بسم
الله الرحمن الرحيم
{إنْ تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ وإِنْ تَنْتَهُواْ فَهُوَ
خَيْرٌ لَكُمْ وإِنْ تَعُوْدُواْ نَعُدْ، وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكَمْ
شَيْئًا وَّ لَوْ كَثُرَتْ وَاَنَّ اللهَ مَعَ الْمُوْمِنِيْنَ}.
ملخص معاني الآية:
لقد تبدّد فخر المشركين وتفنّدت حساباتهم
الخاطئة بعد بدر، كانوا يطلبون الفصل من الله بينهم وبين المؤمنين زعماً منهم أنهم
على الحق، فقد حكم الله تعالى بينهم يوم بدر، ونصر من كان على الحق. فليس الآن
أمام المشركين إلا أن ينتهوا عن كفرهم وشركهم ويدخلوا في الإسلام، ويفوزوا بالخير
والسعادة، فإن لم ينتهوا عمّا هم عليه، فإن الله سيعود لنصر المؤمنين، ويغلبهم
عليهم، ولن تُغني عن المشركين فئتهم العظيمة، لأن الله مع المؤمنين، وهذا أصل لا
يتغير.
سبب نزول الآية:
قيل إن الخطاب في الآية للمؤمنين، والأصح أن
الخطاب فيها للمشركين.
كما قال القرطبي: والصحيح أنه خطاب للكفار.
(القرطبي)
القول الأول وهو قول الحسن ومجاهد والسدي أنه
خطاب للكفار. (التفسير الكبير).
1- فإنهم لمّا نفروا إلى نصرة العير تعلقوا
بأستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدينين. (القرطبي)
(أشار في الآية إلى أنه قَبِلَ دعاءكم، ونصر
أهدى الطائفتين وأفضل الدينين).
2- وروي أنه (أي أبو جهل) قال: اللهم أيّنا كان
أقطع للرحم وأفجر فأهلكه الغداة. (التفسير الكبير)
قال الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله:
لقد أكثر الله تعالى من ذكر مقولة المشركين
«متى هذا الفتح» في السور المكية، وهنا صرّح بأن هذا الفتح قد جاء، فإن انتهيتم عن
جحودكم وإنكاركم (فبها) وإن عُدْتُم (إلى القتال) عُدنا (إلى النصر). (موضح
القرآن)
لقد شاهدتم الحجة:
من السهل توجيه دعوة الإسلام إلى الكفار بعد
الانتصار عليهم في القتال، لأنهم إن كانوا يزعمون أنهم على الحق فإن زعمهم قد
تلاشى الآن، وإن كانوا يريدون مشاهدة نصر الله للإسلام فقد شهدوه. قال العلامة
اللاهوري:
قولوا للكفار: إن أردتم مشاهدة نصر الله تعالى
للمسلمين فقد رأيتموه، وإن عصيتم وكفرتم دُحرتم، ولن تُغني عنكم قوتكم مقابل قوة
الله، وأن الله مع المؤمنين. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
وقال الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله:
«الخطاب مُوَجَّهٌ إلى مشركي مكة، كانوا يقولون
للنبي ·: «متى هذا الفتح إن كنتم صدقين» (والفتح أي الحُكم بيننا وبينكم) فالحكم
الكامل يأتي يوم القيامة، لكنكم رأيتم اليوم ببدر جانباً منه، أن الله كيف عاقبكم
بيد المسلمين الضعفاء على غير العادة، فإن انتهيتم عن كفركم وشرككم، ففيه نفعكم في
الدنيا والآخرة، وإن عُدتم إلى القتال، عُدنا إلى نصر المؤمنين، فيصيبكم عار وذلة،
وبما أن الله مع المؤمنين، فإن فئتكم لن تنفعكم مهما بلغت في العدد والعُدّة.
(التفسير العثماني)
إن الله مع المؤمنين:
أشار الله تعالى في نهاية الآية الكريمة إلى
أصل لا يتغير، فقد قال: {وأنَّ اللهَ مع المُؤْمِنِين}.
قال القرطبي: «أي من كان الله في نصره لم تغلبه
فئة وإن كثرت». (القرطبي)
نزلت هذه الآيات بعد غزوة بدر، وفيها بيان لما يصير
إليه المستقبل، رغم احتفاظ المشركين بجزء كبير من قوتهم آنذاك، حيث أبدوها يوم
اُحد وحُنين وخندق، وكان المسلمون ضعفاء، وفي هذه الظروف دعاهم إلى الإسلام وأنذرهم
بالهلاك إن عادوا إلى القتال. لقد تعاقبت على المسلمين مراحل عدة شهدت الصعود
والهبوط، وفي آخر المطاف كان المسلمون هم المنتصرين، شهد ذلك العالم كله، كما
بسطوا حكمهم على جزيرة العرب برُمّتها، وزال الشرك والمشركون. فبربط هذه الآية
بغزوة بدر عرفنا أنه ما من وقت يحيي فيه المسلمون فريضة الجهاد، وعملوا مثلما عمل
المسلمون يوم بدر، إلا تحقق لهم ما تحقق للبدريين من نصر وتأييد. (والله أعلم
بالصواب)
دروس وعبر:
1- إن كان المسلمون في حالة الضعف، اختلط أمرهم
على المشركين، وظنّوا أنهم على الحق، وأن المسلمين على الباطل، لذلك وجب دحر قوتهم
بالجهاد، حتى يُصلحوا خطأهم، وينتهوا عن كفرهم وضلالهم.
2- في الجهاد يكرم الله تعالى المسلمين بمعيته
الخاصة التي ترافق نصره وتأييده، فما من جمع من المجاهدين آمنوا بمعية الله تعالى
إلا وأحسّوا بالقوة الغريبة والبركة والنصر.
إن الله معنا ... إن معي ربي ... الله معنا
فهذا درس مهم ونافع جدا. (والله أعلم بالصواب)
