ما فعلوه هو أنهم خرجوا بأنفسهم وأرواحهم فداءً للدين ودفاعا عن حياضه يطلبون مرضاة الله، فانهال عليهم بوابل من فضله وكرمه، وأثابهم بأن قتل بهم الكفار، وألحق بهم الهزيمة، وإلا لم يكن بحاجة إلى كل ذلك، فمن منِّه وإحسانه أن وفّقهم للأعمال التي هي من وظائف الملائكة، حيث عذّب أعداءه بأيديكم، وقَتَلَهم. لذلك لا تنظروا إلى إنجازاتكم وبطولاتكم، وانظروا إلى ما أنعم الله عليكم من نعمة النصر والفتح، ولتعلموا أن النصر لا يأتي إلا من الله، الحي القيّوم الذي لا يموت، فتوكلوا عليه إذا خرجتم لتجاهدوا في سبيله. (والله أعلم بالصواب)

حوادث الرمي:

الرمي في اللغة القذف والرشق، لكن الآية تشير إلى حادثة؟ فما هي؟
إلى ما رمى به النبي · إلى المشركين يوم بدر؟
أو إلى ما رمى به النبي · إلى المشركين يوم حنين؟
أو إلى ما طعن النبي · اُبي بن خلف يوم اُحد؟
أو إلى السهم الذي رماه إلى ابن أبي الحقيق زعيم اليهود يوم خيبر؟
ذكر المفسرون الأقوال الأربعة، ورجّحوا القول الأول.
قال القرطبي: «وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبي ·: خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة. قاله ابن عباس». (القرطبي)

إشارة إيمانية:

قال العلامة اللاهوري بشأن تفسير الآية الكريمة:
ليس عليكم إلا أن تثبُتوا في ساحة القتال، وتقوموا بما تستطيعون، أما الفتح فبإذن الله تعالى. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
أي إن المؤمن إن قدّم نفسه للفداء والتضحية، وخرج لمجابهة أعداء الإسلام، فإن الله يُنجز عنه ما بقي من الأعمال، فالله سبحانه وتعالى في الحقيقة يقتل الأعداء ويهزمهم، رغم نسبة تلك الأعمال إلى المجاهدين في الظاهر، فالله سبحانه وتعالى يجعل القوة والتأثير في أعمال المجاهدين، ويكفيهم القتال، وهذا من أفضاله العظيمة، إذ هو من يقوم بالأعمال كلها، مع ذلك يُثيب المجاهدين عليها، يُنجز الأعمال بأيدي المجاهدين، وينسبها إلى نفسه. سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. (والله أعلم بالصواب)

كلام خير وبركة:

لمّا حمي وطيس الحرب، أخذ النبي · قبضة من التراب، فرمى بها إلى المشركين، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه بإذن الله تعالى، ثم انهزموا، ليعلم المؤمنون أن الفتح ليس بفضل قوتهم وإنجازاتهم، إنما بنصر الله وتأييده، ومن هنا وجب عليهم أن يمتنعوا عن المداخلات في شيء منها. (موضح القرآن)

{ذَلِكُمْ واَنَّ اللهَ مُوْهِنُ كَيْدَ الْكَافِرِيْنَ}...

أراد بلفظ (ذلكم) النعمة العظيمة التي أنعم بها عليهم.
وفي البحر المحيط: «إشارة إلى البلاء الحسن».
وقال: «يعني الغرض إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين». (البحر المحيط)
كيف يوهن الله تعالى الكفار؟ لاحظوا العبارات التالية:
1- والمعنى أن الله عزوجل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يتشتتوا ويتفرق جمعهم فيضعفوا، والكيد المكر. (القرطبي)
2- توهين الله تعالى كيدهم يكون بأشياء بإطلاع المؤمنين على عوراتهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم. (التفسير الكبير)

نكتة مهمة:

أشار إلى أن الكفار مهما بلغت قوتهم ومهما قَوِيَ كيدُهم، فإن الله ينقضهما.
قال الشيخ شبير أحمد العثماني في تفسيره «التفسير العثماني»:
«لقد نقض الله تعالى جميع ما دبّر مشركوا مكة من كيد وتدبير سيء يوم بدر، ويفعل مثل ذلك كلما دبّر المشركون كيداً ضد المؤمنين». (التفسير العثماني)
وقال العلامة أحمد علي اللاهوري:
«لقد قرّر الله تعالى أن توطأ قوة الأعداء تحت الأقدام». (حاشية اللاهوري رحمه الله)
وبالتأمل في الآيتين الكريمتين توصلنا إلى أن المؤمنين إذا توكلوا على الله، وقاموا بمواجهة أعداء الإسلام طلباً لرضاه سبحانه، فإن نصر الله ينزل في ساحة القتال، ويكرم المؤمنين بالنصر والفتح، ويدمّر قوة الكافرين وكيدهم. ومن هنا عرفنا أنه ليس من مهمة المؤمنين أن يغتمّوا على كيد الكافرين، ويَرعَدوا بسبب أعدادهم الكبيرة، ويقعدوا عن قتالهم، بل عليهم أن ينزلوا في ساحة القتال متوكلين على الله، ويؤمنوا بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ واَنَّ اللهَ مُوْهِنُ كَيْدَ الْكَافِرِيْنَ}.
لذلك أرجو من أولئك المفكرين الذين يُخوّفون المؤمنين من تقدّم المشركين في شتى الميادين وقوتهم، أن يتأمّلوا في هذه الآية الكريمة. (والله أعلم بالصواب)

دروس وعبر:

1- لا يتحقق للمؤمنين شيء من الفتح والظفر إلا بنصر الله وتأييده.
2- لا يجاهد المؤمنون إلا بعد توكلهم على الله، وبنصره يفوزون، لذلك يجب على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويخرجوا للجهاد في سبيله.
3- يجب على المجاهدين أن يحذروا من العُجُب والفخر والأنانية إذا تحقق النصر لهم.
4- يجب على المؤمنين أن يواجهوا الكفار ليُبليهم اللهُ بهم، ويُنعم عليهم، وليُوهن كيد الكافرين ويُضعف شوكتهم.
5- يحب الله تعالى عباده المؤمنين لدرجة أنه يقوم بالأعمال بنفسه ثم يثيبهم عليها، أو يستعملهم ثم ينسبها إلى نفسه. (والله أعلم بالصواب)

المرجع:

لاستيعاب معنى قولنا: (يقوم بالأعمال بنفسه ثم يثيبهم عليها) ارجع إلى ما ذكره صاحب (تفسير بيان القرآن). ولاستيعاب معنى قولنا: (يستعملهم ثم ينسبها إلى نفسه) ارجع إلى ما ذكره صاحب (تفسير الفرقان) تحت هذه الآية.