{سورة الأنفال مدنية، الآيات 2، 3، 4}


{بسم الله الرحمن الرحيم}
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)}.

مخلص معاني الآيات:

ما من مؤمن حقيقي صادق الإيمان إلا وتحلّي بالصفات الخمسة التالية:
(1) إذا ذُكر الله وجل قلبه بحب الله وعظمته.
(2) وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا.
(3) وعلى ربهم يتوكلون.
(4) الذين يقيمون الصلاة.
(5) ومما رزقناهم ينفقون.
فهؤلاء الصادقين المخلصين يكرمهم الله بالنِعم الثلاث التالية:
(1) لهم درجات عالية عنده.
(2) يغفر ذنوبهم.
(3) يرزقهم رزقا كريما.

فائدة:

لا يخرج المسلم للجهاد في سبيل الله إلا لغاية، فإن تمكن من تحقيق تلك الغاية على قلبه وماله وجسده، فهو صادق فيه، وتفتحت أمامه سُبل النصر والفتح والغلبة.
فمنهج الصدق في الإيمان هذا يحتوي على خمس نكات:
(1) أن يملأ قلبه بعظمة الله.
(2) أن يسترشد بكتاب الله تعالى.
(3) لا يتوكل على أحد إلا الله، فلا يفوض أموره إلى غيره، ولا يرجو إلا منه، ولا يخاف غيره.
(4) لا يقوم بعمل بدني إلا لله.
(5) لا يقوم بعبادة مالية إلا لله.
فباختصار، لا يحكم على قلبه أحد إلا الله، فلا يسترشد إلا منه، ولا يثق إلا فيه، ولا يتوكل إلا عليه، لا يعبد أحداً إلا الله، ولا ينفق ماله إلا لطلب رضاه سبحانه وتعالى.
أو نقول: ملأ قلبه بجلال الله وعظمته. لا يوفّق لها إلا من قويت صلته بالقرآن الكريم، ولا يوفّق لها إلا إذا صرف نظره عن الأسباب المادية، وركّزه على ذات الله سبحانه وتعالى بحيث لا يرجو غيره، وعندئذ يتخشع في صلاته، وينفق في سبيل الله الغالي والنفيس. فالنكات الخمسة متلاصقة متراصة، أحدها وسيلة لتحصيل الثانية، وخلاصتها تقوية صلة العبد مع ربه، بحيث لا ينزل إلى ساحة القتال إلا منطلقا منها، وبعدها يوفّق لإظهار دين الله على العالم كله، كما وفّق صحابة رسول الله · وسلف هذه الأمة. (والله أعلم بالصواب)

فائدة:

لقد تزيّن المجاهدون يوم بدر بالصفات المذكورة كلها، فنصرهم الله على عدوهم، ونزل جبريل من السماء للقتال إلى صفوفهم، وألحقوا بالمشركين أضراراً فادحة. ثم لمّا حوّلوا انتباههم إلى الغنائم لبعض الوقت، نصحهم وحذرهم من مغبّة الاهتمام بالدنيا.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم. (ابن كثير)

الأقوال ومراجعها:

{إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم}...
(1) قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
فأدوا فرائضه. (لأن قلوب المنافقين خالية عن عظمة الله تعالى، فلا يقومون بتأدية الفرائض إذا كانوا منعزلين عن الناس، وإذا كانوا مع الناس خلا قلبهم عن ذكر الله تعالى). (ابن كثير رحمه الله)
(2) وقال الإمام النسفي رحمه الله تعالى:
فزعت لذكره استعظاما وتهييبا من جلاله وعزه وسلطانه. (المدارك)
(3) إذا ذُكر الله أثناء الكلام وجلت قلوبهم من خشيته. (التفسير العثماني)
(4) قال الإمام القرطبي رحمه الله:
وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز: {الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم} قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له اتق الله كف ووجل قلبه. (القرطبي)
(5) وقال الرازي رحمه الله:
والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمنا إذا كان خائفا من الله.
ثم قال:
الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال، أما خوف العقاب فهو للعصاة وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين سواء كان ملكاً مقربا أو نبياً مرسلاً. (التفسير الكبير)

ملخص التقرير:

بما نقلنا من أقوال أهل العلم اتضحت نوعية الخوف الذي يطرأ على المؤمن عند ذكر الله تعالى، فهو ليس من نوع الخوف من الأسد أو الحية والثعبان، بل هو الخوف المشوب بالحب والمنّ والعظمة والجلال، الذي يقرّب العبد من ربه. الجهاد من أحد المواقع التي تزيد من أهمية الخوف، لذلك قدمه على بقية الصفات الخمسة، فجهاد المجاهد إن لم تتغلب عليه صفة الخوف، يُخشى عليه أن يصير فسادا في الأرض خلال لحظات، إن لم يكن يخشى الله تعالى فإنه يخشى غيره، والذي يؤدي إلى إضعاف قواه البدنية والروحية. ثم بعد تحقق الفتح والانتصار على العدو إن كان القلب خاليا عن الخشية، تسارعت قدماه إلى الظلم والعدوان، وإن لحقته الهزيمة خضعت رقبته أمام الكفار، واليأس يدفعه إلى الذل. لا يزال المجاهد يتلقى الدعوات من الكفار بالانهماك في ملذات الدنيا وبهجتها وشهواتها، حتى يتخلى عن الجهاد، وفي مثل هذه المواقع لا يمكن له الابتعاد عن الخمور والنساء ومذلة المعاصي والعذاب إلا بالحب الصادق واستحضار عظمة ربه وجلاله.
لا يخرج المجاهد من بيته إلا لإعلاء كلمة الله في العالم بأسره، فإن كان قلبه خاليا عن خشية الله تعالى، كيف يُعلي كلمته، إذ أكوام المال تحيط به في الأوقات كلها.
فهذه الأموال الجماعية قد تحمله على الخيانة ما بين عشية وضحاها، ولا شيء يمنعه منها سوى خشية الرحمن، والمجاهد قد يواجه الفقر والجوع والأسر وغيرها من صنوف المحن والبلايا، التي قد تُحرمه من نعمة الإيمان إن كان قلبه خاليا عن الحب والخوف. ثم إنه يحمل السلاح بيده، والمرء قد يغترّ بالقوة، فينسى غرضه الحقيقي، ويُقبل على التكابر، فيغفل عن هدف الدين الأساسي الذي لأجله يحارب، بل يتخذ عزه غايته، ولا شيء يدفعه إلى استخدام السلاح بالطريقة الصحيحة غير الخشية. وأهم شيء في الجهاد أمران: الأول: طاعة الأمير. والثاني المحافظة على العلاقات الطيبة مع إخوانه المجاهدين. وهما من الأمور الصعبة التي تتطلب مخالفة النفس، فلا يحمله على القيام بهما غير الخشية. فالمجاهد الذي فتح الله عليه البلاد يجد بين يديه كوم المال والنسوة اللاتي لا حيلة لهن، والجنود العُزّل الذين ارتكبوا جرائم بحق البشرية، ومتاع الدنيا العزيزة. والمجاهد الذي مُني بالهزيمة ليس بين يديه إلا الذُل والهوان والتبعية والمحادثات، ونداءات التخلي عن الدين والجهاد والانقياد. وقلب المجاهد إن كان فارغا عن حب الله وعظمته وخوفه، ارتكب الأخطاء في المواقع كلها. فباختصار، خشية الرحمن من إحدى الصفات اللازمة والمهمة التي يجب أن يتزيّن بها المجاهد، أما في عصرنا عصر الرعب والخوف من سلاح المشركين وقوتهم، فلا شيء يخلّصهم من الرعب والخوف إلا الإيمان القوي بعظمة الله وقوته وحبه، وتسخيرها لفائدته. (والله أعلم بالصواب)
{وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا}..
(1) الآيات والأحكام الإلهية تزيد في إيمانهم وقوته. (التفسير العثماني)
(2) ازدادوا بها يقينا وطمأنينة. (المدارك)

ملخص التقرير:

إن القرآن الكريم أفضل وسيلة لإحياء مشاعر العظمة والإجلال والخوف في القلب، فتلاوة القرآن، وفهمه وتدبر آياته، والعمل بها، والارتباط القوي مع القرآن، كل هذه تساعد في تقوية صلة العبد مع ربه، ولا يمكن له الثبات في ساحة القتال بدون الارتباط مع القرآن، وبدون الاهتداء بهديه في المراحل كلها، فالقرآن يزيد في إيمانه ونشاطه. كما أنه لا يواجه صعوبات في القيام بمهام الجهاد إن قويت صلته مع القرآن، بل يزيده قوة وصلابة، ويتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
{وعلى ربهم يتوكلون}..
(1) فيها إشارة إلى سلوك المؤمنين في الجهاد، إذ أنظارهم لا تتركز على بريق السلاح، والبدلات العسكرية والأوسمة، إنما يعتمد قبل كل شيء على ذات الله سبحانه وتعالى. (التفسير الماجدي)
(2) قال الإمام النسفي رحمه الله:
وعلى ربهم يتوكلون، يعتمدون ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم لا يخشون ولا يرجون إلا إياه. (المدارك)
(3) قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب. (ابن كثير)

ملخص التقرير:

كان المسلمون قلة ضعفاء، والدنيا امتلأت بالكفر وقوته، فلو لم يتوكلوا على الله، لما أمكن لهم الجهاد في سبيل الله، وما بلغ الدين إلى الأمصار والبلاد التي وصل إليها. فالثقة بالله شجّعتهم على الجهاد ومواجهة الأعداء، وهذه الثقة والتوكل على الله أكبر سلاح لهم اليوم الذي يمكّنهم من الثبات في ميادين الجهاد، كلّما صرفوا أنظارهم عن الأسباب المادية، انقشعت الأغطية عن أعينهم، لأنهم إن ركّزوا على الأسباب المادية لما تحقق لهم الفتح يوم بدر، التي يبيّنها الله تعالى في القرآن مراراً. لم يقاتلوا إلا بفضل التوكل على الله. جنود طالوت الأقل عددا وعُدّة واجهوا جنود جالوت الأكثر عددا وعُدّة بفضل التوكل.
ولمّا حرّض نبي الله موسى عليه السلام قومه على جهاد العمالقة، أمرهم بالتوكل على الله، كما قاله الله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} لكن بني إسرائيل لم يوفّقوا للتوكل، وفي الحقيقة ما من قوم يلهث وراء حطام الدنيا وملذاتها، اغتروا بها، وزعموا أن القوة الحقيقية هي ما في هذه الدنيا الزائلة الفانية، وأما حال طالبي الآخرة ونعيمها فهي مختلفة عنهم، إذ هم لا ينظرون إلا إلى الله، إلى قوته وطاقته ومغفرته وجنته، ثم لمّا يشاهدون الدنيا وما فيها من القوة والشوكة، يجدون أنها لا ترتفع في أعينهم أكثر من شبكة العنكبوت، أو جناح ذبابة، فهذا كان حال صحابة رسول الله ·، ألقوا بأنفسهم في البحر، خاضوا الغمار، واقتحموا الأدغال، وواجهوا مئات الآلاف. كانوا يؤمنون بأن الله معهم، يعلمون عن مصيرهم إن قُتلوا في سبيل الله. فباختصار، لا مفر من التوكل في الجهاد. (والله أعلم بالصواب)
{الذين يقيمون الصلاة}..
(1) جمع بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة. (المدارك)
(2) فقعوا له ساجدين عابدين، وأنفقوا في سبيله. (التفسير العثماني)
(3) وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ·. (تفسير ابن كثير)

ملخص التقرير:

خص إقامة الصلاة بالذكر، وفيه إشارة إلى أنها ركن مستقل من أركان الإسلام وفريضة محكمة من فرائضه، ومن هنا عرفنا بطلان من قال: إنما فُرضت الصلاة للإستعداد للجهاد والتربية، بل الصلاة من أعظم أركان الإسلام ومن أهم فروضه. وهي حق الله تعالى.
إقامة الصلاة وهو حق الله تعالى. (ابن كثير)
الصلاة عماد الدين، والفارقة بين المؤمن والكافر. وهي لا تسقط أثناء الجهاد، ولا المجاهد مترفع على الصلاة. ومن أهم وسائل النجاح في الجهاد إقامة الصلاة. كلما قَوِيَ المجاهد في الصلاة قَوِيَ في جهاده، وهي تجعله مجاهدا حقيقيا، وتمنعه عن الفحشاء والمنكر. لذلك إن كان المجاهد راغبا في أن يقبل الله جهاده وأن تُكلّل جهوده بالنجاح، فما عليه إلا أن يهتم بالصلاة. فهذا هو الدرس الذي أخذناه من هذا الجزء من الآية. (والله أعلم بالصواب)
{ومما رزقناهم ينفقون}.
(1) والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب. (ابن كثير)
(2) من سمات المؤمن أنه يتخذ طاعة الله غاية حياته، وأنه ينفق ماله في سبيل الله. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
(3) ويدخل فيه الزكاة والصدقات والصِلاتُ، والإنفاق في الجهاد، والإنفاق على المساجد والقناطير. (التفسير الكبير)

ملخص التقرير:

هذه الصفة الأخيرة من صفات المجاهد، وهي إنفاق المال في سبيل الله لرضاه. لاحظوا هنا أن الكلام كان قد ابتدأ عند النزاع على توزيع الغنائم، وانتهى على الإنفاق في سبيل الله. كأنّ الآية أشارت إلى أنكم كونوا ممن يُعطي، وليس ممن يأخذ. سبحان الله، ما أروع الترتيب، وما يُلقّن من نفسية عالية وفكر سامي ومجد رافع، إن الطمع والحرص تضع الإنسان، والغنى والإخلاص والإنفاق ترفعه، إن فاتحي العالم يخرجون لفتح الدنيا، والمسلم لا يخرج إلا ليمنح الدنيا شيئا، فيا أيها المجاهدون ويا أيها المؤمنون.. اخرجوا لتمنحوا الدنيا، وليس للأخذ منها، واطلبوا لأنفسكم الجنة والمغفرة والرضوان من ربكم. إن كان هذا ما عقد عليه قلب المؤمن، والنظرية التي ينطلق منها، فهل يقدر أحد بعد ذلك على حمله على الغدر والخيانة بأمته وشعبه؟ ومن يقدر على إخضاعه لإرادته؟ ثم إنه إن تعوّد على الإنفاق في سبيل الله، ابتعد عن حب الدنيا والبخل والشح، ولا يصعب عليه التضحية بالنفس والغالي. إن تعوّد المسلمون على الإنفاق في سبيل الله، وأكثروا منه في الجهاد، تقدم الجهاد وازدهر، وتراجع حرصهم على ملأ خزاناتهم بالأموال، وحل مكانه رغبتهم في إنفاق مدّخراتهم في نشر الدين. وبالتعود على الإنفاق يبرز النظام الاقتصادي الإسلامي، الذي يعارض ادخار المال بطريق غير مشروع، وارتكازه في أيدي معيّنة. كما أن الآية تشير إلى الصلة القوية بين الجهاد والإنفاق في سبيل الله، إن كان المسلمون راغبين في دفع الجهاد إلى الأمام بكل قوة، فما عليهم إلا أن يكثروا من الإنفاق في سبيل الله، لأنهم إن انهالوا على جمع الأموال، سرى فيهم الوهن والجبن، والمجاهدون في سبيل الله قد يعانون من شُحٍ حاد في الآليات والمعدات والأسباب. (والله أعلم)
{أولئك هم المؤمنون حقا} ..
قال الإمام الرازي رحمه الله:
إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمنا إلا إذا كان موصوفا بالصفات الخمسة، وهي الخوف من الله والإخلاص في دين الله، والتوكل على الله، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله. (التفسير الكبير)
{لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}...
(1) قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
لما تقدمت ثلاث صفات قلبية، وبدنية، ومالية، ترتبت عليها ثلاثة أشياء، وفي مقابلتها ذكر ثلاثة أجور: ففي مقابلة الصفات القلبية ذكر الدرجات العالية، وفي مقابلة الصفات البدنية ذكر المغفرة، وفي مقابلة الصفات المالية ذكر الرزق الكريم. (ملخص من البحر المحيط)
(2) يمكن إطلاق كلمة المؤمنين الصادقين على مثل هؤلاء الذين يُكرمهم ربهم بالدرجات العالية، ويغفر تقصيراتهم الصغيرة، ويرزقهم رزقا كريما. (التفسير العثماني)
(3) قال العلامة ابن كثير رحمه الله مبيّناً معنى الدرجات: أي منازل ومقامات ودرجات في الجنة.
وفسّر «مغفرة» بلفظ: أي يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات.

ملخص التقرير:

كنا قد بدأنا كلامنا من جدالهم في تقسيم الغنائم، وأنهم سألوا النبي · عن أحكامها، أي صرفوا انتباههم إلى الدنيا لبعض الوقت، ثم ماذا حصل؟ زهّدهم القرآن في حب الدنيا الذليلة، ونقلهم إلى الجنة والمغفرة والرزق الكريم. فيا سبحان الله.
فما أرفع تنظيم وترتيب.. أنت أيها المجاهد.. ليست الدنيا الحقيرة جزاء جهادك، إنما جزاءك الدرجات العالية في الجنة ورزقها الكريم. يدعو الله المؤمن إلى المراتب العالية من الإخلاص حتى لا يرجو متاعاً دنيويا من وراء الجهاد، لأن سرّ نجاحه الإخلاص والزهد في الدنيا. الفتح والغلبة في الدنيا، والمغفرة والدرجات العالية والرزق الكريم في الآخرة. لمّا دعا الأنصار أهالي المدينة رسولَ الله · إلى القدوم عليهم في المدينة، وتعهدوا بحمايته ومنعه عن المشركين، سألوه عما لهم مقابل ذلك؟ فقال: الجنة.
ومثلها في هذه الآيات أرشدهم إلى أن لا يطمعوا إلا في الدرجات العالية من الجنة، أما الدنيا فلا يُحرم أحد من نصيبه من الرزق فيها، ولا يربح أولئك الذين اشتروا رزق الدنيا بعمل رفيع كالجهاد، كما لا يجوز تسمية حرب من يحارب لأجل متاع الدنيا باسم مبارك كالجهاد. فهذه أربع آيات من أول سورة الأنفال ترشد إلى مناهج النجاح في الجهاد، ويمكنهم دعوة العالم كله إلى الإسلام إن عملوا بها، ويجابهوا الأعداء. ثم للرد على من يتردد في تصديق ما ذُكر قال: {كما أخرجك ربك} أي إن أردتم مشاهدة النظير، فانظروا إلى غزوة بدر، كانوا قد تحلوا بالصفات المذكورة يوم بدر، لذلك استطاعوا أن ينزلوا الهزيمة بالجيش العظيم من المشركين رغم قلة عددهم وعُدتهم، وقصموا ظهرهم. {كما أخرجك ربك} لإظهار دينه ولغلبته.
في هذه الآيات قدّم إليهم نموذجا يحتذون به إلى يوم القيامة. وكلما تأمّلوا غزوة بدر، وعملوا مثلها، انتصروا على أعدائهم، ولم يضرهم ضعفهم وقلة عددهم وعُدتهم. (والله أعلم بالصواب)


غزوة بدر الكبرى


ذكر الله تعالى غزوة بدر من الآية الخامسة من سورة الأنفال، فالأولى استحضار قصة بدر لاستيعاب معانيها والمباحث التي تناولتها، لذلك لاحظوا جوانب إيمانية من غزوة بدر في الصفحات الآتية، (اقتبسناها من سيرة المصطفى · بتسهيل وحذف) كما ذكرنا ردود بعض الملابسات التي وقع فيها صاحب «سيرة المصطفى ·». (فجزاهم الله أحسن الجزاء)؟؟؟

غزوة بدر الكبرى
رمضان سنة 2 من الهجرة..
هذه من إحدى الغزوات الجليلة في تاريخ الإسلام، فقد أعز الله بها الإسلام وأكرمه وزاد من قوته وشوكته، وأهان بها الكفر والشرك وأذله.
وبفضل من الله ورحمته اكتسب الإسلام قوة وعزاً، ولم تكن لها أسباب مادية ظاهرة، ووجّه ضربة قوية إلى الكفر والشرك فأدمغه فإذا هو زاهق، ولا زالت ساحة بدر تشهد بذلك، وقد سمّاه الله بالفرقان، فقال: {يوم الفرقان} لأنه فرّق بين الحق والباطل، بل الشهر كله شهر الفرقان والتميّز، شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن، فتميّز الحق من الباطل، والهدي من الضلال. كما فرض الصيام عليهم في هذا الشهر ليتميز المحب من غيره، وليبتلي الصادقين، الذين يصبرون على شدائد العطش والجوع من الصبح إلى غروب الشمس، ومن الكاذب الذي يستسلم لنداءات البطن والفرج. فهذا شهر الفرقان، يفرّق الله فيه المخلص من المنافق باعتبارات مختلفة.
و «بدر» قرية مشهورة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة، قاله النووي، وفي معجم ما استعجم: على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة يذكر ولا يؤنث جعلوه اسم ماء، نسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة.
"وقيل: بدر بن الحارث حافر بئرها" وقيل بدر بن كلدة: "وقيل": نسبت القرية إلى "بدر" فهو مجرور منون، "اسم البئر التي بها سميت" البئر بدرا "لاستدارتها" كبدر السماء ". (الزرقاني 406/1)
قَالَ الواقدي رحمه الله:
وَلَمّا تَحَيّنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْصِرَافَ الْعِيرِ مِنْ الشّامِ ، نَدَبَ أَصْحَابَهُ لِلْعِيرِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللّهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ، قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ بِعَشْرِ لَيَالٍ يَتَحَسّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ حَتّى نَزَلَا عَلَى كَشَدٍ الْجُهَنِيّ بِالنّخْبَارِ مِنْ الْحَوْرَاءِ - وَالنّخْبَارُ مِنْ وَرَاءِ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى السّاحِلِ - فَأَجَارَهُمَا ، وَأَنْزَلَهُمَا ، وَلَمْ يَزَالَا مُقِيمَيْنِ عِنْدَهُ فِي خِبَاءٍ حَتّى مَرّتْ الْعِيرُ فَرَفَعَ طَلْحَةُ وَسَعِيدٌ عَلَى نَشَزٍ مِنْ الْأَرْضِ فَنَظَرَا إلَى الْقَوْمِ وَإِلَى مَا تَحْمِلُ الْعِيرُ وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِيرِ يَقُولُونَ يَا كَشَدُ [ ص 20 ] هَلْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمّدٍ ؟ فَيَقُولُ أَعُوذُ بِاَللّهِ . وَأَنّى عُيُونُ مُحَمّدٍ بِالنّخْبَارِ ؟ فَلَمّا رَاحَتْ الْعِيرُ بَاتَا حَتّى أَصْبَحَا ثُمّ خَرَجَا .
* وَخَرَجَ مَعَهُمَا كَشَدٌ خَفِيرًا ، حَتّى أَوْرَدَهُمَا ذَا الْمَرْوَةِ . وَسَاحَلَتْ الْعِيرُ فَأَسْرَعَتْ وَسَارُوا اللّيْلَ وَالنّهَارَ فَرَقًا مِنْ الطّلَبِ . فَقَدِمَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَسَعِيدٌ الْمَدِينَةَ الْيَوْمَ الّذِي لَاقَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِبَدْرٍ ، فَخَرَجَا يَعْتَرِضَانِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَقِيَاهُ بِتُرْبَانَ - وَتُرْبَانُ بَيْنَ مَلَلٍ وَالسّيَالَةِ عَلَى الْمَحَجّةِ ، وَكَانَتْ مَنْزِلَ ابْنِ أُذَيْنَةَ الشّاعِرِ . وَقَدِمَ كَشَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ . فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَعِيدٌ وَطَلْحَةُ إجَارَتَهُ إيّاهُمَا ، فَحَيّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَكْرَمَهُ وَقَالَ أَلَا أَقْطَعُ لَك يَنْبُعَ ؟ فَقَالَ إنّي كَبِيرٌ وَقَدْ نَفِدَ عُمْرِي ، وَلَكِنْ أَقْطِعْهَا لِابْنِ أَخِي . فَقَطَعَهَا لَهُ .
* لقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم في أول رمضان أن أبا سفيان بن حرب عائد بعير قريش من الشام، فَنَدَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ وَهَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ ، لَعَلّ اللّهَ يُغْنِمكُمُوهَا فَأَسْرَعَ مَنْ أَسْرَعَ حَتّى إنْ كَانَ الرّجُلُ لَيُسَاهِمُ أَبَاهُ فِي الْخُرُوجِ فَكَانَ مِمّنْ سَاهَمَ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ وَأَبُوهُ فِي الْخُرُوجِ إلَى بَدْرٍ ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأَبِيهِ إنّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْجَنّةِ آثَرْتُك بِهِ إنّي لَأَرْجُو الشّهَادَةَ فِي وَجْهِي هَذَا فَقَالَ خَيْثَمَةُ آثِرْنِي ، وَقِرْ مَعَ نِسَائِك فَأَبَى سَعْدٌ فَقَالَ خَيْثَمَةُ إنّهُ لَا بُدّ لِأَحَدِنَا مِنْ أَنْ يُقِيمَ . فَاسْتَهَمَا ، فَخَرَجَ سَهْمُ سَعْدٍ فَقُتِلَ بِبَدْرٍ .
* وَأَبْطَأَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَرِهُوا [ ص 21 ] خُرُوجَهُ وَكَانَ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَاخْتِلَافٌ . وَكَانَ مَنْ تَخَلّفَ لَمْ يُلَمْ لِأَنّهُمْ مَا خَرَجُوا عَلَى قِتَالٍ وَإِنّمَا خَرَجُوا لِلْعِيرِ . وَتَخَلّفَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ نِيّاتِ وَبَصَائِرَ لَوْ ظَنّوا أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ مَا تَخَلّفُوا . وَكَانَ مِمّنْ تَخَلّفَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ أُسَيْدُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي سَرّك وَأَظْهَرَك عَلَى عَدُوّك وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ مَا تَخَلّفْت عَنْك رَغْبَةً بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِك ، وَلَا ظَنَنْت أَنّك تُلَاقِي عَدُوّا ، وَلَا ظَنَنْت إلّا أَنّهَا الْعِيرُ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَدَقْت وَكَانَتْ أَوّلَ غَزْوَةٍ أَعَزّ اللّهُ فِيهَا الْإِسْلَامَ وَأَذَلّ فِيهَا أَهْلَ الشّرْكِ .
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:
لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاقب أحد تخلف عنها. إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. (صحيح البخاري، باب قصة غزوة بدر).

الخروج:

* وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَنْ مَعَهُ حَتّى انْتَهَى إلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ ، ثُمّ نَزَلَ بِالْبُقْعِ وَهِيَ بُيُوتُ السّقْيَا - الْبُقْعُ نَقْبُ بَنِي دِينَارٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَالسّقْيَا مُتّصِلٌ بِبُيُوتِ الْمَدِينَةِ - يَوْمَ الْأَحَدِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ . فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ وَعَرَضَ الْمُقَاتِلَةَ فَعَرَضَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَرَدّهُمْ وَلَمْ يُجِزْهُمْ .
* فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت أَخِي عُمَيْرَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَوَارَى ، فَقُلْت : مَا لَك يَا أَخِي ؟ قَالَ إنّي أَخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدّنِي ، وَأَنَا أُحِبّ الْخُرُوجَ لَعَلّ اللّهَ يَرْزُقُنِي الشّهَادَةَ . قَالَ فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَصْغَرَهُ فَقَالَ ارْجِعْ فَبَكَى عُمَيْرٌ فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ فَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ كُنْت أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ مِنْ صِغَرِهِ فَقُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ سِتّ عَشْرَةَ سَنَةً .
* قَالُوا : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ وَبَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا .
* قَالُوا : وَرَاحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَشِيّةَ الْأَحَدِ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ . وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَهُمْ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَثَمَانِيَةٌ تَخَلّفُوا فَضَرَبَ لَهُمْ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ . وَكَانَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ بَعِيرًا [ ص 24 ] وَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الْإِبِلَ الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ . فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ  رضي الله عنه وَمَرْثَدٌ - وَيُقَالُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَكَانَ مَرْثَدٍ - يَتَعَاقَبُونَ بَعِيرًا وَاحِدًا . وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَأَبُو كَبْشَةَ ، وَأَنَسَةُ مَوْلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَعِيرٍ .
* فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ ، [ ص 26 ] قَالَ خَرَجْنَا إلَى بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَنَا سَبْعُونَ بَعِيرًا ، فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الثّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ وَالِاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ . وَكُنْت أَنَا مِنْ أَعْظَمِ أَصْحَابِ النّبِيّ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ عَنْهُ غِنَاءً أَرْجَلَهُمْ رُجْلَةً وَأَرْمَاهُمْ بِسَهْمٍ لَمْ أَرْكَبْ خُطْوَةً ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا .
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ فَصَلَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا : اللّهُمّ إنّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ وَعُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ وَجِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ وَعَالَةٌ فَأَغْنِهِمْ مِنْ فَضْلِك قَالَ فَمَا رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ إلّا وَجَدَ ظَهْرًا ، لِلرّجُلِ الْبَعِيرُ وَالْبَعِيرَانِ وَاكْتَسَى مَنْ كَانَ عَارِيًا ، وَأَصَابُوا طَعَامًا مِنْ أَزْوَادِهِمْ وَأَصَابُوا فِدَاءَ الْأَسْرَى فَأَغْنَى بِهِ كُلّ عَائِلٍ . وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْمُشَاةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ - وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ - وَأَمَرَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ فَصَلَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا أَنْ يَعُدّ الْمُسْلِمِينَ . فَوَقَفَ لَهُمْ بِبِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ فَعَدّهُمْ ثُمّ أَخْبَرَ النّبِيّ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ
حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ بِجَادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ . قَالُوا : وَكَانَ مَعَهُمْ فَرَسَانِ فَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ ، وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ . وَيُقَالُ فَرَسٌ لِلزّبَيْرِ . وَلَمْ يَكُنْ إلّا فَرَسَانِ وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدَنَا أَنّ الْمِقْدَادَ لَهُ فَرَسٌ .
* قَالُوا : وَلَحِقَتْ قُرَيْشٌ بِالشّامِ فِي عِيرِهَا ، وَكَانَتْ الْعِيرُ أَلْفَ بَعِيرٍ وَكَانَتْ فِيهَا أَمْوَالٌ عِظَامٌ وَلَمْ يَبْقَ بِمَكّةَ قُرَشِيّ وَلَا قُرَشِيّةٌ لَهُ مِثْقَالٌ فَصَاعِدًا ، إلّا بَعَثَ بِهِ فِي الْعِيرِ حَتّى إنّ الْمَرْأَةَ لَتَبْعَثُ بِالشّيْءِ التّافِهِ . فَكَانَ يُقَالُ إنّ فِيهَا لَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَقَالُوا أَقَلّ وَإِنْ كَانَ لَيُقَالُ إنّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ لِآلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - أَبِي أُحَيْحَةَ - إمّا مَالٌ لَهُمْ أَوْ مَالٌ مَعَ قَوْمٍ قِرَاضٌ عَلَى النّصْفِ فَكَانَتْ عَامّةُ الْعِيرِ لَهُمْ . وَيُقَالُ كَانَ لِبَنِي مَخْزُومٍ فِيهَا مِائَتَا بَعِيرٍ و [ خَمْسَةٌ أَوْ ] أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَكَانَ يُقَالُ لِلْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ فِيهَا أَلْفُ مِثْقَالٍ وَكَانَ لِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ أَلْفَا مِثْقَالٍ .
* فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مَوْلَى الْمِسْوَرِ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ لَمّا لَحِقْنَا بِالشّامِ أَدْرَكَنَا رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ ، فَأَخْبَرَنَا أَنّ مُحَمّدًا كَانَ عَرَضَ لِعِيرِنَا فِي بَدْأَتِنَا ، وَأَنّهُ تَرَكَهُ مُقِيمًا يَنْتَظِرُ رَجْعَتَنَا . قَدْ حَالَفَ عَلَيْنَا أَهْلَ الطّرِيقِ وَوَادَعَهُمْ . قَالَ مَخْرَمَةُ فَخَرَجْنَا خَائِفِينَ نَخَافُ الرّصَدَ فَبَعَثْنَا ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو حِينَ فَصَلْنَا مِنْ الشّامِ . وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ يَقُولُ لَمّا كُنّا بِالزّرْقَاءِ - وَالزّرْقَاءُ بِالشّامِ بِنَاحِيَةِ مَعَانَ مِنْ أَذْرِعَاتٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ - وَنَحْنُ مُنْحَدِرُونَ إلَى مَكّةَ ، لَقِينَا رِجَالًا مِنْ جُذَامٍ ، فَقَالَ قَدْ كَانَ عَرَضَ مُحَمّدٌ لَكُمْ فِي بَدْأَتِكُمْ فِي أَصْحَابِهِ .
* فَقُلْنَا : مَا شَعَرْنَا قَالَ بَلَى ، فَأَقَامَ شَهْرًا ثُمّ رَجَعَ إلَى يَثْرِبَ ، وَأَنْتُمْ يَوْمَ عَرَضَ مُحَمّدٌ لَكُمْ مُخْفُونَ فَهُوَ الْآنَ أَحْرَى أَنْ يَعْرِضَ لَكُمْ إنّمَا يَعُدّ لَكُمْ الْأَيّامَ عَدّا ، فَاحْذَرُوا عَلَى عِيرِكُمْ وَارْتَأَوْا آرَاءَكُمْ فَوَاَللّهِ مَا أَرَى مِنْ عَدَدٍ وَلَا كُرَاعَ وَلَا حَلْقَةٍ . فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فَبَعَثُوا ضَمْضَمًا ، وَكَانَ فِي الْعِيرِ وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ مَرّتْ بِهِ وَهُوَ بِالسّاحِلِ مَعَ بُكْرَانِ لَهُ فَاسْتَأْجَرُوهُ بِعِشْرِينَ مِثْقَالًا . وَأَمَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يُخْبِرَ قُرَيْشًا أَنّ مُحَمّدًا قَدْ عَرَضَ لِعِيرِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْدَعَ بَعِيرَهُ إذَا دَخَلَ وَيُحَوّلَ رَحْلَهُ وَيَشُقّ قَمِيصَهُ مِنْ قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ وَيَصِيحَ الْغَوْثَ الْغَوْثَ وَيُقَالُ إنّمَا بَعَثُوهُ مِنْ تَبُوكَ . وَكَانَ فِي الْعِيرِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ .

رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب:

* [ ص 29 ] قَالُوا : وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَبْلَ ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو رُؤْيَا رَأَتْهَا فَأَفْزَعَتْهَا ، وَعَظُمَتْ فِي صَدْرِهَا . فَأَرْسَلَتْ إلَى أَخِيهَا الْعَبّاسِ فَقَالَتْ يَا أَخِي ، قَدْ رَأَيْت وَاَللّهِ رُؤْيَا اللّيْلَةَ أَفْظَعْتهَا ، وَتَخَوّفْت أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِك مِنْهَا شَرّ وَمُصِيبَةٌ فَاكْتُمْ عَلَيّ أُحَدّثْك مِنْهَا .
*قَالَتْ رَأَيْت رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ حَتّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ ، ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا آلَ غُدَرَ انْفِرُوا إلَى مَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ فَصَرَخَ بِهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَأَرَى النّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ ثُمّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنّاسُ يَتْبَعُونَهُ إذْ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا ثَلَاثًا ، ثُمّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ ، ثُمّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا ثَلَاثًا . ثُمّ أَخَذَ صَخْرَةً مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ فَأَرْسَلَهَا ، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي حَتّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضّتْ فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكّةَ ، وَلَا دَارٌ مِنْ دُورِ مَكّةَ ، إلّا دَخَلَتْهُ مِنْهَا فِلْذَةٌ . فَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ فَيَقُولُ لَقَدْ رَأَيْت كُلّ هَذَا ، وَلَقَدْ رَأَيْت فِي دَارِنَا فِلْقَةً مِنْ الصّخْرَةِ الّتِي انْفَلَقَتْ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ فَلَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عِبْرَةً وَلَكِنّ اللّهَ لَمْ يُرِدْ أَنْ نُسْلِمَ يَوْمَئِذٍ لَكِنّهُ أَخّرَ إسْلَامَنَا إلَى مَا أَرَادَ.
* قَالُوا : وَلَمْ يَدْخُلْ دَارًا وَلَا بَيْتًا مِنْ دُورِ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا بَنِي زُهْرَةَ مِنْ تِلْكَ الصّخْرَةِ شَيْءٌ . قَالُوا : فَقَالَ أَخُوهَا : إنّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَخَرَجَ مُغْتَمّا حَتّى لَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا ، فَذَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ فَفَشَا الْحَدِيثُ فِي النّاسِ . قَالَ فَغَدَوْت أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ فِي رَهْطٍ - 30ْ - مِنْ قُرَيْشٍ يَتَحَدّثُونَ قُعُودًا بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مَا رَأَتْ عَاتِكَةُ هَذِهِ فَقُلْت : وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبّأَ رِجَالُكُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ نِسَاؤُكُمْ ؟ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ أَنّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ كَذَا وَكَذَا - الّذِي رَأَتْ - فَسَنَتَرَبّصُ بِكُمْ ثَلَاثًا ، فَإِنْ يَكُ مَا قَالَتْ حَقّا فَسَيَكُونُ وَإِنْ مَضَتْ الثّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ نَكْتُبْ عَلَيْكُمْ أَنّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ .
* فَقَالَ يَا مُصَفّرَ اسْتِهِ أَنْتَ أَوْلَى بِالْكَذِبِ وَاللّؤْمِ مِنّا قَالَ أَبُو جَهْلٍ إنّا اسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ وَأَنْتُمْ فَقُلْتُمْ فِينَا السّقَايَةُ فَقُلْنَا : لَا نُبَالِي ، تَسْقُونَ الْحَاجّ ثُمّ قُلْتُمْ فِينَا الْحِجَابَةُ فَقُلْنَا : لَا نُبَالِي ، تَحْجُبُونَ الْبَيْتَ ثُمّ قُلْتُمْ فِينَا النّدْوَةُ فَقُلْنَا : لَا نُبَالِي ، تَلُونَ الطّعَامَ وَتُطْعِمُونَ النّاسَ ثُمّ قُلْتُمْ فِينَا الرّفَادَةُ فَقُلْنَا : لَا نُبَالِي ، تَجْمَعُونَ عِنْدَكُمْ مَا تَرْفِدُونَ بِهِ الضّعِيفَ فَلَمّا أَطْعَمْنَا النّاسَ وَأَطْعَمْتُمْ وَازْدَحَمَتْ الرّكْبُ وَاسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ فَكُنّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قُلْتُمْ مِنّا نَبِيّ ثُمّ قُلْتُمْ مِنّا نَبِيّةٌ فَلَا وَاَللّاتِي وَالْعُزّى ، لَا كَانَ هَذَا أَبَدًا قَالَ فَوَاَللّهِ مَا كَانَ مِنّي مِنْ غِيَرٍ إلّا أَنّي جَحَدْت ذَلِكَ وَأَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ عَاتِكَةُ رَأَتْ شَيْئًا .
* فَلَمّا أَمْسَيْت لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ أَصَابَتْهَا وِلَادَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إلّا جَاءَتْ فَقُلْنَ رَضِيتُمْ بِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ يَقَعُ فِي رِجَالِكُمْ ثُمّ قَدْ تَنَاوَلَ نِسَاءَكُمْ وَأَنْتَ تَسْمَعُ وَلَمْ يَكُنْ لَك عِنْدَ ذَلِكَ غَيْرَةٌ ؟ قَالَ وَاَللّهِ مَا فَعَلْت إلّا مَا لَا بَالَ بِهِ . وَاَللّهِ لَأَعْتَرِضَن لَهُ غَدًا ، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِيكُمُوهُ . فَلَمّا أَصْبَحُوا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الّذِي رَأَتْ فِيهِ عَاتِكَةُ مَا رَأَتْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَا يَوْمٌ ثُمّ الْغَدُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَانِ يَوْمَانِ فَلَمّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَيّامٍ مَا بَقِيَ
* [ ص 31 ] قَالَ وَغَدَوْت فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ أَرَى أَنْ قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبّ أَنْ أُدْرِكَهُ وَأَذْكُرَ مَا أَحْفَظَتْنِي النّسَاءُ بِهِ مِنْ مَقَالَتِهِنّ لِي مَا قُلْنَ فَلِلّهِ إنّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ - وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا ، حَدِيدَ الْوَجْهِ ، حَدِيدَ اللّسَانِ حَدِيدَ النّظَرِ - إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ يَشْتَدّ ، فَقُلْت : مَا بَالُهُ لَعَنَهُ اللّهُ ؟ أَكُلّ هَذَا فَرْقًا مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ ؟ فَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، يَا آلَ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ ، اللّطِيمَةَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ الْغَوْثَ ، الْغَوْثَ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا وَضَمْضَمُ يُنَادِي بِذَلِكَ بِبَطْنِ الْوَادِي ، قَدْ جَدَعَ أُذُنَيْ بَعِيرِهِ وَشَقّ قَمِيصَهُ قُبُلًا وَدُبُرًا ، وَحَوّلَ رَحْلَهُ . وَكَانَ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتنِي قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكّةَ وَإِنّي لَأَرَى فِي النّوْمِ وَأَنَا عَلَى رَاحِلَتِي ، كَأَنّ وَادِيَ مَكّةَ يَسِيلُ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ دَمًا ، فَاسْتَيْقَظْت فَزِعًا مَذْعُورًا ، وَكَرِهْتهَا لِقُرَيْشٍ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّهَا مُصِيبَةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ . وَكَانَ يُقَالُ إنّ الّذِي نَادَى يَوْمَئِذٍ إبْلِيسُ تَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ فَسَبَقَ ضَمْضَمًا فَأَنْفَرَهُمْ إلَى عِيرِهِمْ ثُمّ جَاءَ ضَمْضَمٌ بَعْدَهُ .
* فَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ يَقُولُ مَا رَأَيْت أَعْجَبَ مِنْ أَمْرِ ضَمْضَمٍ قَطّ ، وَمَا صَرَخَ عَلَى لِسَانِهِ إلّا شَيْطَانٌ إنّهُ لَمْ يُمَلّكْنَا مِنْ أُمُورِنَا شَيْئًا حَتّى نَفَرْنَا عَلَى الصّعْبِ وَالذّلُولِ .
* وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقُولُ مَا كَانَ الّذِي جَاءَنَا فَاسْتَنْفَرَنَا إلَى الْعِيرِ إنْسَانٌ إنْ هُوَ إلّا شَيْطَانٌ فَقِيلَ كَيْفَ يَا أَبَا خَالِدٍ ؟ فَقَالَ إنّي لَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا مَلّكَنَا مِنْ أُمُورِنَا شَيْئًا
* قَالُوا : وَتَجَهّزَ النّاسُ وَشُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَكَانَ النّاسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إمّا خَارِجٍ وَإِمّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا . فَأَشْفَقَتْ قُرَيْشٌ لِرُؤْيَا عَاتِكَةَ ، وَسُرّتْ بَنُو هَاشِمٍ . وَقَالَ قَائِلُهُمْ كَلَا ، زَعَمْتُمْ أَنّا كَذَبْنَا وَكَذَبَتْ عَاتِكَةُ فَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ ثَلَاثَةً تَتَجَهّزُ وَيُقَالُ يَوْمَيْنِ وَأَخْرَجَتْ قُرَيْشٌ أَسْلِحَتَهَا - 32ْ - وَاشْتَرَوْا سِلَاحًا ، وَأَعَانَ قَوِيّهُمْ ضَعِيفَهُمْ .
* قَالُوا : وَكَانَ لَا يَتَخَلّفُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلّا بَعَثَ مَكَانَهُ بَعِيثًا ، فَمَشَتْ قُرَيْشٌ إلَى أَبِي لَهَبٍ فَقَالُوا : إنّك سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ ، وَإِنّك إنْ تَخَلّفْت عَنْ النّفِيرِ يَعْتَبِرُ بِك غَيْرُك مِنْ قَوْمِك ، فَاخْرُجْ أَوْ ابْعَثْ أَحَدًا . فَقَالَ وَاَللّاتِي وَالْعُزّى لَا أَخْرُجُ وَلَا أَبْعَثُ أَحَدًا فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ قُمْ أَبَا عُتْبَةَ فَوَاَللّهِ مَا خَرَجْنَا إلّا غَضَبًا لِدِينِك وَدِينِ آبَائِك وَخَافَ أَبُو جَهْلٍ أَنْ يُسْلِمَ أَبُو لَهَبٍ فَسَكَتَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَبْعَثْ وَمَا مَنَعَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يَخْرُجَ إلّا إشْفَاقٌ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ ، فَإِنّهُ كَانَ يَقُولُ إنّمَا رُؤْيَا عَاتِكَةَ أَخْذٌ بِالْيَدِ . وَيُقَالُ إنّهُ بَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ . وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ اُخْرُجْ وَدَيْنِي لَك فَخَرَجَ عَنْهُ .
* قَالُوا : وَأَخْرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ دُرُوعًا لَهُمَا ، وَنَظَرَ إلَيْهِمَا عَدّاسٌ وَهُمَا يُصْلِحَانِ دُرُوعَهُمَا وَآلَةَ حَرْبِهِمَا ، فَقَالَ مَا تُرِيدَانِ ؟ قَالَا : أَلَمْ تَرَ إلَى الرّجُلِ الّذِي أَرْسَلْنَاك إلَيْهِ بِالْعِنَبِ فِي كَرْمِنَا بِالطّائِفِ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَا : نَخْرُجُ فَنُقَاتِلُهُ . فَبَكَى وَقَالَ لَا تَخْرُجَا ، فَوَاَللّهِ إنّهُ لَنَبِيّ فَأَبَيَا فَخَرَجَا ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا فَقُتِلَ بِبَدْرٍ مَعَهُمَا .
* قَالُوا : وَخَرَجَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا قَبْلَ بَدْرٍ فَنَزَلَ عَلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَتَنْزِلُ هَذَا ، وَقَدْ آوَى مُحَمّدًا وَآذَنّا بِالْحَرْبِ ؟ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : قُلْ مَا شِئْت ، أَمَا إنّ طَرِيقَ عِيرِكُمْ عَلَيْنَا .
* قَالَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ : مَهْ لَا تَقُلْ هَذَا لِأَبِي الْحَكَمِ فَإِنّهُ سَيّدُ أَهْلِ الْوَادِي قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : وَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أُمَيّةُ أَمَا وَاَللّهِ لَسَمِعْت مُحَمّدًا يَقُولُ لَأَقْتُلَن أُمَيّةَ بْنَ خَلَف قَالَ أُمَيّةُ أَنْتَ سَمِعْته ؟ قَالَ قُلْت : نَعَمْ . - 36ْ - قَالَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَلَمّا جَاءَ النّفِيرُ أَبَى أُمَيّةُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ إلَى بَدْرٍ ، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَأَبُو جَهْلٍ . وَمَعَ عُقْبَةَ مِجْمَرَةٌ فِيهَا بَخُورٌ وَمَعَ أَبِي جَهْلٍ مُكْحُلَةٌ وَمِرْوَدٌ . فَأَدْخَلَهَا عُقْبَةُ تَحْتَهُ وَقَالَ تَبَخّرْ . فَإِنّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ اكْتَحِلْ . فَإِنّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ قَالَ أُمَيّةُ ابْتَاعُوا لِي أَفْضَلَ بَعِيرٍ فِي الْوَادِي . فَابْتَاعُوا لَهُ جَمَلًا بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نَعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ فَغَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ . فَصَارَ فِي سَهْمِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ .
* قَالُوا : وَكَرِهَتْ قُرَيْشٌ - أَهْلُ الرّأْيِ مِنْهُمْ - الْمَسِيرَ وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَكَانَ مِنْ أَبْطَئِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ ، حَتّى بَكّتَهُمْ أَبُو جَهْلٍ بِالْجُبْنِ - وَأَعَانَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ - فِي الْخُرُوجِ فَقَالُوا : هَذَا فِعْلُ النّسَاءِ فَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ . وَقَالَتْ قُرَيْشٌ : لَا تَدَعُوا أَحَدًا مِنْ عَدُوّكُمْ خَلْفَكُمْ .
* وَكَانَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ وَرَدَا عَلَى مَجْدِي بَدْرًا يَتَحَسّسَانِ الْخَبَرَ ، فَلَمّا نَزَلَا مَاءَ بَدْرٍ أَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمَاءِ ثُمّ أَخَذَا أَسْقِيَتَهُمَا يَسْتَقِيَانِ مِنْ الْمَاءِ فَسَمِعَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ جَوَارِي جُهَيْنَةَ يُقَالُ لِإِحْدَاهُمَا بَرْزَةُ وَهِيَ تَلْزَمُ صَاحِبَتَهَا فِي دِرْهَمٍ كَانَ لَهَا عَلَيْهَا ، وَصَاحِبَتُهَا تَقُولُ إنّمَا الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ قَدْ نَزَلَتْ الرّوْحَاءَ . وَمَجْدِي بْنُ عَمْرٍو يَسْمَعُهَا فَقَالَ صَدَقَتْ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَسْبَسُ وَعَدِيّ انْطَلَقَا رَاجِعِينَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى لَقِيَاهُ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ .
* فَأَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِبَدْرٍ قَدْ تَقَدّمَ الْعِيرَ وَهُوَ خَائِفٌ [ ص 41 ] مِنْ الرّصَدِ فَقَالَ يَا مَجْدِي ، هَلْ أَحْسَسْت أَحَدًا ؟ تَعْلَمُ وَاَللّهِ مَا بِمَكّةَ مِنْ قُرَشِيّ وَلَا قُرَشِيّةٍ لَهُ نَشّ فَصَاعِدًا - وَالنّشّ نِصْفُ أُوقِيّةٍ وَزْنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا - إلّا وَقَدْ بَعَثَ بِهِ مَعَنَا ، وَلَئِنْ كَتَمْتنَا شَأْنَ عَدُوّنَا لَا يُصَالِحُك رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةً . فَقَالَ مَجْدِي : وَاَللّهِ مَا رَأَيْت أَحَدًا أُنْكِرُهُ وَلَا بَيْنَك وَبَيْنَ يَثْرِبَ مِنْ عَدُوّ وَلَوْ كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا عَدُوّ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا . وَمَا كُنْت لَأُخْفِيهِ عَلَيْك ، إلّا أَنّي قَدْ رَأَيْت رَاكِبَيْنِ أَتَيَا إلَى هَذَا الْمَكَانِ - فَأَشَارَ إلَى مُنَاخِ عَدِيّ وَبَسْبَسٍ - فَأَنَاخَا بِهِ ثُمّ اسْتَقَيَا بِأَسْقِيَتِهِمَا ، ثُمّ انْصَرَفَا .
* فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ مُنَاخَهُمَا ، فَأَخَذَ أَبْعَارًا مِنْ بَعِيرَيْهِمَا فَفَتّهُ فَإِذَا فِيهِ نَوَى ، فَقَالَ هَذِهِ وَاَللّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ ، هَذِهِ عُيُونُ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ مَا أَرَى الْقَوْمَ إلّا قَرِيبًا فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ فَسَاحَلَ بِهَا ، وَتَرَكَ بَدْرًا يَسَارًا ، وَانْطَلَقَ سَرِيعًا .

رؤياء جهيم بن الصلت:

* ثُمّ انْتَهَوْا إلَى الْجُحْفَةِ عِشَاءً فَنَامَ جُهَيْمُ بْنُ الصّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ إنّي أَرَى أَنّي بَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقْظَانِ أَنْظُرُ إلَى رَجُلٍ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مَعَهُ بَعِيرٌ حَتّى وَقَفَ عَلَيّ فَقَالَ قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَأَبُو الْحَكَمِ ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِي رِجَالٍ سَمّاهُمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَفَرّ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَخِيهِ .
* قَالَ يَقُولُ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَاَللّهِ إنّي لَأَظُنّكُمْ الّذِينَ تَخْرُجُونَ إلَى مَصَارِعِكُمْ قَالَ ثُمّ أَرَاهُ ضَرَبَ فِي لَبّةِ بَعِيرِهِ فَأَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ بَعْضُ دَمِهِ . فَذَكَرَ ذَلِكَ لِأَبِي جَهْلٍ وَشَاعَتْ هَذِهِ الرّؤْيَا فِي الْعَسْكَرِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَا نَبِيّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ الْمَقْتُولُ نَحْنُ أَوْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لِجُهَيْمٍ إنّمَا يَلْعَبُ بِك الشّيْطَانُ فِي مَنَامِك ، فَسَتَرَى غَدًا خِلَافَ مَا تَرَى ، يُقْتَلُ أَشْرَافُ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ وَيُؤْسَرُونَ .
* قَالَ فَخَلَا عُتْبَةُ بِأَخِيهِ فَقَالَ هَلْ لَك فِي الرّجُوعِ ؟ فَهَذِهِ الرّؤْيَا مِثْلُ رُؤْيَا عَاتِكَةَ ، وَمِثْلُ قَوْلِ عَدّاسٍ ، وَاَللّهِ مَا كَذَبَنَا عَدّاسٌ ، وَلِعَمْرِي لَئِنْ كَانَ مُحَمّدٌ كَاذِبًا إنّ فِي الْعَرَبِ لَمَنْ [ ص 43 ] يَكْفِينَاهُ وَلَئِنْ كَانَ صَادِقًا إنّا لَأَسْعَدِ الْعَرَبِ بِهِ إنّا لَلُحْمَتُهُ . قَالَ شَيْبَةُ هُوَ عَلَى مَا تَقُولُ أَفَنَرْجِعُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ ؟ فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ مَا تُرِيدَانِ ؟ قَالَا : الرّجُوعَ أَلَا تَرَى إلَى رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَإِلَى رُؤْيَا جُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ مَعَ قَوْلِ عَدّاسٍ لَنَا ؟ فَقَالَ تَخْذُلَانِ وَاَللّهِ قَوْمَكُمَا ، وَتَقْطَعَانِ بِهِمْ . قَالَا : هَلَكْت وَاَللّهِ وَأَهْلَكْت قَوْمَك فَمَضَيَا عَلَى ذَلِكَ .
* فَلَمّا أَفْلَتَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ وَرَأَى أَنْ قَدْ أَجْزَرَهَا ، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ - وَكَانَ مَعَ أَصْحَابِ الْعِيرِ خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ مَكّةَ - فَأَرْسَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالرّجُوعِ وَيَقُولُ قَدْ نَجَتْ عِيرُكُمْ فَلَا تُجْزِرُوا أَنْفُسَكُمْ أَهْلَ يَثْرِبَ ، فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَقَدْ نَجّاهَا اللّهُ . فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْك ، فَلَا يَأْبَوْنَ خَصْلَةً وَاحِدَةً يَرُدّونَ الْقِيَانَ فَإِنّ الْحَرْبَ إذَا أَكَلَتْ نَكَلَتْ . فَعَالَجَ قُرَيْشًا وَأَبَتْ الرّجُوعَ وَقَالُوا : أَمّا الْقِيَانُ فَسَنَرُدّهُنّ فَرَدّوهُنّ مِنْ الْجُحْفَةِ .
* وَلَحِقَ الرّسُولُ أَبَا سُفْيَان َ بِالْهَدّةِ - وَالْهَدّةُ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عَقَبَةِ عُسْفَانَ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكّةَ - فَأَخْبَرَهُ بِمُضِيّ قُرَيْش ٍ ، فَقَالَ وَاقَوْمَاه هَذَا عَمَلُ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ كَرِهَ أَنْ يَرْجِعَ لِأَنّهُ قَدْ تَرَأّسَ عَلَى النّاسِ وَبَغَى ، وَالْبَغْيُ مَنْقَصَةٌ وَشُؤْمٌ . إنْ أَصَابَ أَصْحَابُ مُحَمّدٍ النّفِيرَ ذَلَلْنَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَكّةَ .
* وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ . لَا وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ - 44ْ - حَتّى نَرِدَ بَدْرًا - وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْجَاهِلِيّةِ يَجْتَمِعُ بِهَا الْعَرَبُ ، لَهَا بِهَا سُوقٌ - تَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا ، فَنُقِيمُ ثَلَاثًا عَلَى بَدْرٍ نَنْحَرُ الْجُزُرَ وَنُطْعِمُ الطّعَامَ وَنَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتَعْزِفُ الْقِيَانُ عَلَيْنَا ، فَلَنْ تَزَالَ الْعَرَبُ تَهَابُنَا أَبَدًا .
* حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أُمّ بَكْرِ بِنْتِ الْمِسْوَرِ عَنْ أَبِيهَا ، قَالَ قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ - وَكَانَ اسْمُهُ أُبَيّا ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ - فَقَالَ يَا بَنِي زُهْرَةَ قَدْ نَجّى اللّهُ عِيرَكُمْ وَخَلّصَ أَمْوَالَكُمْ وَنَجّى صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَإِنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ . وَإِنّمَا مُحَمّدٌ رَجُلٌ مِنْكُمْ ابْنُ أُخْتِكُمْ فَإِنْ يَكُ نَبِيّا فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ بِهِ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا يَلِي قَتْلَهُ غَيْرُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَلُوا قَتْلَ ابْنِ أُخْتِكُمْ فَارْجِعُوا وَاجْعَلُوا جُبْنَهَا بِي ، فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَا مَا يَقُولُ هَذَا الرّجُلُ فَإِنّهُ مُهْلِكٌ قَوْمَهُ سَرِيعٌ فِي فَسَادِهِمْ فَأَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا ، وَكَانُوا [ ص 45 ] يَتَيَمّنُونَ بِهِ قَالُوا : فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالرّجُوعِ إنْ نَرْجِعُ ؟
* قَالَ الْأَخْنَسُ نَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ فَإِذَا أَمْسَيْت سَقَطْت عَنْ بَعِيرِي فَتَقُولُونَ نَهَشَ الْأَخْنَسُ فَإِذَا قَالُوا امْضُوا فَقُولُوا لَا نُفَارِقُ صَاحِبَنَا حَتّى نَعْلَمَ أَهُوَ حَيّ أَمْ مَيّتٌ فَنَدْفِنُهُ فَإِذَا مَضَوْا رَجَعْنَا . فَفَعَلَتْ بَنُو زُهْرَةَ . فَلَمّا أَصْبَحُوا بِالْأَبْوَاءِ رَاجِعِينَ تَبَيّنَ لِلنّاسِ أَنّ بَنِي زُهْرَةَ رَجَعُوا ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ . قَالُوا : وَكَانُوا مِائَةً أَوْ أَقَلّ مِنْ الْمِائَةِ وَهُوَ أَثْبَتُ وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ كَانُوا ثَلَثَمِائَةٍ .
* ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَتَى الرّوْحَاءَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِلنّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلّى عِنْدَ بِئْرِ الرّوْحَاءِ
* قَالُوا : وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إذَا كَانَ دُوَيْنَ بَدْرٍ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِمَسِيرِ قُرَيْشٍ ، فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَسِيرِهِمْ وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ثُمّ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهَا وَاَللّهِ قُرَيْشٌ وَعِزّهَا ، وَاَللّهِ مَا ذَلّتْ مُنْذُ عَزّتْ وَاَللّهِ مَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ وَاَللّهِ لَا تُسْلِمُ عِزّهَا أَبَدًا ، وَلَتُقَاتِلَنك ، فَاتّهِبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَأَعِدّ لِذَلِكَ عُدّتَهُ .

المقداد بن الأسود يعلن استعداده للفداء والتضحية:

* ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ امْضِ لِأَمْرِ اللّهِ فَنَحْنُ مَعَك ، وَاَللّهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِنَبِيّهَا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك - وَبِرْكُ الْغِمَادِ مِنْ وَرَاءِ مَكّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ وَرَاءِ السّاحِلِ مِمّا يَلِي الْبَحْرَ وَهُوَ عَلَى ثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ مَكّةَ إلَى الْيَمَنِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا ، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ .

سعد بن معاذ يعلن استعداده للفداء والتضحية:

ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَشِيرُوا عَلَيّ أَيّهَا النّاسُ وَإِنّمَا يُرِيدُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَنْصَارَ ، وَكَانَ يَظُنّ أَنّ الْأَنْصَارَ لَا تَنْصُرُهُ إلّا فِي الدّارِ وَذَلِكَ أَنّهُمْ شَرَطُوا لَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَشِيرُوا عَلَيّ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَنَا أُجِيبُ عَنْ الْأَنْصَارِ ; كَأَنّك يَا رَسُولَ اللّهِ تُرِيدُنَا قَالَ أَجَلْ . قَالَ إنّك عَسَى أَنْ تَكُونَ خَرَجْت عَنْ أَمْرٍ قَدْ أُوحِيَ إلَيْك فِي غَيْرِهِ وَإِنّا قَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ كُلّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك مَوَاثِيقَنَا وَعُهُودَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فَامْضِ يَا نَبِيّ اللّهِ فَوَاَلّذِي [ ص 49 ] بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا بَقِيَ مِنّا رَجُلٌ وَصِلْ مَنْ شِئْت ، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْت ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْت ، وَمَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِنَا أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْت . وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا سَلَكْت هَذَا الطّرِيقَ قَطّ ، وَمَا لِي بِهَا مِنْ عِلْمٍ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ يَلْقَانَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ صُدُقٌ عِنْدَ اللّقَاءِ لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك .
* حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَدْ خَلَفْنَا مِنْ قَوْمِنَا قَوْمًا مَا نَحْنُ بِأَشَدّ حُبّا لَك مِنْهُمْ . وَلَا أَطْوَعَ لَك مِنْهُمْ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْجِهَادِ وَنِيّةٌ وَلَوْ ظَنّوا يَا رَسُولَ اللّهِ أَنّك مُلَاقٍ عَدُوّا مَا تَخَلّفُوا ، وَلَكِنْ إنّمَا ظَنّوا أَنّهَا الْعِيرُ . نَبْنِي لَك عَرِيشًا فَتَكُونُ فِيهِ وَنَعُدّ لَك رَوَاحِلَك ، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا ، فَإِنْ أَعَزّنَا اللّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا ، وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى جَلَسْت عَلَى رَوَاحِلِك فَلَحِقْت مَنْ وَرَاءَنَا . فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا ، وَقَالَ أَوْ يَقْضِي اللّهُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ
* قَالُوا : فَلَمّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ الْمَشُورَةِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ فَإِنّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ . وَاَللّهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ .

ملحوظة:

أشارت بعض الروايات إلى أن الخطيب كان سعد بن عبادة رضي الله عنه، والصحيح ما ذكرناه أنه سعد بن معاذ، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدراً باتفاق أهل السير. (الزرقاني 1/414)
قَالَ وَأَرَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَصَارِعَهُمْ يَوْمَئِذٍ هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، فَمَا عَدَا كُلّ رَجُلٍ مَصْرَعَهُ قَالَ فَعَلِمَ الْقَوْمُ أَنّهُمْ يُلَاقُونَ الْقِتَالَ وَأَنّ الْعِيرَ تُفْلِتُ وَرَجَوْا النّصْرَ لِقَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْمَاعِيلَ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ فَمِنْ يَوْمَئِذٍ [ ص 50 ] عَقَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَلْوِيَةَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَأَظْهَرَ السّلَاحَ وَكَانَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ لِوَاءٍ مَعْقُودٍ.
وَلَقِيَهُ بَسْبَسٌ وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ .
وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَادِيَ بَدْرٍ عِشَاءَ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَبَعَثَ عَلِيّا وَالزّبَيْرَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ وَبَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو يَتَحَسّسُونَ عَلَى الْمَاءِ وَأَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى ظُرَيْبٍ فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَجِدُوا الْخَبَرَ عِنْدَ هَذَا الْقَلِيبِ الّذِي يَلِي الظّرَيْبَ - وَالْقَلِيبُ بِئْرٌ بِأَصْلِ الظّرَيْبِ وَالظّرَيْبُ جَبَلٌ صَغِيرٌ . فَانْدَفَعُوا تِلْقَاءَ الظّرَيْبِ فَيَجِدُونَ عَلَى تِلْكَ الْقَلِيبِ الّتِي قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَوَايَا قُرَيْشٍ فِيهَا سُقّاؤُهُمْ . وَلَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَفْلَتَ عَامّتُهُمْ وَكَانَ مِمّنْ عُرِفَ أَنّهُ أَفْلَتَ عُجَيْرٌ وَكَانَ أَوّلَ مَنْ جَاءَ قُرَيْشًا بِخَبَرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَادَى فَقَالَ يَا آلَ غَالِبٍ هَذَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَخَذُوا سُقّاءَكُمْ فَمَاجَ الْعَسْكَرُ وَكَرِهُوا مَا جَاءَ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَهْلٍ مَا [ هَذَا ؟ ] هَذَا عَنْ أَمْرِ عُتْبَةَ قَدْ كَرِهَ قِتَالَ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ إنّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ أَتَظُنّونَ أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ يَعْتَرِضُونَ لِجَمْعِكُمْ ؟ وَاَللّهِ لَأَنْتَحِيَن نَاحِيَةً بِقَوْمِي ، فَلَا يَحْرُسُنَا أَحَدٌ . فَتَنَحّى نَاحِيَةً وَالسّمَاءُ تُمْطِرُ عَلَيْهِ . يَقُولُ عُتْبَةُ إنّ هَذَا لَهُوَ النّكَدُ وَإِنّهُمْ قَدْ أَخَذُوا سُقّاءَكُمْ .
وَأُخِذَ تِلْكَ اللّيْلَةَ يَسَارٌ غُلَامُ عُبَيْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَسْلَمَ غُلَامُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ ، وَأَبُو رَافِعٍ غُلَامُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ، فَأُتِيَ بِهِمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي ، فَقَالُوا : سُقّاءُ قُرَيْش ٍ بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ .
وَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمْ وَرَجَوْا أَنْ يَكُونُوا لِأَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِ الْعِيرِ فَضَرَبُوهُمْ . فَلَمّا أَذَلْقُوهُمْ بِالضّرْبِ قَالُوا : نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ وَنَحْنُ فِي الْعِيرِ وَهَذِهِ الْعِيرُ بِهَذَا الْقَوْزِ . فَيُمْسِكُونَ عَنْهُمْ فَسَلّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمّ قَالَ [ ص 53 ] إنْ صَدَقُوكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ وَإِنْ كَذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُخْبِرُونَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ جَاءَتْ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَدَقُوكُمْ خَرَجَتْ قُرَيْشٌ تَمْنَعُ عِيرَهَا وَخَافُوكُمْ عَلَيْهَا .
ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى السّقّاءِ فَقَالَ أَيْنَ قُرَيْشٌ ؟ قَالُوا : خَلْفَ هَذَا الْكَثِيبِ الّذِي تَرَى . قَالَ كَمْ هِيَ ؟ قَالُوا : كَثِيرٌ . قَالَ كَمْ عَدَدُهَا ؟ قَالُوا : لَا نَدْرِي كَمْ هُمْ . قَالَ كَمْ يَنْحَرُونَ ؟ قَالُوا : يَوْمًا عَشَرَةً وَيَوْمًا تِسْعَةً . قَالَ الْقَوْمُ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ وَالتّسْعِمِائَةِ . ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلسّقّاءِ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكّةَ ؟ قَالُوا : لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَعِمَ إلّا خَرَجَ . فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ هَذِهِ مَكّةُ ، قَدْ أَلْقَتْ [ إلَيْكُمْ ] أَفْلَاذَ كَبِدِهَا ثُمّ سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . هَلْ رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ؟ قَالُوا : رَجَعَ ابْنُ أَبِي شَرِيقٍ بِبَنِي زُهْرَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْشَدُهُمْ وَمَا كَانَ بِرَشِيدٍ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْت لَمُعَادِيًا لِلّهِ وَلِكِتَابِهِ قَالَ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ؟ قَالُوا : بَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ .
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ أَشِيرُوا عَلَيّ فِي الْمَنْزِلِ . فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللّهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ قَالَ بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ . قَالَ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ انْطَلِقْ بِنَا إلَى أَدْنَى مَاءِ الْقَوْمِ فَإِنّي عَالِمٌ بِهَا وَبِقُلُبِهَا ، بِهَا قَلِيبٌ قَدْ عَرَفْت عُذُوبَةَ مَائِهِ وَمَاءٌ كَثِيرٌ لَا يَنْزَحْ ثُمّ نَبْنِي عَلَيْهَا حَوْضًا وَنَقْذِفُ فِيهِ الْآنِيَةَ فَنَشْرَبُ وَنُقَاتِلُ وَنُغَوّرُ مَا سِوَاهَا مِنْ الْقُلُبِ
حَدّثَنَا [ ص 54 ] مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ الرّأْيُ مَا أَشَارَ بِهِ الْحُبَابُ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا حُبَابُ أَشَرْت بِالرّأْيِ فَنَهَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَفَعَلَ كُلّ ذَلِكَ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ اللّهُ السّمَاءَ وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا - وَالدّهْسُ الْكَثِيرُ الرّمْلِ - فَأَصَابَنَا مَا لَبّدَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْنَا مِنْ الْمَسِيرِ وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ وَإِنّمَا بَيْنَهُمْ قَوْزٌ مِنْ رَمْلٍ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْقَلِيبِ بُنِيَ لَهُ عَرِيشٌ مِنْ جَرِيدٍ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ مُتَوَشّحَ السّيْفِ فَدَخَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ.
فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْر بْنِ حَزْمٍ ِ [ ص 56 ] قَالَ صَفّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ قُرَيْشٌ ، وَطَلَعَتْ قُرَيْشٌ وَرَسُولُ اللّهِ يَصُفّهُمْ وَقَدْ أَتْرَعُوا حَوْضًا ، يَفْرُطُونَ فِيهِ مِنْ السّحَرِ وَيَقْذِفُونَ فِيهِ الْآنِيَةَ . وَدَفَعَ رَايَتَهُ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ; فَتَقَدّمَ بِهَا إلَى مَوْضِعِهَا الّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَضَعَهَا فِيهِ . وَوَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَنْظُرُ إلَى الصّفُوفِ فَاسْتَقْبَلَ الْمَغْرِبَ وَجَعَلَ الشّمْسَ خَلْفَهُ وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَاسْتَقْبَلُوا الشّمْسَ .

الاستعداد للقتال:

فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْعُدْوَةِ الشّامِيّةِ وَنَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْيَمَانِيّةِ - عُدْوَتَا النّهْرِ وَالْوَادِي جَنْبَتَاهُ - فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ كَانَ هَذَا مِنْك عَنْ وَحْيٍ نَزَلَ إلَيْك فَامْضِ لَهُ وَإِلّا فَإِنّي أَرَى أَنْ تَعْلُوَ الْوَادِيَ فَإِنّي أَرَى رِيحًا قَدْ هَاجَتْ مِنْ أَعْلَى الْوَادِي ، وَإِنّي أَرَاهَا بُعِثَتْ بِنَصْرِك . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ صَفَفْت صُفُوفِي وَوَضَعْت رَايَتِي ، فَلَا أُغَيّرُ ذَلِكَ ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى إثْرِ بَعْض .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ عَدّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفُوفَ يَوْمَئِذٍ فَتَقَدّمَ سَوَادُ بْنُ غَزِيّةَ أَمَامَ الصّفّ فَدَفَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَدَحٍ فِي بَطْنِ سَوَادِ بْنِ غَزْوَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَوِ يَا سَوَادُ فَقَالَ لَهُ سَوَادُ أَوْجَعْتنِي ، وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ نَبِيّا ، أَقِدْنِي فَكَشَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَطْنِهِ ثُمّ قَالَ اسْتَقِدْ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبّلَهُ وَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت ؟ فَقَالَ حَضَرَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ مَا قَدْ تَرَى ، وَخَشِيت الْقَتْلَ فَأَرَدْت أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِي بِك ، أَنْ أَعْتَنِقَك
قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ : وَهَذَا الثّبْتُ عِنْدَنَا . حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ الْأَعْظَمَ - لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَلِوَاءُ الْخَزْرَجِ مَعَ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، وَلِوَاءُ الْأَوْسِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ . وَمَعَ قُرَيْشٍ ثَلَاثَةُ أَلْوِيَةٍ لِوَاءٌ مَعَ أَبِي عَزِيزٍ وَلِوَاءٌ مَعَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَلِوَاءٌ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ .
قَالُوا : وَخَطَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيَحُثّهُمْ وَيُرَغّبُهُمْ فِي الْأَجْرِ
أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَحُثّكُمْ عَلَى مَا حَثّكُمْ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْهَاكُمْ عَمّا نَهَاكُمْ اللّهُ عَنْهُ فَإِنّ اللّهَ عَظِيمٌ شَأْنُهُ يَأْمُرُ بِالْحَقّ وَيُحِبّ الصّدْقَ وَيُعْطِي عَلَى الْخَيْرِ أَهْلَهُ عَلَى مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ بِهِ يُذْكَرُونَ وَبِهِ يَتَفَاضَلُونَ وَإِنّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ بِمَنْزِلٍ [ ص 59 ] مِنْ مَنَازِلِ الْحَقّ لَا يَقْبَلُ اللّهُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ . وَإِنّ الصّبْرَ فِي مَوَاطِنِ الْبَأْسِ مِمّا يُفَرّجُ اللّهُ بِهِ الْهَمّ وَيُنَجّي بِهِ مِنْ الْغَمّ وَتُدْرِكُونَ بِهِ النّجَاةَ فِي الْآخِرَةِ . فِيكُمْ نَبِيّ اللّهِ يُحَذّرُكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ فَاسْتَحْيُوا الْيَوْمَ أَنْ يَطّلِعَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُمْ يَمْقُتُكُمْ عَلَيْهِ فَإِنّ اللّهَ يَقُولُ لَمَقْتُ اللّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ.
اُنْظُرُوا إلَى الّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَأَرَاكُمْ مِنْ آيَاتِهِ وَأَعَزّكُمْ بَعْدَ ذِلّةٍ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ يَرْضَ رَبّكُمْ عَنْكُمْ . وَأَبْلَوْا رَبّكُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ أَمْرًا ، تَسْتَوْجِبُوا الّذِي وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ فَإِنّ وَعْدَهُ حَقّ ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ وَعِقَابَهُ شَدِيدٌ . وَإِنّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ بِاَللّهِ الْحَيّ الْقَيّومِ إلَيْهِ أَلْجَأْنَا ظُهُورَنَا ، وَبِهِ اعْتَصَمْنَا ، وَعَلَيْهِ تَوَكّلْنَا ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَغْفِرُ اللّهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، وَمُحَمّدِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، قَالَا : لَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُرَيْشًا تُصَوّبُ مِنْ الْوَادِي - وَكَانَ أَوّلُ مَنْ طَلَعَ زَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يَتْبَعُهُ ابْنُهُ فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ يُرِيدُ أَنْ يَتَبَوّأَ لِلْقَوْمِ مَنْزِلًا - فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ إنّك أَنْزَلْت عَلَيّ الْكِتَابَ وَأَمَرْتنِي بِالْقِتَالِ وَوَعَدَتْنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا ، تُحَادّك وَتُكَذّبُ رَسُولَك اللّهُمّ نَصْرُك الّذِي وَعَدْتنِي اللّهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ وَطَلَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ يَكُ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَفِي صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا .
فَمَرّ أَبِي عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - وَهُوَ سَيّدُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ - فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا هَذَا الْمَسِيرُ ؟ قَالَ لَا أَدْرِي وَاَللّهِ غُلِبْت قَالَ فَأَنْتَ سَيّدُ الْعَشِيرَةِ فَمَا يَمْنَعُك أَنْ تَرْجِعَ بِالنّاسِ وَتَحْمِلَ دَمَ حَلِيفِك ، وَتَحْمِلَ الْعِيرَ الّتِي أَصَابُوا بِنَخْلَةَ فَتُوَزّعَهَا عَلَى قَوْمِك ؟ وَاَللّهِ مَا تَطْلُبُونَ قِبَلَ مُحَمّدٍ إلّا هَذَا ؟ وَاَللّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا تَقْتُلُونَ بِمُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ إلّا أَنْفُسَكُمْ .
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا سَمِعْنَا بِأَحَدٍ سَادَ بِغَيْرِ [ ص 61 ] مَالٍ إلّا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ . عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ لَمّا نَزَلَ الْقَوْمُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ ارْجِعُوا ، فَإِنّهُ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ مِنّي غَيْرُكُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ تَلُوهُ مِنّي ، وَأَلِيَهُ مِنْ غَيْرِكُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أَلِيَهُ مِنْكُمْ .
فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ : قَدْ عَرَضَ نِصْفًا ، فَاقْبَلُوهُ . وَاَللّهِ لَا تُنْصَرُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا عَرَضَ مِنْ النّصْفِ . قَالَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَنَا اللّهُ مِنْهُمْ وَلَا نَطْلُبُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ وَلَا يَعْتَرِضُ لِعِيرِنَا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا .
خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ جُلُوسٌ يُرِيدُونَهُ فَقَرَأَ « يس » وَذَرّ عَلَى رُءُوسِهِمْ التّرَابَ فَمَا انْفَلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا قُتِلَ إلّا حَكِيمٌ .
قَالُوا : فَلَمّا اطْمَأَنّ الْقَوْمُ بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ - وَكَانَ صَاحِبَ قِدَاحٍ - فَقَالُوا : احْزِرْ لَنَا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ . فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْمُعَسْكَرِ فَصَوّبَ فِي الْوَادِي وَصَعِدَ يَقُولُ عَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَدَدٌ أَوْ كَمِينٌ . ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ لَا مَدَدَ وَلَا كَمِينَ الْقَوْمُ ثَلَثُمِائَةٍ إنْ زَادُوا قَلِيلًا ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا ، وَمَعَهُمْ فَرَسَانِ . ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ أَلَا تَرَوْنَهُمْ خُرْسًا لَا يَتَكَلّمُونَ يَتَلَمّظُونَ تَلَمّظَ الْأَفَاعِي وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتّى يَقْتُلَ مِنّا رَجُلًا ، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَمَا خَيْرٌ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ فَارْتَئُوا رَأْيَكُمْ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمّا قَالَ لَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَرْسَلُوا أَبَا أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ - وَكَانَ فَارِسًا - فَأَطَافَ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ مَا رَأَيْت ؟ قَالَ وَاَللّهِ مَا رَأَيْت جَلَدًا ، وَلَا عَدَدًا ، وَلَا حَلْقَةً وَلَا كُرَاعًا . وَلَكِنّي وَاَللّهِ رَأَيْت قَوْمًا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَئُوبُوا إلَى أَهْلِيهِمْ قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ زُرْقُ الْعُيُونِ كَأَنّهُمْ الْحَصَى تَحْتَ الْحَجَفِ .
ثُمّ قَالَ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ . فَصَوّبَ فِي الْوَادِي ثُمّ صَعِدَ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ ثُمّ قَالَ لَا كَمِينَ وَلَا مَدَدَ فَرَوْا رَأْيَكُمْ

عتبة يخطب بساحة القتال:

قَالَ ثُمّ جَلَسَ عُتْبَةُ عَلَى جَمَلِهِ فَسَارَ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يَقُولُ يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي وَلَا تُقَاتِلُوا هَذَا الرّجُلَ وَأَصْحَابَهُ وَاعْصِبُوا هَذَا الْأَمْرَ بِرَأْسِي وَاجْعَلُوا جُبْنَهَا بِي ، فَإِنّ مِنْهُمْ رِجَالًا قَرَابَتُهُمْ قَرِيبَةٌ وَلَا يَزَالُ الرّجُلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَيُورِثُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ شَحْنَاءَ وَأَضْغَانًا ، وَلَنْ تَخْلُصُوا إلَى قَتْلِهِمْ حَتّى يُصِيبُوا مِنْكُمْ عَدَدَهُمْ مَعَ أَنّي لَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَطْلُبُونَ إلّا دَمَ هَذَا الرّجُلِ وَالْعِيرَ الّتِي أَصَابَ وَأَنَا أَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَيّ يَا قَوْمِ إنْ يَكُ مُحَمّدٌ كَاذِبًا يَكْفِيكُمُوهُ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ - ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ صَعَالِيكُ الْعَرَبِ - وَإِنْ يَكُ مَلِكًا أَكَلْتُمْ فِي مُلْكِ ابْنِ أَخِيكُمْ وَإِنْ يَكُ نَبِيّا كُنْتُمْ أَسْعَدَ النّاسِ بِهِ يَا قَوْمِ لَا تَرُدّوا نَصِيحَتِي ، وَلَا تُسَفّهُوا رَأْيِي قَالَ فَحَسَدَهُ أَبُو جَهْلٍ حِينَ سَمِعَ خُطْبَتَهُ وَقَالَ إنْ يَرْجِعْ النّاسُ عَنْ [ ص 64 ] خُطْبَةِ عُتْبَةَ يَكُنْ سَيّدَ الْجَمَاعَةِ - وَعُتْبَةُ أَنْطَقُ النّاسِ وَأَطْوَلُهُمْ لِسَانًا ، وَأَجْمَلُهُمْ جَمَالًا .
ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ أَنْشُدُكُمْ اللّهَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الّتِي كَأَنّهَا الْمَصَابِيحُ أَنْ تَجْعَلُوهَا أَنْدَادًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ الّتِي كَأَنّهَا وُجُوهُ الْحَيّاتِ فَلَمّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ إنّ عُتْبَةَ يُشِيرُ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ لِأَنّ ابْنَهُ مَعَ مُحَمّدٍ وَمُحَمّدٌ ابْنُ عَمّهِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ وَابْنَ عَمّهِ . امْتَلَأَ وَاَللّهِ سَحْرُك يَا عُتْبَةُ وَجَبُنْت حِينَ الْتَقَتْ حَلَقَتَا الْبِطَانِ الْآنَ تُخَذّلُ بَيْنَنَا وَتَأْمُرُنَا بِالرّجُوعِ ؟ لَا وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ قَالَ فَغَضِبَ عُتْبَةُ فَقَالَ يَا مُصَفّرَ اسْتِهِ سَتَعْلَمُ أَيّنَا أَجْبَنُ وَأَلْأَمُ وَسَتَعْلَمُ قُرَيْشٌ مَنْ الْجَبَانُ الْمُفْسِدُ لِقَوْمِهِ [ وَأَنْشَدَ . .. ]       هَلْ جَبَانٌ وَأَمَرْت أَمْرِي      فَبَشّرِي بِالثّكْلِ أُمّ عَمْرِو
ثُمّ ذَهَبَ أَبُو جَهْلٍ إلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيّ أَخِي الْمَقْتُولِ بِنَخْلَةَ فَقَالَ هَذَا حَلِيفُك - يَعْنِي عُتْبَةَ - يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنّاسِ وَقَدْ رَأَيْت ثَأْرَك بِعَيْنَيْك ، وَيُخَذّلَ بَيْنَ النّاسِ قَدْ تَحَمّلَ دَمَ أَخِيك وَزَعَمَ أَنّك قَابِلٌ الدّيَةَ . أَلَا تَسْتَحْيِيَ تَقْبَلُ الدّيَةَ وَقَدْ قَدَرْت عَلَى قَاتِلِ أَخِيك ؟ قُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ . فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَاكْتَشَفَ ثُمّ حَثَا عَلَى رَأْسِهِ التّرَابَ ثُمّ [ ص 65 ] صَرَخَ وَاعَمْرَاه يُخْزِي بِذَلِكَ عُتْبَةَ لِأَنّهُ حَلِيفُهُ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ ، فَأَفْسَدَ عَلَى النّاسِ الرّأْيَ الّذِي دَعَاهُمْ إلَيْهِ عُتْبَةُ وَحَلَفَ عَامِرٌ لَا يَرْجِعُ حَتّى يَقْتُلَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ . وَقَالَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حَرّشْ بَيْنَ النّاسِ فَحَمَلَ عُمَيْرٌ فَنَاوَشَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنْ يَنْقُضَ الصّفّ فَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَفّهِمْ وَلَمْ يَزُولُوا ; وَتَقَدّمَ ابْنُ الْحَضْرَمِيّ فَشَدّ عَلَى الْقَوْمِ فَنَشِبَتْ الْحَرْبُ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، قَالَ لَمّا أَفْسَدَ الرّأْيَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى النّاسِ وَحَرّشَ بَيْنَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ فَكَانَ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مَهْجَعُ مَوْلَى عُمَرَ فَقَتَلَهُ عَامِرٌ .
وَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ قَتَلَهُ حِبّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ - وَيُقَالُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ - قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعُقَيْلِيّ .

بداية القتال ودعاء النبي   ·:

ثُمّ دَعَا عُتْبَةُ إلَى الْمُبَارَزَةِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَرِيشِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَاضْطَجَعَ فَغَشِيَهُ النّوْمُ وَقَالَ لَا تُقَاتِلُوا حَتّى أُوذِنَكُمْ وَإِنْ كَثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَلَا تَسُلّوا السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوْكُمْ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ دَنَا الْقَوْمُ وَقَدْ نَالُوا مِنّا . فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللّهِ وَقَدْ أَرَاهُ اللّهُ إيّاهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلًا ، وَقَلّلَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْيُنِ بَعْضٍ فَفَزِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يُنَاشِدُ رَبّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ النّصْرِ وَيَقُولُ اللّهُمّ إنْ تَظْهَرْ عَلَيّ هَذِهِ الْعِصَابَةُ يَظْهَرْ الشّرْكُ وَلَا يَقُمْ لَك دِين وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ وَاَللّهِ لَيَنْصُرَنك اللّهُ وَلَيُبَيّضَن وَجْهَك .
قَالُوا : فَلَمّا تَزَاحَفَ النّاسُ قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ حِينَ دَنَا مِنْ الْحَوْضِ أُعَاهِدُ اللّهَ لَأَشْرَبَن مِنْ حَوْضِهِمْ أَوْ لَأَهْدِمَنهُ أَوْ لَأَمُوتَن دُونَهُ . فَشَدّ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ حَتّى دَنَا مِنْ الْحَوْضِ فَاسْتَقْبَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ . فَضَرَبَهُ فَأَطَنّ قَدَمَهُ فَزَحَفَ الْأَسْوَدُ حَتّى وَقَعَ فِي الْحَوْضِ فَهَدَمَهُ بِرِجْلِهِ الصّحِيحَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ وَأَتْبَعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ فِي الْحَوْضِ فَقَتَلَهُ وَالْمُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ عَلَى صُفُوفِهِمْ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنّهُمْ ظَاهِرُونَ فَدَنَا النّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ..

مقتل عتبة وشيبة وربيعة والوليد:

..فَخَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَالْوَلِيدُ حَتّى فَصَلُوا مِنْ الصّفّ ثُمّ دَعَوْا إلَى الْمُبَارَزَةِ .
فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِتْيَانٌ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ : مُعَاذٌ وَمُعَوّذٌ وَعَوْفٌ بَنُو الْحَارِثِ - وَيُقَالُ ثَالِثُهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَالثّبْتُ عِنْدَنَا أَنّهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ - فَاسْتَحْيَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ ذَلِكَ وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ أَوّلَ قِتَالٍ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَنْصَارِ ، وَأَحَبّ أَنْ تَكُونَ الشّوْكَةُ لِبَنِي عَمّهِ وَقَوْمِهِ فَأَمَرَهُمْ فَرَجَعُوا إلَى مَصَافّهِمْ وَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا .
ثُمّ نَادَى مُنَادِي الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمّدُ أَخْرِجْ لَنَا الْأَكْفَاءَ مِنْ قَوْمِنَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا بَنِي هَاشِمٍ قُومُوا فَقَاتَلُوا بِحَقّكُمْ الّذِي بَعَثَ اللّهُ بِهِ نَبِيّكُمْ إذْ جَاءُوا بِبَاطِلِهِمْ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ . فَقَامَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، فَمَشَوْا إلَيْهِمْ فَقَالَ عُتْبَةُ تَكَلّمُوا نَعْرِفْكُمْ - وَكَانَ عَلَيْهِمْ الْبِيضُ فَأَنْكَرُوهُمْ - فَإِنْ كُنْتُمْ أَكْفَاءَ قَاتَلْنَاكُمْ . فَقَالَ حَمْزَةُ أَنَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ . قَالَ عُتْبَةُ كُفْءٌ كَرِيمٌ . ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ وَأَنَا أَسَدُ الْحُلَفَاءِ وَمَنْ هَذَانِ مَعَك ؟ قَالَ [ ص 69 ] عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ . قَالَ كُفْئَانِ كَرِيمَانِ . قَالَ ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ لِعُتْبَةَ كَلِمَةً قَطّ أَوْهَنَ مِنْ قَوْلِهِ « أَنَا أَسَدُ الْحُلَفَاءِ » ; يَعْنِي بِالْحُلَفَاءِ الْأَجَمَةَ .
ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ لِابْنِهِ قُمْ يَا وَلِيدُ . فَقَامَ الْوَلِيدُ . وَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ . وَكَانَ أَصْغَرَ النّفَرِ فَقَتَلَهُ عَلِيّ  رضي الله عنه . ثُمّ قَامَ عُتْبَةُ وَقَامَ إلَيْهِ حَمْزَةُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . ثُمّ قَامَ شَيْبَةُ وَقَامَ إلَيْهِ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَسَنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَضَرَبَ شَيْبَةُ رِجْلَ عُبَيْدَةَ بِذُبَابِ السّيْفِ فَأَصَابَ عَضَلَةَ سَاقِهِ فَقَطَعَهَا . وَكَرّ حَمْزَةُ وَعَلِيّ عَلَى شَيْبَةَ فَقَتَلَاهُ وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ فَحَازَاهُ إلَى الصّفّ وَمُخّ سَاقِهِ يَسِيلُ فَقَالَ عُبَيْدَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَسْت شَهِيدًا ؟ قَالَ بَلَى . قَالَ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيّا لَعَلِمَ أَنّا أَحَقّ بِمَا قَالَ مِنْهُ حِينَ يَقُولُ [ ص 70 ]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللّهِ نُخْلِي مُحَمّدًا      وَلَمّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ
وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ
قَالُوا : وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ حِينَ دَعَا إلَى الْبِرَازِ قَامَ إلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو حُذَيْفَةَ يُبَارِزُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اجْلِسْ فَلَمّا قَامَ إلَيْهِ النّفَرُ أَعَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ عَلَى أَبِيهِ بِضَرْبَةٍ .

تحريض أبي جهل على القتال ودعاءه على المسلمين:

حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ شَيْبَةُ أَكْبَرُ مِنْ عُتْبَةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ . حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ قَالَ وَاسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ . فَقَالَ اللّهُمّ أَقْطَعُنَا لِلرّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا يَعْلَمُ فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ الْآيَةَ .

نزول الملائكة من السماء للقتال إلى جانب المسلمين:

فَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ ، قَالَ سَمِعْت ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ لَمّا تَوَاقَفَ النّاسُ أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاعَةً ثُمّ كُشِفَ عَنْهُ فَبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجِبْرِيلَ فِي جُنْدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي مَيْمَنَةِ [ ص 71 ] النّاسِ وَمِيكَائِيلَ فِي جُنْدٍ آخَرَ فِي مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِسْرَافِيلَ فِي جُنْدٍ آخَرَ بِأَلْفٍ .
وَإِبْلِيسُ قَدْ تَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيّ يُذَمّرُ الْمُشْرِكِينَ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ لَا غَالِبَ لَهُمْ مِنْ النّاسِ فَلَمّا أَبْصَرَ عَدُوّ اللّهِ الْمَلَائِكَةَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ
وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَحَضّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ لَا يَغُرّنكُمْ خِذْلَانُ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ إيّاكُمْ فَإِنّمَا كَانَ عَلَى مِيعَادٍ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ سَيَعْلَمُ إذَا رَجَعْنَا إلَى قُدَيْدٍ مَا نَصْنَعُ بِقَوْمِهِ لَا يَهُولَنكُمْ مَقْتَلُ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ فَإِنّهُمْ عَجّلُوا وَبَطِرُوا حِينَ قَاتَلُوا وَأَيْمُ اللّهِ لَا نَرْجِعُ الْيَوْمَ حَتّى نَقْرِنَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْحِبَالِ فَلَا أُلْفِيَن أَحَدًا مِنْكُمْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا : وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخْذًا ، نُعَرّفُهُمْ بِاَلّذِي صَنَعُوا لِمُفَارَقَتِهِمْ دِينَكُمْ وَرَغْبَتَهُمْ عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ جَعَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ : يَا بَنِي عَبْدِ الرّحْمَنِ وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ : يَا بَنِي عَبْدِ اللّهِ وَشِعَارَ الْأَوْسِ : يَا بَنِي عُبَيْدِ اللّهِ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيّ [ ص 72 ] عَنْ إسْحَاقَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيّ قَالَ كَانَ شِعَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْم َ بَدْرٍ يَا مَنْصُورُ أَمِتْ .
قَالُوا : وَكَانَ فِتْيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ سَبْعَةٌ قَدْ أَسْلَمُوا ، فَاحْتَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَخَرَجُوا مَعَهُمْ إلَى بَدْرٍ وَهُمْ عَلَى الشّكّ وَالِارْتِيَابِ قَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِه بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ وَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ . فَلَمّا قَدِمُوا بَدْرًا . وَرَأَوْا قِلّةَ أَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا : غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ يَقُولُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَمَنْ يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَهُمْ مَقْتُولُونَ الْآنَ . يَقُولُ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ
ثُمّ ذَكَرَ الّذِينَ كَفَرُوا شَرّ الذّكْرِ فَقَالَ إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرّةٍ وَهُمْ لَا يَتّقُونَ إلَى قَوْلِهِ فَشَرّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ يَقُولُ يُقْبِلُونَ نَكَلَ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ كُلّهَا.
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ يَقُولُ وَإِنْ قَالُوا قَدْ أَسْلَمْنَا عَلَانِيَةً فَاقْبَلْ مِنْهُمْ . وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الّذِي أَيّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ يَقُولُ أَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ . لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ ص 73 ] حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي الرّجَالِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ ، قَالَ جَعَلَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْقُوّةِ أَنْ يَغْلِبَ الْعِشْرُونَ إذَا كَانُوا صَابِرِينَ مِائَتَيْنِ . وَيَمُدّهُمْ يَوْمَ بَدْر بِأَلْفَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَلَمّا عَلِمَ أَنّ فِيهِمْ الضّعْفَ خَفّفَ عَنْهُمْ وَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ مَرْجَعَ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ بَدْرٍ .
قَالُوا : وَكَانَ سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ عَمَائِمَ قَدْ أَرْخَوْهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ خُضْرًا وَصُفْرًا وَحُمْرًا مِنْ نُورٍ وَالصّوفُ فِي نَوَاصِي خَيْلِهِمْ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ [ ص 76 ] عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ سَوّمَتْ فَسَوّمُوا فَأَعْلَمُوا بِالصّوفِ فِي مَغَافِرِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ .
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ وَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُعْلِمُونَ فِي الزّحُوفِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مُعْلِمٌ يَوْمَ بَدْر ٍ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ وَكَانَ عَلِيّ  رضي الله عنه مُعْلِمًا بِصُوفَةٍ بَيْضَاءَ وَكَانَ الزّبَيْرُ مُعْلِمًا بِعِصَابَةٍ صَفْرَاءَ . وَكَانَ الزّبَيْرُ يُحَدّثُ إنّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهَا عَمَائِمُ صُفْرٌ . فَكَانَ عَلَى الزّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ عِصَابَةٌ صَفْرَاءُ وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ يُعْلِمُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ .

الملائكة تتلقَّى التعليمات الربانية في القتال:

حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ مَوْلًى لِسُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْت سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْت يَوْمَ بَدْرٍ رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُعْلِمِينَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ . وَكَانَ أَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ يُحَدّثُ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَالَ لَوْ كُنْت مَعَك الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشّعْبَ - وَهُوَ الْمَلْصُ - الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ لَا أَشُكّ فِيهِ وَلَا أَمْتَرِي .
فَكَانَ يُحَدّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ حَدّثَهُ قَالَ أَقْبَلْت وَابْنُ عَمّ لِي يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى صَعِدْنَا عَلَى جَبَلٍ وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ وَنَحْنُ عَلَى إحْدَى عُجْمَتَيْ بَدْرٍ - الْعُجْمَةُ الشّامِيّةُ الْعُجْمَةُ مِنْ رَمْلٍ - نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدّائِرَةُ فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ إذْ رَأَيْت سَحَابَةً دَنَتْ مِنّا ، فَسَمِعْت فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ وَقَعْقَعَةَ اللّجُمِ وَالْحَدِيدِ وَسَمِعْت قَائِلًا يَقُولُ [ ص 77 ] أَقْدِمْ حَيْزُومُ فَأَمّا ابْنُ عَمّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ وَأَمّا أَنَا فَكِدْت أَهْلَكَ فَتَمَاسَكْت وَأَتْبَعْت الْبَصَرَ حَيْثُ تَذْهَبُ السّحَابَةُ فَجَاءَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ ثُمّ رَجَعَتْ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمّا كُنْت أَسْمَعُ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جِبْرِيلَ مَنْ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ « أَقْدِمْ حَيْزُومُ » ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ يَا مُحَمّدُ مَا كُلّ أَهْلِ السّمَاءِ أَعْرِفُ .
قَالُوا : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 78 ] مَا رُئِيَ الشّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ - وَمَا ذَاكَ إلّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزّلِ الرّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللّهِ عَنْ الذّنُوبِ الْعِظَامِ - إلّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ . قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ ؟ قَالَ أَمَا إنّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ . قَالُوا : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ هَذَا جِبْرِيلُ يَسُوقُ الرّيحَ كَأَنّهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيّ ، إنّي نُصِرْت بِالصّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدّبُورِ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ رَأَيْت يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلَيْنِ عَنْ يَمِينِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَدُهُمَا ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَحَدُهُمَا ، يُقَاتِلَانِ أَشَدّ الْقِتَالِ ثُمّ ثَلّثَهُمَا ثَالِثٌ مِنْ خَلْفِهِ ثُمّ رَبّعَهُمَا رَابِعٌ أَمَامَهُ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ رَأَيْت رَجُلَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَاتِلَانِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَسَارِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنّي لَأَرَاهُ يَنْظُرُ إلَى ذَا مَرّةً وَإِلَى ذَا مَرّةً سُرُورًا بِمَا ظَفّرَهُ اللّهُ تَعَالَى .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قَالَ جِئْت [ ص 79 ] يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثَةِ رُءُوسٍ فَوَضَعْتهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ أَمّا رَأْسَانِ فَقَتَلْتهمَا ، وَأَمّا الثّالِثُ فَإِنّي رَأَيْت رَجُلًا أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَرَبَهُ فَتَدَهْدَى أَمَامَهُ فَأَخَذْت رَأْسَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَاكَ فُلَانٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ .
وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ لَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، قَالَ كَانَ الْمَلَكُ يَتَصَوّرُ فِي صُورَةِ مَنْ يَعْرِفُونَ مِنْ النّاسِ يُثَبّتُونَهُمْ فَيَقُولُ إنّي قَدْ دَنَوْت مِنْهُمْ فَسَمِعْتهمْ يَقُولُونَ لَوْ حَمَلُوا عَلَيْنَا مَا ثَبَتْنَا ، لَيْسُوا بِشَيْءٍ . وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا إلَى آخِرِ الْآيَةِ .
فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ السّائِبُ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ الْأَسَدِيّ يُحَدّثُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ يَقُولُ وَاَللّهِ مَا أَسَرَنِي أَحَدٌ مِنْ النّاسِ . فَيُقَالُ فَمَنْ ؟ فَيَقُولُ لَمّا انْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ انْهَزَمْت مَعَهَا ، فَيُدْرِكُنِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَوْثَقَنِي رِبَاطًا ، وَجَاءَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَجَدَنِي مَرْبُوطًا ، وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يُنَادِي فِي الْمُعَسْكَرِ مَنْ أَسَرَ هَذَا ؟ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنّهُ أَسَرَنِي ، حَتّى انْتَهَى بِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا ابْنَ أَبِي حُبَيْشٍ مَنْ أَسَرَك ؟ فَقُلْت : لَا أَعْرِفُ . وَكَرِهْت أَنْ أُخْبِرَهُ بِاَلّذِي رَأَيْت ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسَرَهُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ كَرِيمٌ اذْهَبْ يَا ابْنَ عَوْفٍ بِأَسِيرِك فَذَهَبَ بِي عَبْدُ الرّحْمَنِ . [ ص 80 ] فَقَالَ السّائِبُ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ أَحْفَظُهَا ، وَتَأَخّرَ إسْلَامِي حَتّى كَانَ مَا كَانَ مِنْ إسْلَامِي .
قَالُوا : وَلَمّا لَحِمَ الْقِتَالُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى النّصْرَ وَمَا وَعَدَهُ يَقُولُ اللّهُمّ إنْ ظُهِرَ عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ ظَهَرَ الشّرْكُ وَلَا يَقُومُ لَك دِينٌ وَأَبُو بَكْر ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ وَاَللّهِ لَيَنْصُرَنك اللّهُ وَلَيُبَيّضَن وَجْهَك . فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ عِنْدَ أَكْنَافِ الْعَدُوّ .
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَبْشِرْ هَذَا جِبْرِيلُ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ . فَلَمّا نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ تَغَيّبَ عَنّي سَاعَةً ثُمّ طَلَعَ عَلَى ثَنَايَاهُ النّقْعُ يَقُولُ أَتَاك نَصْرُ اللّهِ إذْ دَعَوْته . قَالُوا : وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخَذَ مِنْ الْحَصْبَاءِ كَفّا فَرَمَاهُمْ بِهَا ، وَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ اللّهُمّ أَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ فَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللّهِ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا امْتَلَأَ وَجْهُهُ وَعَيْنَاهُ مَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجّهُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَقْتُلُونَهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ .
وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَكّةَ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُهَاجِرٌ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ يَقُولُ
يَا رَاكِبَ النّاقَةِ الْقَصْوَاءِ هَاجَرْنَا    عَمّــا قَلِيلٍ تَرَانِي رَاكِبَ الْفَرَسِ
أُعِلّ رُمْحِي فِيكُــــمْ ثُمّ أُنْهِلُهُ        وَالسّيْفُ يَأْخُذُ مِنْكُمْ كُلّ مُلْتَبِسِ
أَنْشَدَنِيهَا ابْنُ أَبِي الزّنَادِ . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَلَغَهُ قَوْلُهُ اللّهُمّ أَكِبّهُ لِمَنْخَرِهِ وَاصْرَعْهُ قَالَ فَجَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ ، فَأَمَرَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبْرًا.

مصرع أمية بن خلف وابنه:

وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ إنّي لَأَجْمَعُ أَدْرَاعًا لِي يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ وَلّى النّاسُ فَإِذَا أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو فَلَمّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سُمّيت عَبْدَ الرّحْمَنِ فَكَانَ يَلْقَانِي فَيَقُولُ يَا عَبْدَ عَمْرٍو ، فَلَا أُجِيبُهُ . فَيَقُولُ إنّي لَا أَقُولُ لَك عَبْدَ الرّحْمَنِ إنّ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ يَتَسَمّى بِالرّحْمَنِ فَأَنَا لَا أَدْعُوك إلَيْهِ . فَكَانَ يَدْعُونِي عَبْدَ الْإِلَهِ فَلَمّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ رَأَيْته عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَلِيّ ، [ ص 83 ] فَنَادَانِي : يَا عَبْدَ عَمْرٍو . فَأَبَيْت أَنْ أُجِيبَهُ فَنَادَى : يَا عَبْدَ الْإِلَهِ . فَأَجَبْته ، فَقَالَ أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللّبَنِ ؟ نَحْنُ خَيْرٌ لَك مِنْ أَدْرَاعِك هَذِهِ . فَقُلْت : امْضِيَا فَجَعَلْت أَسُوقُهُمَا أَمَامِي .
وَقَدْ رَأَى أُمَيّةُ أَنّهُ قَدْ أَمِنَ بَعْضَ الْأَمْنِ فَقَالَ لِي أُمَيّةُ رَأَيْت رَجُلًا فِيكُمْ الْيَوْمَ مُعْلِمًا ، فِي صَدْرِهِ رِيشَةُ نَعَامَةٍ مَنْ هُوَ ؟ قُلْت : حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ . فَقَالَ ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ . ثُمّ قَالَ فَمَنْ رَجُلٌ دَحْدَاحٌ قَصِيرٌ مُعْلِمٌ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ ؟ قَالَ قُلْت : ذَاكَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ . فَقَالَ وَبِذَاكَ أَيْضًا يَا عَبْدَ الْإِلَهِ صِرْنَا الْيَوْمَ جُزُرًا لَكُمْ قَالَ فَبَيْنَا هُوَ مَعِي أُزْجِيهِ أَمَامِي ، وَمَعَهُ ابْنُهُ إذْ بَصُرَ بِهِ بَلَالٌ وَهُوَ يَعْجِنُ عَجِينًا لَهُ [ فَتَرَكَ الْعَجِينَ ] وَجَعَلَ يَفْتِلُ يَدَيْهِ مِنْ الْعَجِينِ فَتْلًا ذَرِيعًا ، وَهُوَ يُنَادِي : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ رَأْسُ الْكُفْرِ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا
قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَأَقْبَلُوا كَأَنّهُمْ عُوذٌ حَنّتْ إلَى أَوْلَادِهَا ، حَتّى طُرِحَ أُمَيّةُ عَلَى ظَهْرِهِ وَاضْطَجَعْت عَلَيْهِ وَأَقْبَلَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَأَدْخَلَ سَيْفَهُ فَاقْتَطَعَ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ فَلَمّا فَقَدَ أُمَيّةُ أَنْفَهُ قَالَ إيه عَنْك أَيْ خَلّ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ . قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَذَكَرْت قَوْلَ حَسّانٍ أَوْ عَنْ ذَلِكَ الْأَنْفِ جَادِع . وَأَقْبَلَ إلَيْهِ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ وَقَدْ ضَرَبَ أُمَيّةُ خُبَيْبَ بْنَ يَسَافٍ حَتّى قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْمَنْكِبِ فَأَعَادَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَالْتَحَمَتْ وَاسْتَوَتْ فَتَزَوّجَ خُبَيْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنَةَ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ، فَرَأَتْ تِلْكَ الضّرْبَةَ فَقَالَتْ [ ص 84 ] لَا يُشِلّ اللّهُ يَدَ رَجُلٍ [ فَعَلَ ] هَذَا
فَقَالَ خُبَيْبٌ وَأَنَا وَاَللّهِ قَدْ أَوْرَدَتْهُ شَعُوبٌ . فَكَانَ خُبَيْبٌ يُحَدّثُ قَالَ فَأَضْرِبُهُ فَوْقَ الْعَاتِقِ فَأَقْطَعُ عَاتِقَهُ حَتّى بَلَغْت مُؤْتَزَرَهُ وَعَلَيْهِ الدّرْعُ وَأَنَا أَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ يَسَافٍ وَأَخَذْت سِلَاحَهُ وَدِرْعَهُ مَقْطُوعَةٌ . وَأَقْبَلَ عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ فَيَعْتَرِضُ لَهُ الْحُبَابُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَصَاحَ صَيْحَةً مَا سُمِعَ مِثْلُهَا قَطّ جَزَعًا ، وَلَقِيَهُ عَمّارٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ .
وَيُقَالُ إنّ عَمّارًا لَاقَاهُ قَبْلَ الضّرْبَةِ فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٍ فَقَتَلَهُ . وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ أَنّهُ ضَرَبَهُ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ رِجْلُهُ وَقَدْ سَمِعْنَا فِي قَتْلِ أُمَيّةَ غَيْرَ ذَلِكَ .
حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَحْدَقْنَا بِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ لَهُ فِيهِمْ شَأْنٌ وَمَعِي رُمْحِي وَمَعَهُ رُمْحُهُ فَتَطَاعَنَا حَتّى سَقَطَتْ رِمَاحُنَا ثُمّ صِرْنَا إلَى السّيْفَيْنِ فَتَضَارَبْنَا بِهِمَا حَتّى انْثَلَمَا ، ثُمّ بَصُرْت بِفَتْقٍ فِي دِرْعِهِ تَحْتَ إبِطِهِ فَخَشَشْت السّيْفَ فِيهِ حَتّى قَتَلْته ، وَخَرَجَ السّيْفُ وَعَلَيْهِ الْوَدَكُ
قَالُوا : وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ : لَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ لَقِيت عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ لَأْمَةٌ كَامِلَةٌ لَا يُرَى مِنْهُ إلّا عَيْنَاهُ وَهُوَ يَقُولُ - وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صَبِيّةٌ صَغِيرَةٌ يَحْمِلُهَا ، وَكَانَ لَهَا بُطَيْنٌ وَكَانَتْ مُسْقِمَةً - أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ قَالَ وَفِي يَدِي عَنَزَةٌ [ ص 86 ] فَأَطْعَنُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَوَقَعَ وَأَطَأُ بِرِجْلِي عَلَى خَدّهِ حَتّى أَخْرَجْت الْعَنَزَةَ مِنْ حَدَقَتِهِ وَأَخْرَجْت حَدَقَتَهُ . وَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَنَزَةَ فَكَانَتْ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِمْ .
وَلَمّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاخْتَلَطُوا ، أَقْبَلَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ السّهْمِيّ كَأَنّهُ ذِئْبٌ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، عَلَيْكُمْ بِالْقَاطِعِ مُفَرّقِ الْجَمَاعَةِ الْآتِي بِمَا لَا يُعْرَفُ مُحَمّدٍ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا وَيَعْتَرِضُهُ أَبُو دُجَانَةَ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ . وَوَقَفَ عَلَى سَلَبِهِ يَسْلُبُهُ فَمَرّ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ دَعْ سَلَبَهُ حَتّى يُجْهَضَ الْعَدُوّ ، وَأَنَا أَشْهَدُ لَك بِهِ .
وَيُقْبِلُ مَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ ، فَضَرَبَ أَبَا دُجَانَةَ ضَرْبَةً بَرَكَ أَبُو دُجَانَةَ كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ ثُمّ انْتَهَضَ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ ضَرَبَاتٍ لَمْ يَصْنَعْ سَيْفُهُ شَيْئًا ، حَتّى يَقَعُ مَعْبَدٌ بِحُفْرَةٍ أَمَامَهُ لَا يَرَاهَا ، وَبَرَكَ عَلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَذَبَحَهُ ذَبْحًا ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ .

مصرع عدو الله أبي جهل، فرعون هذه الأمة:

قَالُوا : وَلَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ وَرَأَتْ بَنُو مَخْزُومٍ مَقْتَلَ مَنْ قُتِلَ قَالُوا : أَبُو الْحَكَمِ لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ ، فَإِنّ ابْنَيْ رَبِيعَةَ قَدْ عَجّلَا وَبَطِرَا ، وَلَمْ تُحَامِ عَلَيْهِمَا عَشِيرَتُهُمَا . فَاجْتَمَعَتْ بَنُو مَخْزُومٍ فَأَحْدَقُوا بِهِ فَجَعَلُوهُ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ .
وَأَجْمَعُوا أَنْ يَلْبَسُوا لَأْمَةَ أَبِي جَهْلٍ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَلْبَسُوهَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ ، فَصَمَدَ لَهُ عَلِيّ  رضي الله عنه فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرَاهُ أَبَا جَهْلٍ وَمَضَى عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ ثُمّ أَلْبَسُوهَا أَبَا قَيْسِ بْنَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَصَمَدَ لَهُ حَمْزَةُ وَهُوَ يَرَاهُ أَبَا جَهْلٍ فَضَرَبَهُ [ ص 87 ] فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ثُمّ أَلْبَسُوهَا حَرْمَلَةَ بْنَ عَمْرٍو ، فَصَمَدَ لَهُ عَلِيّ  رضي الله عنه فَقَتَلَهُ وَأَبُو جَهْلٍ فِي أَصْحَابِهِ . ثُمّ أَرَادُوا أَنْ يُلْبِسُوهَا خَالِدَ بْنَ الْأَعْلَمِ فَأَبَى أَنْ يَلْبَسَهَا يَوْمَئِذٍ .
فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ : نَظَرْت إلَى أَبِي جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ . وَهُمْ يَقُولُونَ أَبُو الْحَكَمِ لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ فَعَرَفْت أَنّهُ هُوَ فَقُلْت : وَاَللّهِ لَأَمُوتَن دُونَهُ الْيَوْمَ أَوْ لَأَخْلُصَن إلَيْهِ فَصَمَدْت لَهُ حَتّى إذَا أَمْكَنَتْنِي مِنْهُ غِرّةٌ حَمَلْت عَلَيْهِ فَضَرَبْته ضَرْبَةً وَطَرَحْت رِجْلَهُ مِنْ السّاقِ فَشَبّهْتهَا بِالنّوَاةِ تَنْزُو مِنْ تَحْتِ الْمَرَاضِخِ .
ثُمّ أَقْبَلَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَيّ فَضَرَبَنِي عَلَى عَاتِقِي . وَطَرَحَ يَدِي مِنْ الْعَاتِقِ إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَتْ جِلْدَةٌ فَإِنّي أَسْحَبُ يَدِي بِجِلْدَةٍ مِنْ خَلْفِي ، فَلَمّا آذَتْنِي وَضَعْت عَلَيْهَا رِجْلِي ، فَتَمَطّيْت عَلَيْهَا حَتّى قَطَعْتهَا . ثُمّ لَاقَيْت عِكْرِمَةَ وَهُوَ يَلُوذُ كُلّ مَلَاذٍ فَلَوْ كَانَتْ يَدِي مَعِي لَرَجَوْت يَوْمَئِذٍ أَنْ أُصِيبَهُ . وَمَاتَ مُعَاذٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَفّلَ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ - وَهُوَ عِنْدَ آلِ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو الْيَوْمَ بِهِ فَلّ - بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ مَنْ قَتَلَ أَبَاك ؟ قَالَ الّذِي قَطَعْت يَدَهُ . فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو ، وَكَانَ عِكْرِمَةُ قَدْ قَطَعَ يَدَهُ يَوْمَ بَدْرٍ
حَدّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا كَانَ بَنُو الْمُغِيرَةِ يَشُكّونَ أَنّ سَيْفَ أَبِي الْحَكَم ِ صَارَ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ [ ص 88 ] وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ .
حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدّثَنِي مَنْ حَدّثَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو أَنّهُ قَضَى لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسَلَبِ أَبِي جَهْلٍ . قَالَ فَأَخَذْت دِرْعَهُ وَسَيْفَهُ فَبِعْت سَيْفَهُ بَعْدُ وَقَدْ سَمِعْت فِي قَتْلِهِ غَيْرَ هَذَا وَأَخْذِ سَلَبِهِ .
حَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ عَبّأَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِلَيْلٍ فَصَفّنَا ، فَأَصْبَحْنَا وَنَحْنُ عَلَى صُفُوفِنَا ، فَإِذَا بِغُلَامَيْنِ لَيْسَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ إلّا وَقَدْ رُبِطَتْ حَمَائِلُ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَالْتَفَتَ إلَيّ أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمّ أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ ؟ قَالَ قُلْت : وَمَا تَصْنَعُ بِهِ يَا ابْنَ أَخِي ؟ قَالَ بَلَغَنِي أَنّهُ يَسُبّ رَسُولَ اللّهِ فَحَلَفْت لَئِنْ رَأَيْته لَأَقْتُلَنهُ أَوْ لَأَمُوتَن دُونَهُ . فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ وَالْتَفَتَ إلَيّ الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ فَقُلْت : مَنْ أَنْتُمَا ؟ قَالَا : ابْنَا الْحَارِثِ . قَالَ فَجَعَلَا لَا يَطْرِفَانِ عَنْ أَبِي جَهْلٍ حَتّى إذَا كَانَ الْقِتَالُ خَلَصَا إلَيْهِ فَقَتَلَاهُ وَقَتَلَهُمَا
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ وَلَدِ مُعَوّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، [ ص 89 ] قَالَ لَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ ، وَنَظَرَ إلَيْهِمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ لَيْتَهُ كَانَ إلَى جَنْبِي مَنْ هُوَ آيَدُ مِنْ هَذَيْنِ الْفَتَيَيْنِ . فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ الْتَفَتَ إلَيّ عَوْفٌ فَقَالَ أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ ؟ فَقُلْت : ذَاكَ حَيْثُ تَرَى . فَخَرَجَ يَعْدُو إلَيْهِ كَأَنّهُ سَبُعٌ وَلَحِقَهُ أَخُوهُ فَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِمَا يَضْطَرِبَانِ بِالسّيُوفِ ثُمّ نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّ بِهِمَا فِي الْقَتْلَى وَهُمَا إلَى جَنْبِهِ.

البحث عن جثة أبي جهل:

قَالُوا : [ ص 90 ] وَلَمّا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُلْتَمَسَ أَبُو جَهْلٍ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَوَجَدْته فِي آخِرِ رَمَقٍ فَوَضَعْت رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ فَقُلْت : الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَخْزَاك قَالَ إنّمَا أَخْزَى اللّهُ عَبْدَ ابْنِ أُمّ عَبْدٍ لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ لِمَنْ الدّائِرَةُ ؟ قُلْت : لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَأَقْتَلِعُ بَيْضَتَهُ عَنْ قَفَاهُ فَقُلْت : إنّي قَاتِلُك يَا أَبَا جَهْلٍ قَالَ لَسْت بِأَوّلِ عَبْدٍ قَتَلَ سَيّدَهُ أَمَا إنّ أَشَدّ مَا لَقِيته الْيَوْمَ فِي نَفْسِي لِقَتْلِك إيّايَ أَلَا يَكُونُ وَلِيَ قَتْلِي رَجُلٌ مِنْ الْأَحْلَافِ أَوْ مِنْ الْمُطَيّبِينَ فَضَرَبَهُ عَبْدُ اللّهِ ضَرْبَةً وَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ سَلَبُهُ فَلَمّا نَظَرَ إلَى جَسَدِهِ نَظَرَ إلَى حُصُرِهِ كَأَنّهَا السّيَاطُ .
وَأَقْبَلَ بِسِلَاحِهِ وَدِرْعِهِ وَبَيْضَتِهِ . فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا نَبِيّ اللّهِ بِقَتْلِ عَدُوّ اللّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَقّا ، يَا عَبْدَ اللّهِ ؟ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ حُمُرِ النّعَمِ - أَوْ كَمَا قَالَ . قَالَ وَذَكَرْت لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا بِهِ مِنْ الْآثَارِ فَقَالَ ذَلِكَ ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَصَابَهُ جَحْشٌ مِنْ دُفَعٍ دَفَعَتْهُ فِي مَأْدُبَةِ ابْنِ جُدْعَانَ ، فَجَحَشَتْ رُكْبَتَهُ . فَالْتَمِسُوهُ فَوَجَدُوا ذَلِكَ الْأَثَرَ
وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ كَانَ عِنْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تِلْكَ السّاعَةَ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَنْتَ قَتَلْته ؟ قَالَ نَعَمْ اللّهُ قَتَلَهُ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ أَنْتَ وَلِيت قَتْلَهُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ لَوْ شَاءَ لَجَعَلَك فِي كُمّهِ . فَقَالَ ابْنُ مَسْعُود ٍ فَقَدْ وَاَللّهِ قَتَلْته وَجَرّدْته . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا عَلَامَتُهُ ؟ قَالَ شَامَةٌ سَوْدَاءُ بِبَطْنِ فَخِذِهِ الْيُمْنَى . فَعَرَفَ أَبُو سَلَمَةَ النّعْتَ وَقَالَ [ ص 91 ] جَرّدْته وَلَمْ يُجَرّدْ قُرَشِيّ غَيْرُهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَاَللّهِ إنّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قُرَيْشٍ وَلَا فِي حُلَفَائِهَا أَحَدٌ أَعْدَى لِلّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ مِنْهُ وَمَا أَعْتَذِرُ مِنْ شَيْءٍ صَنَعْته بِهِ . فَأُسْكِتَ أَبُو سَلَمَةَ فَسُمِعَ أَبُو سَلَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي أَبِي جَهْلٍ .
وَفَرِحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ ، وَقَالَ اللّهُمّ قَدْ أَنْجَزْت مَا وَعَدْتنِي : فَتَمّمْ عَلَيّ نِعْمَتَك وَقَالَ فَآلُ ابْنِ مَسْعُود ٍ يَقُولُونَ سَيْفُ أَبِي جَهْلٍ عِنْدَنَا ، مُحَلّى بِفِضّةٍ غَنِمَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَئِذٍ . فَاجْتَمَعَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو وَابْنَيْ عَفْرَاء َ أَثْبَتُوهُ وَضَرَبَ ابْنُ مَسْعُود ٍ عُنُقَهُ فِي آخِرِ رَمَقٍ فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ .

ملحوظة:

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي · قال ليلة الجنّ:
ليقم معي من لم يكن في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقام ابن مسعود، فحمله رسول الله · مع نفسه. (بناية شرح الهداية للحافظ العيني 286/2)
قَالُوا : وَوَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَصْرَعِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ فَقَالَ يَرْحَمُ اللّهُ ابْنَيْ عَفْرَاءَ ، فَإِنّهُمَا قَدْ شَرِكَا فِي قَتْلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمّةِ وَرَأْسِ أَئِمّةِ الْكُفْرِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَنْ قَتَلَهُ مَعَهُمَا ؟ قَالَ الْمَلَائِكَةَ وَذَافّهُ ابْنُ مَسْعُودٍ . فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ.
لا يستبعد أن يكون ابن مسعود رضي الله عنه هو من تولى إذافة أبي جهل، إذ كان من ألد أعداء الله ورسوله، ومن أكثرهم نخوة وطغيانا، فكانت نهايته بيد ابن مسعود أكثر عباد الله تواضعا وتمسكنا.
(والله سبحانه وتعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الإسلام ما يحبه ويرضاه، آمين.)

فائدة:

أبو جهل كان يُلقّب بأبي الحكم، فلقّبه النبي · بأبي جهل. (فتح الباري باب ذكر النبي · من يقتل ببدر) والحكمة كانت تقتضي استيصاله والقضاء على بذوره، إذ كان مصدر كافة أشكال الجهل والغطرسة، وبمصرعه تمّ القضاء عليها.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ ، قَالَ [ ص 92 ] قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ اكْفِنِي نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ وَأَقْبَلَ نَوْفَلٌ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَرْعُوبٌ قَدْ رَأَى قَتْلَ أَصْحَابِهِ وَكَانَ فِي أَوّلِ مَا الْتَقَوْا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ يَصِيحُ بِصَوْتٍ لَهُ زَجَلٌ رَافِعًا صَوْتَهُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ الْعَلَاءِ وَالرّفْعَةِ فَلَمّا رَأَى قُرَيْشًا قَدْ انْكَسَرَتْ جَعَلَ يَصِيحُ بِالْأَنْصَارِ : مَا حَاجَتُكُمْ إلَى دِمَائِنَا ؟ أَمَا تَرَوْنَ مَا تَقْتُلُونَ ؟ أَمَا لَكُمْ فِي اللّبَنِ مِنْ حَاجَةٍ ؟ فَأَسَرَهُ جَبّارُ بْنُ صَخْرٍ فَهُوَ يَسُوقُهُ أَمَامَهُ فَجَعَلَ نَوْفَلٌ يَقُولُ لِجَبّارٍ - وَرَأَى عَلِيّا مُقْبِلًا نَحْوَهُ - قَالَ يَا أَخَا الْأَنْصَارِ ، مَنْ هَذَا ؟ وَاَللّاتِي وَالْعُزّى ، إنّي لَأَرَى رَجُلًا ، إنّهُ لَيُرِيدُنِي قَالَ هَذَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . قَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَعَ فِي قَوْمِهِ [ مِنْهُ . فَيَصْمُدُ لَهُ عَلِيّ  رضي الله عنه ] فَيَضْرِبُهُ فَنَشِبَ سَيْفُ عَلِيّ فِي حَجَفَتِهِ سَاعَةً ثُمّ نَزَعَهُ فَيَضْرِبُ سَاقَيْهِ وَدِرْعُهُ مُشَمّرَةٌ فَقَطَعَهُمَا ; ثُمّ أَجْهَزَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ ؟ فَقَالَ عَلِيّ : أَنَا قَتَلْته . قَالَ فَكَبّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَجَابَ دَعْوَتِي فِيهِ
وَأَقْبَلَ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ يُحِثّ لِلْقِتَالِ فَالْتَقَى هُوَ وَعَلِيّ ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ . فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَقُولُ لِابْنِهِ سَعِيدِ [ بْنِ الْعَاصِ ] : إنّي لَأَرَاك مُعْرِضًا ، تَظُنّ أَنّي قَتَلْت أَبَاك ؟ [ فِي أَصْلِ ابْنِ أَبِي حَيّةَ وَاَللّهِ مَا قَتَلْت أَبَاك ] وَلَا أَعْتَذِرُ مِنْ قَتْلِ مُشْرِكٍ وَلَقَدْ قَتَلْت خَالِي بِيَدَيّ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ . فَقَالَ سَعِيدٌ لَوْ قَتَلْته لَكَانَ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَنْتَ عَلَى الْحَقّ . قَالَ قُرَيْشٌ أَعْظَمُ النّاسِ أَحْلَامًا ، وَأَعْظَمُهَا أَمَانَةً لَا يَبْغِيهِمْ أَحَدٌ الْغَوَائِلَ إلّا كَبّهُ اللّهُ لِفِيهِ .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْجَحْشِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّتِهِ قَالَتْ قَالَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ انْقَطَعَ سَيْفِي فِي يَوْمِ بَدْرٍ ، فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُودًا ، فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَقَاتَلْت بِهِ حَتّى هَزَمَ اللّهُ الْمُشْرِكِينَ - فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى هَلَكَ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ : عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل ِ عِدّةٍ قَالُوا : [ ص 94 ] انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَبَقِيَ أَعْزَلَ لَا سِلَاحَ مَعَهُ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضِيبًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ عَرَاجِينِ ابْنِ طَابٍ فَقَالَ اضْرِبْ بِهِ فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ جَيّدٌ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ
وَقَالَ بَيْنَا حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَارِعٌ فِي الْحَوْضِ إذْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَوَقَعَ فِي نَحْرِهِ فَلَقَدْ شَرِبَ الْقَوْمُ آخِرَ النّهَارِ مِنْ دَمِهِ . فَبَلَغَ أُمّهُ وَأُخْتَه وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ مَقْتَلَهُ فَقَالَتْ أُمّهُ وَاَللّهِ لَا أَبْكِي عَلَيْهِ حَتّى يَقْدَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْأَلُهُ فَإِنْ كَانَ ابْنِي فِي الْجَنّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ابْنِي فِي النّارِ بَكَيْته لَعَمْرِ اللّهِ فَأَعْوَلْتُهُ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ بَدْرٍ جَاءَتْ أُمّهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ عَرَفْت مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي ، فَأَرَدْت أَنْ أَبْكِيَ عَلَيْهِ فَقُلْت : لَا أَفْعَلُ حَتّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللّهِ ؟ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي النّارِ بَكَيْته فَأَعْوَلْتُهُ . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَبِلْت ، أَجَنّةٌ وَاحِدَةٌ ؟ إنّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهُ لَفِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى . قَالَتْ فَلَا أَبْكِي عَلَيْهِ أَبَدًا وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ وَمَضْمَضَ فَاهُ ثُمّ نَاوَلَ أُمّ حَارِثَةَ فَشَرِبَتْ ثُمّ نَاوَلَتْ ابْنَتَهَا فَشَرِبَتْ ثُمّ أَمَرَهُمَا فَنَضَحَتَا فِي جُيُوبِهِمَا ، فَفَعَلَتَا فَرَجَعَتَا مِنْ عِنْدِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا بِالْمَدِينَةِ امْرَأَتَانِ أَقَرّ أَعْيُنًا مِنْهُمَا وَلَا أَسَرّ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَمّهِ قَالَ سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ سَمِعْت مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَسْأَلُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ ، فَجَعَلَ الشّيْخُ يَكْرَهُ ذَلِكَ حَتّى أَلَحّ عَلَيْهِ فَقَالَ حَكِيمٌ : الْتَقَيْنَا فَاقْتَتَلْنَا ، فَسَمِعْت صَوْتًا وَقَعَ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ مِثْلَ وَقْعِ الْحَصَاةِ فِي الطّسْتِ وَقَبَضَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَبْضَةَ فَرَمَى بِهَا فَانْهَزَمْنَا
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْر ٍ قَالَ سَمِعْت نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةِ الدّيلِيّ يَقُولُ انْهَزَمْنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَسْمَعُ كَوَقْعِ الْحَصَى فِي الطّسَاسِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا ، فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدّ الرّعْبِ عَلَيْنَا .

تقسيم الغنائم

قَالُوا : فَلَمّا تَصَافّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا . فَلَمّا انْهَزَمُوا كَانَ النّاسُ ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ قَامَتْ عِنْدَ خَيْمَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَعَهُ فِي الْخَيْمَةِ - وَفِرْقَةٌ أَغَارَتْ عَلَى النّهْبِ وَفِرْقَةٌ طَلَبَتْ الْعَدُوّ فَأَسَرُوا وَغَنِمُوا .
فَتَكَلّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَكَانَ مِمّنْ أَقَامَ عَلَى خَيْمَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا مَنَعَنَا أَنْ نَطْلُبَ الْعَدُوّ زَهَادَةٌ فِي الْأَجْرِ وَلَا جُبْنٌ عَنْ الْعَدُوّ . وَلَكِنّا خِفْنَا أَنْ يُعْرَى مَوْضِعُك فَتَمِيلُ عَلَيْك خَيْلٌ مِنْ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَرِجَالٌ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَدْ أَقَامَ عِنْدَ خَيْمَتِك وُجُوهُ النّاسِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلَمْ يَشِذّ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَالنّاسُ يَا رَسُولَ اللّهِ كَثِيرٌ ، وَمَتَى تُعْطِ هَؤُلَاءِ لَا يَبْقَ لِأَصْحَابِك شَيْءٌ وَالْأَسْرَى وَالْقَتْلَى كَثِيرٌ وَالْغَنِيمَةُ قَلِيلَةٌ . فَاخْتَلَفُوا ، فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ فَرَجَعَ النّاسُ وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ . ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمْ
[ ص 99 ] فَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ، قَالَ سَلّمْنَا الْأَنْفَالَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَمْ يُخَمّسْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَدْرًا ، وَنَزَلَتْ بَعْدُ وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمُسْلِمِينَ الْخُمُسَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَوّلِ غَنِيمَةٍ بَعْدَ بَدْرٍ .
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ مِثْلَهُ .
وَحَدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي الْغَنَائِمِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْغَنَائِمِ أَنْ تُرَدّ فِي الْمَقْسَمِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إلّا رُدّ . فَظَنّ أَهْلُ الشّجَاعَةِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَخُصّهُمْ بِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضّعْفِ . ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تُقْسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيُعْطَى فَارِسُ الْقَوْمِ الّذِي يَحْمِيهِمْ مِثْلَ مَا يُعْطَى الضّعِيفُ ؟ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَكِلَتْك أُمّك ، وَهَلْ تُنْصَرُونَ إلّا بِضُعَفَائِكُمْ ؟
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ سَأَلْت مُوسَى بْنَ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ :
فَقَالَ نَادَى مُنَادِيهِ يَوْمَئِذٍ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ فَكَانَ يُعْطِي مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا سَلَبَهُ . وَأَمَرَ بِمَا وُجِدَ فِي الْعَسْكَرِ وَمَا أَخَذُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فَوَاق
فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَمَنْ أُعْطِيَ سَلَبُ أَبِي جَهْلٍ ؟ قَالَ اُخْتُلِفَ [ ص 100 ] فِيهِ عِنْدَنَا ; فَقَالَ قَائِلٌ أَخَذَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَقَالَ قَائِلٌ أَعْطَاهُ ابْنَ مَسْعُودٍ . فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ مَنْ أَخْبَرَك ؟ قَالَ أَمّا الّذِي قَالَ دَفَعَهُ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَنِيهِ خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبٍ وَأَمّا الّذِي قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنّهُ حَدّثَنِيهِ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَارِظِيّ .
قَالُوا : وَقَدْ أَخَذَ عَلِيّ  رضي الله عنه دِرْعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ وَأَخَذَ حَمْزَةُ سِلَاحَ عُتْبَةَ وَأَخَذَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ دِرْعَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حَتّى وَقَعَتْ إلَى وَرَثَتِهِ .
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَمّهِ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُرَدّ الْأَسْرَى وَالْأَسْلَابُ وَمَا أَخَذُوا فِي الْمَغْنَمِ ثُمّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَسْرَى ، وَقَسَمَ الْأَسْلَابَ الّتِي نَفّلَ الرّجُلُ نَفْسَهُ فِي الْمُبَارَزَةِ وَمَا أَخَذَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فُوَاقٍ
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُكْنِفٍ الْحَارِثِيّ - مِنْ حَارِثَةِ الْأَنْصَارِ - قَالَ لَمّا جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ كَانَ فِيهَا إبِلٌ وَمَتَاعٌ وَأَنْطَاعٌ وَثِيَابٌ فَقَسَمَهَا الْوَالِي فَجَعَلَ يُصِيبُ الرّجُلَ الْبَعِيرُ وَرِثّةٌ مَعَهُ وَآخَرَ بَعِيرَانِ وَآخَرَ أَنْطَاعٌ . وَكَانَتْ السّهْمَانُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ [ ص 101 ] وَسَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَالرّجَالُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْخَيْلُ فَرَسَانِ لَهُمَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ . وَثَمَانِيَةُ نَفَرٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ فَكُلّهُمْ مُسْتَحِقّ فِي بَدْرٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمْ عِنْدَنَا : عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ ; خَلّفَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيّةَ ، وَمَاتَتْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَحَسّسَانِ الْعِيرَ بَلَغَا الْحَوْرَاءَ - الْحَوْرَاءُ وَرَاءَ ذِي الْمَرْوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا لَيْلَتَانِ عَلَى السّاحِلِ وَبَيْنَ ذِي الْمَرْوَةِ وَالْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا .
وَمِنْ الْأَنْصَارِ : أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، خَلّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيّ ، خَلّفَهُ عَلَى قُبَاءٍ وَأَهْلِ الْعَالِيَةِ ; وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ ، أَمَرَهُ بِأَمْرِهِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ; وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ ، كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ ; وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ - فَهَؤُلَاءِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمْ عِنْدَنَا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ وَقَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْ الْقِتَالِ بِبَدْرٍ : لَئِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِدَهَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، لَقَدْ كَانَ فِيهَا رَاغِبًا.
وَذَلِكَ أَنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمّا أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجِهَادِ كَانَ يَأْتِي دُورَ الْأَنْصَارِ يَحُضّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ فَنُهِشَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ الْخُرُوجِ فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ .
 [ ص 102 ] حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ضَرَبَ لِقَتْلَى بَدْرٍ ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا قُتِلُوا بِبَدْرٍ .
قَالَ زَيْدُ بْنُ طَلْحَةَ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ قَالَ أَخَذْنَا سَهْمَ أَبِي الّذِي ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَحَمَلَهُ إلَيْنَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ .
وَكَانَتْ الْإِبِلُ الّتِي أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ بَعِيرًا ، وَكَانَ مَعَهُمْ أَدَمٌ كَثِيرٌ حَمَلُوهُ لِلتّجَارَةِ فَغَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ . وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ فِيمَا أَصَابُوا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا لَنَا لَا نَرَى الْقَطِيفَةَ ؟ مَا نَرَى رَسُولَ اللّهِ إلّا أَخَذَهَا . فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ فُلَانًا غَلّ قَطِيفَةً . فَسَأَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الرّجُلَ فَقَالَ لَمْ أَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ الدّالّ : يَا رَسُولَ اللّهِ احْفِرُوا هَاهُنَا . فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَفَرُوا هُنَاكَ فَاسْتُخْرِجَتْ الْقَطِيفَةُ . فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللّه ، اسْتَغْفِرْ لِفُلَانٍ مَرّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعُونَا مِنْ آتِي جُرْمٍ
وَكَانَتْ الْخَيْلُ فَرَسَيْنِ فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ يُقَالُ لَهَا سَبْحَةُ وَفَرَسٌ لِلزّبَيْرِ وَيُقَالُ لِمَرْثَدٍ . فَكَانَ الْمِقْدَادُ يَقُولُ ضَرَبَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ وَلِفَرَسِي بِسَهْمٍ وَقَائِلٌ [ ص 103 ] يَقُولُ ضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ يَوْمَئِذٍ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ بِسَهْمٍ
وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ خُيُولِهِمْ عَشَرَةَ أَفْرَاسٍ وَأَصَابُوا لَهُمْ سِلَاحًا وَظَهْرًا . وَكَانَ جَمَلُ أَبِي جَهْل ٍ يَوْمَئِذٍ فِيهَا ، فَغَنِمَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَضْرِبُ عَلَيْهِ فِي إبِلِهِ وَيَغْزُو عَلَيْهِ حَتّى سَاقَهُ فِي هَدْيِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَسَأَلَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ الْجَمَلَ بِمِائَةِ بَعِيرٍ فَقَالَ لَوْلَا أَنَا سَمّيْنَاهُ فِي الْهَدْيِ لَفَعَلْنَا وَكَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَفِيّ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ مِنْهَا شَيْءٌ
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَمُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، قَالَا : تَنَفّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لِمُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ غَزَا إلَى بَدْرٍ بِسَيْفٍ وَهَبَهُ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يُقَالُ لَهُ الْعَضْبُ وَدِرْعِهِ ذَاتِ الْفُضُولِ
فَسَمِعْت ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا مَعَهُ سَيْفٌ . وَكَانَ أَوّلُ سَيْفٍ تَقَلّدَهُ سَيْفَ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ . غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ
حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ [ بْنُ مُحَمّدٍ ] ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيْفَ الْعَاصِ بْنِ مُنَبّهٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَعْطَانِيهِ وَنَزَلَتْ فِيّ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قَالَ [ ص 105 ] وَأَحْذَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَمَالِيكَ حَضَرُوا بَدْرًا وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ غُلَامٌ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ، وَغُلَامٌ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْف ٍ وَغُلَامٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ . وَاسْتُعْمِلَ شُقْرَانُ غُلَامُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْأَسْرَى ; فَأَحْذَوْهُ مِنْ كُلّ أَسِيرٍ مَا لَوْ كَانَ حُرّا مَا أَصَابَهُ فِي الْمَقْسَمِ .
وَكَانَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ أَسَرَهُ الْمِقْدَادُ يَوْمَئِذٍ فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ بَدْرٍ - وَكَانَ بِالْأُثَيْلِ - عَرَضَ عَلَيْهِ الْأَسْرَى ، فَنَظَرَ إلَى النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَبَدّهُ الْبَصَرَ فَقَالَ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ مُحَمّدٌ وَاَللّهِ قَاتِلِي ، لَقَدْ نَظَرَ إلَيّ بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا الْمَوْتُ فَقَالَ الّذِي إلَى جَنْبِهِ وَاَللّهِ مَا هَذَا مِنْك إلّا رُعْبٌ . فَقَالَ النّضْرُ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ : يَا مُصْعَبُ أَنْتَ أَقْرَبُ مَنْ هَا هُنَا بِي رَحِمًا . كَلّمْ صَاحِبَك أَنْ يَجْعَلَنِي كَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي ، هُوَ وَاَللّهِ قَاتِلِي إنْ لَمْ تَفْعَلْ . قَالَ مُصْعَبٌ : إنّك كُنْت تَقُولُ فِي كِتَابِ اللّهِ كَذَا وَكَذَا ، [ وَتَقُولُ فِي نَبِيّهِ كَذَا وَكَذَا ] . قَالَ يَا مُصْعَبُ فَلْيَجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَصْحَابِي ، إنْ قُتِلُوا قُتِلْت ، وَإِنْ مَنّ عَلَيْهِمْ مَنّ عَلَيّ
قَالَ مُصْعَبٌ : إنّك كُنْت تُعَذّبُ أَصْحَابَهُ .
قَالَ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَسَرَتْك قُرَيْشٌ مَا قُتِلْتَ أَبَدًا وَأَنَا حَيّ . قَالَ مُصْعَبٌ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَاك صَادِقًا ، وَلَكِنْ [ ص 107 ] [ لَسْت ] مِثْلَك - قَطَعَ الْإِسْلَامُ الْعُهُودَ فَقَالَ الْمِقْدَادُ : أَسِيرِي قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اضْرِبْ عُنُقَهُ اللّهُمّ أَغْنِ الْمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِك فَقَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ  رضي الله عنه صَبْرًا بِالسّيْفِ بِالْأُثَيْلِ .
وَلَمّا أُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ انْزِعْ ثَنِيّتَيْهِ يُدْلَعُ لِسَانُهُ فَلَا يَقُومُ عَلَيْك خَطِيبًا أَبَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا أُمَثّلُ بِهِ فَيُمَثّلَ اللّهُ بِي وَإِنْ كُنْت نَبِيّا ، وَلَعَلّهُ يَقُومُ مَقَامًا لَا تَكْرَهُهُ . فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو حِينَ جَاءَهُ وَفَاةُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِمَكّةَ - كَأَنّهُ كَانَ يَسْمَعُهَا . قَالَ عُمَرُ حِينَ بَلَغَهُ كَلَامُ سُهَيْلٍ : أَشْهَدُ إنّك لَرَسُولُ اللّهِ يُرِيدُ حَيْثُ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَعَلّهُ يَقُومُ مَقَامًا لَا تَكْرَهُهُ

استشارة الصحابة بشأن الأسرى

وَكَانَ عَلِيّ رضي الله عنه يُحَدّثُ يَقُولُ أَتَى جِبْرِيلُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخَيّرَهُ فِي الْأَسْرَى أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ . فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَذَا جِبْرِيلُ يُخَيّرُكُمْ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ أَنْ نَضْرِبَ رِقَابَهُمْ أَوْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدْيَةَ وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ . قَالُوا : بَلْ نَأْخُذُ الْفِدْيَةَ وَنَسْتَعِينُ بِهَا ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنّا فَنَدْخُلُ الْجَنّةَ . فَقَبِلَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ بِأُحُدٍ .
قَالُوا : وَلَمّا حُبِسَ الْأَسْرَى بِبَدْرٍ - اُسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ شُقْرَانُ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ اقْتَرَعُوا عَلَيْهِمْ - طَمِعُوا فِي الْحَيَا فَقَالُوا : لَوْ بَعَثْنَا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنّهُ أَوْصَلُ قُرَيْشٍ لِأَرْحَامِنَا ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا آثَرُ عِنْدَ مُحَمّدٍ مِنْهُ فَبَعَثُوا إلَى أَبِي بَكْرٍ [ ص 108 ] فَأَتَاهُمْ فَقَالُوا : يَا أَبَا بَكْرٍ ، إنّ فِينَا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ وَالْإِخْوَانَ وَالْعُمُومَةَ وَبَنِي الْعَمّ وَأَبْعَدُنَا قَرِيبٌ . كَلّمْ صَاحِبَك فَلْيَمُنّ عَلَيْنَا أَنْ يُفَادِنَا .
فَقَالَ نَعَمْ إنْ شَاءَ اللّهُ لَا آلُوكُمْ خَيْرًا ثُمّ انْصَرَفَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
قَالُوا : وَابْعَثُوا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ فَإِنّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَلَا نَأْمَنُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكُمْ لَعَلّهُ يَكُفّ عَنْكُمْ . فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ فَجَاءَهُمْ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَنْ آلُوكُمْ شَرّا ثُمّ انْصَرَفَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَالنّاسَ حَوْلَهُ وَأَبُو بَكْرٍ يُلَيّنُهُ وَيَفْثَؤُهُ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي قَوْمُك فِيهِمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَانُ وَبَنُو الْعَمّ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْك قَرِيبٌ فَامْنُنْ عَلَيْهِمْ مَنّ اللّهُ عَلَيْك ، أَوْ فَادِهِمْ يَسْتَنْقِذْهُمْ اللّهُ بِك مِنْ النّارِ فَتَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذْت قُوّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَعَلّ اللّهَ يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْك ثُمّ قَامَ فَتَنَحّى نَاحِيَةً وَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ .
ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فَجَلَسَ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هُمْ أَعْدَاءُ اللّهِ كَذّبُوك وَقَاتَلُوك وَأَخْرَجُوك اضْرِبْ رِقَابَهُمْ هُمْ رُءُوسُ الْكُفْرِ وَأَئِمّةُ الضّلَالَةِ يُوَطّئُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَيُذِلّ بِهِمْ أَهْلَ الشّرْكِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ إلَى مَقْعَدِهِ الْأَوّلِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي قَوْمُك فِيهِمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَانُ وَبَنُو الْعَمّ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْك قَرِيبٌ فَامْنُنْ عَلَيْهِمْ أَوْ فَادِهِمْ هُمْ عِتْرَتُك وَقَوْمُك ، لَا تَكُنْ أَوّلَ مَنْ يَسْتَأْصِلُهُمْ يَهْدِيهِمْ اللّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُهْلِكَهُمْ . فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا .
وَتَنَحّى نَاحِيَةً فَقَامَ عُمَرُ فَجَلَسَ مَجْلِسَهُ . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا تَنْتَظِرُ بِهِمْ؟ اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ يُوَطّئُ اللّهُ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَيُذِلّ أَهْلَ الشّرْكِ هُمْ أَعْدَاءُ [ ص 109 ] اللّهِ كَذّبُوك وَقَاتَلُوك وَأَخْرَجُوك يَا رَسُولَ اللّهِ اشْفِ صُدُورَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ قَدَرُوا عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنّا مَا أَقَالُونَاهَا أَبَدًا فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَامَ نَاحِيَةً فَجَلَسَ وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ فَكَلّمَهُ مِثْلَ كَلَامِهِ الّذِي كَلّمَهُ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَتَنَحّى نَاحِيَةً ثُمّ قَامَ عُمَرُ فَكَلّمَهُ كَلَامَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ .
ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَخَلَ قُبّتَهُ فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَةً ثُمّ خَرَجَ وَالنّاسُ يَخُوضُونَ فِي شَأْنِهِمْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَآخَرُونَ يَقُولُونَ الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي صَاحِبَيْكُمْ هَذَيْنِ ؟ دَعُوهُمَا فَإِنّ لَهُمَا مَثَلًا ; مَثَلُ أَبِي بَكْرٍ كَمَثَلِ مِيكَائِيلَ يَنْزِلُ بِرِضَاءِ اللّهِ وَعَفْوِهِ عَنْ عِبَادِهِ وَمَثَلُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ إبْرَاهِيمَ كَانَ أَلْيَنَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْعَسَلِ أَوْقَدَ لَهُ قَوْمُهُ النّارَ وَطَرَحُوهُ فِيهَا ، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
وَقَالَ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّك غَفُورٌ رَحِيمٌ وَمَثَلُهُ مَثَلُ عِيسَى إذْ يَقُولُ إِنْ تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَمَثَلُ عُمَرَ فِي الْمَلَائِكَةِ كَمَثَلِ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالسّخْطَةِ مِنْ اللّهِ وَالنّقْمَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللّهِ وَمَثَلُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ نُوحٍ كَانَ أَشَدّ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ إذْ يَقُولُ رَبّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيّارًا فَدَعَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً أَغْرَقَ اللّهُ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا ، وَمَثَلِ مُوسَى إذْ يَقُولُ رَبّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ وَإِنّ بِكُمْ عَيْلَةً فَلَا يَفُوتَنّكُمْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ إلّا بِفِدَاءٍ أَوْ [ ص 110 ] ضَرْبَةِ عُنُقٍ . فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ .
[ - قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ : هَذَا وَهْمٌ سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ ، مَا شَهِدَ بَدْرًا ، إنّمَا هُوَ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ سَهْلٌ - ] فَإِنّي رَأَيْته يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ بِمَكّةَ . فَسَكَتَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ . قَالَ عَبْدُ اللّهِ فَمَا مَرّتْ عَلَيّ سَاعَةٌ قَطّ كَانَتْ أَشَدّ عَلَيّ مِنْ تِلْكَ السّاعَةِ فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَى السّمَاءِ أَتَخَوّفُ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيّ الْحِجَارَةُ لِتَقَدّمِي بَيْنَ يَدَيْ اللّهِ وَرَسُولِهِ بِالْكَلَامِ . فَرَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأْسَهُ فَقَالَ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ قَالَ فَمَا مَرّتْ عَلَيّ سَاعَةٌ أَقَرّ لَعَيْنَيّ مِنْهَا ، إذْ قَالَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَيُشَدّدُ الْقَلْبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ أَشَدّ مِنْ الْحِجَارَةِ وَإِنّهُ لَيُلَيّنُ الْقَلْبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ الزّبْدِ .

العتاب على أخذ الفدية

وَقَبِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ يَوْمَ بَدْرٍ مَا نَجَا مِنْهُ إلّا عُمَرُ كَانَ يَقُولُ اُقْتُلْ وَلَا تَأْخُذْ الْفِدَاءَ
وذلك بعدما نزل قوله تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) }. (سورة الأنفال 67-68)
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ اُقْتُلْ وَلَا تَأْخُذْ الْفِدَاءَ . فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ بَدْرٍ : لَو كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ حَيّا لَوَهَبْت لَهُ هَؤُلَاءِ النّتْنَى.
وَكَانَتْ لِمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ عِنْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إجَارَةٌ حِينَ رَجَعَ مِنْ الطّائِفِ .
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، قَالَ أَمّنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ أَبَا عَزّةَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَيْرٍ الْجُمَحِيّ ، وَكَانَ شَاعِرًا ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 111 ] وَقَالَ لِي خَمْسُ بَنَاتٍ لَيْسَ لَهُنّ شَيْءٌ فَتَصَدّقْ بِي عَلَيْهِنّ يَا مُحَمّدُ . فَفَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ أَبُو عَزّةَ أُعْطِيك مَوْثِقًا لَا أُقَاتِلُك وَلَا أُكْثِرُ عَلَيْك أَبَدًا . فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إلَى أُحُدٍ جَاءَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فَقَالَ اُخْرُجْ مَعَنَا فَقَالَ إنّي قَدْ أَعْطَيْت مُحَمّدًا مَوْثِقًا أَلّا أُقَاتِلَهُ وَلَا أُكْثِرَ عَلَيْهِ أَبَدًا ، وَقَدْ مَنّ عَلَيّ وَلَمْ يَمُنّ عَلَى غَيْرِي حَتّى قَتَلَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْفِدَاءَ . فَضَمِنَ صَفْوَانُ أَنْ يَجْعَلَ بَنَاتَه مَعَ بَنَاتِهِ إنْ قُتِلَ وَإِنْ عَاشَ أَعْطَاهُ مَالًا كَثِيرًا لَا يَأْكُلُهُ عِيَالُهُ .
فَخَرَجَ أَبُو عَزّةَ يَدْعُو الْعَرَبَ وَيَحْشُرُهَا ، ثُمّ خَرَجَ مَعَ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُسِرَ وَلَمْ يُوسَرْ غَيْرُهُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ يَا مُحَمّدُ إنّمَا خَرَجْت مُكْرَهًا ، وَلِي بَنَاتٌ فَامْنُنْ عَلَيّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْنَ مَا أَعْطَيْتنِي مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ؟ لَا وَاَللّهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ تَقُولُ سَخِرْت بِمُحَمّدٍ مَرّتَيْنِ.
حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، قَالَ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إِنّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ يَا عَاصِمُ بْنَ ثَابِتٍ قَدّمْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَدّمَهُ عَاصِمٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ .

قتلى بدر يُطرحون في القليب:

 قَالُوا : وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ بَدْرٍ بِالْقُلُبِ أَنْ تُغَوّرَ ثُمّ أَمَرَ بِالْقَتْلَى فَطُرِحَ فِيهَا كُلّهُمْ إلّا أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ ، فَإِنّهُ كَانَ مُسَمّنًا انْتَفَخَ مِنْ يَوْمِهِ فَلَمّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ تَزَايَلَ لَحْمُهُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اُتْرُكُوهُ وَنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى عُتْبَةَ يُجَرّ إلَى الْقَلِيبِ ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا ، فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْجُدَرِيّ فَتَغَيّرَ وَجْهُ ابْنِهِ [ ص 112 ] أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا أَبَا حُذَيْفَةَ كَأَنّك سَاءَك مَا أَصَابَ أَبَاك . قَالَ لَا وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ وَلَكِنّي رَأَيْت لِأَبِي عَقْلًا وَشَرَفًا ; كُنْت أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ اللّهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمّا أَخْطَأَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْت مَا أَصَابَهُ غَاظَنِي .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَانَ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَبْقَى فِي الْعَشِيرَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ كَانَ كَارِهًا لِوَجْهِهِ وَلَكِنْ الْحَيْنُ وَمَصَارِعُ السّوءِ
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ [ خَدّ ] أَبِي جَهْلٍ الْأَسْفَلَ وَصَرَعَهُ وَشَفَانَا مِنْهُ فَلَمّا تَوَافَوْا فِي الْقَلِيبِ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُصَرّعُونَ وَأَبُو بَكْر ٍ يُخْبِرُهُ بِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْمَدُ اللّهَ وَيَشْكُرُهُ وَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْجَزَ مَا وَعَدَنِي ، فَقَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ .
قَالَ ثُمّ وَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ ، فَنَادَاهُمْ رَجُلًا رَجُلًا : يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا أُمَيّةُ بْنَ خَلَفٍ ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا ؟ فَإِنّي قَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا . بِئْسَ الْقَوْمُ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ كَذّبْتُمُونِي وَصَدّقَنِي النّاسُ وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النّاسُ وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النّاسُ
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ تُنَادِي قَوْمًا قَدْ مَاتُوا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ عَلِمُوا أَنّ مَا وَعَدَهُمْ رَبّهُمْ حَقّ ق.
وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ ، عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى مَعْقُودِ النّاصِيَةِ قَدْ عَصَمَ ثَنِيّتَهُ الْغُبَارُ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ إنّ رَبّي بَعَثَنِي إلَيْك وَأَمَرَنِي أَلّا أُفَارِقَك حَتّى تَرْضَى ; هَلْ رَضِيت ؟ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ .
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْأَسْرَى ، حَتّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ [ ص 114 ] أَمَرَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَكَانَ أَسَرَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ ، فَجَعَلَ عُقْبَةُ يَقُولُ يَا وَيْلِي ، عَلَامَ أُقْتَلُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مِنْ بَيْنِ مَنْ هَاهُنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَدَاوَتِك لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ . قَالَ يَا مُحَمّدُ ، مَنّك أَفْضَلُ فَاجْعَلْنِي كَرَجُلٍ مِنْ قَوْمِي . إنْ قَتَلْتهمْ قَتَلْتنِي وَإِنْ مَنَنْت عَلَيْهِمْ مَنَنْت عَلَيّ وَإِنْ أَخَذْت مِنْهُمْ الْفِدَاءَ كُنْت كَأَحَدِهِمْ يَا مُحَمّدُ ، مَنْ لِلصّبْيَةِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّارُ قَدّمْهُ يَا عَاصِمُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَدّمَهُ عَاصِمٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِئْسَ الرّجُلُ كُنْت وَاَللّهِ مَا عَلِمْت ، كَافِرًا بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ مُؤْذِيًا لِنَبِيّهِ فَأَحْمَدُ اللّهَ الّذِي هُوَ قَتَلَك وَأَقَرّ عَيْنِي مِنْك
وَلَمّا نَزَلُوا سَيّرَ - شِعْبٌ بِالصّفْرَاءِ - قَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغَنَائِمَ بِهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ . حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ .

يقدّم النبي   · بعض أصحابه إلى المدينة للتبشير:

وَقَدّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ رَوَاحَةَ مِنْ الْأُثَيْلِ. فَجَاءُوا يَوْمَ الْأَحَدِ شَدّ الضّحَى ، وَفَارَقَ عَبْدُ اللّهِ زَيْدًا بِالْعَقِيقِ فَجَعَلَ عَبْدُ اللّهِ يُنَادِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ ، وَابْنَا الْحَجّاجِ وَأَبُو جَهْلٍ وَقُتِلَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ . قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ : فَقُمْت إلَيْهِ فَنَحَوْته فَقُلْت : أَحَقّا مَا تَقُولُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ؟
قَالَ إي وَاَللّهِ وَغَدًا يَقْدَمُ رَسُولُ اللّهِ إنْ شَاءَ اللّهُ وَمَعَهُ الْأَسْرَى مُقَرّنِينَ . ثُمّ اتّبَعَ دُورَ الْأَنْصَارِ [ ص 115 ] بِالْعَالِيَةِ - الْعَالِيَةُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ مَنَازِلُهُمْ بِهَا - فَبَشّرَهُمْ دَارًا دَارًا ، وَالصّبْيَانُ يَشْتَدّونَ مَعَهُ وَيَقُولُونَ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ .
وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَصْوَاءِ يُبَشّرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، فَلَمّا جَاءَ الْمُصَلّى صَاحَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ . وَابْنَا الْحَجّاجِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ . وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ . وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ . فَجَعَلَ النّاسُ لَا يُصَدّقُونَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَيَقُولُونَ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا حَتّى غَاظَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَخَافُوا . وَقَدِمَ زَيْدٌ حِينَ سَوّوْا عَلَى رُقَيّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ التّرَابَ بِالْبَقِيعِ .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَمَنْ مَعَهُ . وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ قَدْ تَفَرّقَ أَصْحَابُكُمْ تَفَرّقًا لَا يَجْتَمِعُونَ مِنْهُ أَبَدًا ، وَقَدْ قُتِلَ عِلْيَةُ أَصْحَابِهِ وَقُتِلَ مُحَمّدٌ ; هَذِهِ نَاقَتُهُ نَعْرِفُهَا ، وَهَذَا زَيْدٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنْ الرّعْبِ وَجَاءَ فَلّا . قَالَ أَبُو لُبَابَةَ يُكَذّبُ اللّهُ قَوْلَك وَقَالَتْ يَهُودُ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا
قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَجِئْت حَتّى خَلَوْت بِأَبِي . فَقُلْت : يَا أَبَهْ . أَحَقّ مَا تَقُولُ ؟
قَالَ إي وَاَللّهِ حَقّا يَا بُنَيّ فَقَوِيَتْ فِي نَفْسِي ، فَرَجَعْت إلَى ذَلِكَ الْمُنَافِقِ فَقُلْت : أَنْتَ الْمُرْجِفُ بِرَسُولِ اللّهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ لَيُقَدّمَنّكَ رَسُولُ اللّهِ إذَا قَدِمَ فَلَيَضْرِبَنّ عُنُقَك فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمّدٍ إنّمَا هُوَ شَيْءٌ سَمِعْت النّاسَ يَقُولُونَهُ . فَقَدِمَ بِالْأَسْرَى وَعَلَيْهِمْ شُقْرَانُ وَهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا الّذِينَ أُحْصُوا [ ص 116 ] وَهُمْ سَبْعُونَ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا شَكّ فِيهِ .
وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ شُقْرَانُ غُلَامُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَلَمْ يُعْتِقْهُ يَوْمَئِذٍ وَلَقِيَهُ النّاسُ يُهَنّئُونَهُ بِالرّوْحَاءِ بِفَتْحِ اللّهِ . فَلَقِيَهُ وُجُوهُ الْخَزْرَجِ ، فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ مَا الّذِي تُهَنّئُونَنَا بِهِ ؟
فَوَاَللّهِ مَا قَتَلْنَا إلّا عَجَائِزَ صُلْعًا . فَتَبَسّمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي ، أُولَئِكَ الْمَلَأُ لَوْ رَأَيْتهمْ لَهِبْتهمْ وَلَوْ أَمَرُوك لَأَطَعْتهمْ وَلَوْ رَأَيْت فِعَالَك مَعَ فِعَالِهِمْ لَاحْتَقَرْته ; وَبِئْسَ الْقَوْمُ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ لِنَبِيّهِمْ فَقَالَ سَلَمَةُ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ إنّك يَا رَسُولَ اللّهِ لَمْ تَزَلْ عَنّي مُعْرِضًا مُنْذُ كُنّا بِالرّوْحَاءِ فِي بَدْأَتِنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا مَا قُلْت لِلْأَعْرَابِيّ « وَقَعْت عَلَى نَاقَتِك فَهِيَ حُبْلَى مِنْك » ، فَفَحّشْت وَقُلْت مَا لَا عِلْمَ لَك بِهِ وَأَمّا مَا قُلْت فِي الْقَوْمِ فَإِنّك عَمَدْت إلَى نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللّهِ تُزَهّدُهَا . فَاعْتَذَرَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَبِلَ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعْذِرَتَهُ فَكَانَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ .
وَكَانَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لَمّا كَانَ بِشَنُوكَةَ [ - شَنُوكَةُ فِيمَا بَيْنَ السّقْيَا وَمَلَل - ] كَانَ مَعَ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ [ الّذِي أَسَرَهُ ] فَقَالَ خَلّ سَبِيلِي لِلْغَائِطِ . فَقَامَ بِهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ : إنّي أَحْتَشِمُ فَاسْتَأْخِرْ عَنّي فَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ وَمَضَى سُهَيْلٌ عَلَى وَجْهِهِ انْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ وَمَضَى ، فَلَمّا أَبْطَأَ سُهَيْلٌ عَلَى مَالِكٍ أَقْبَلَ فَصَاحَ فِي النّاسِ فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ . وَخَرَجَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي طَلَبِهِ فَقَالَ مَنْ وَجَدَهُ فَلْيَقْتُلْهُ فَوَجَدَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ دَفَنَ نَفْسَهُ بَيْن سَمُرَاتٍ فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ ثُمّ قَرَنَهُ إلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَرْكَبْ خُطْوَةً حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ .
فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ قَالَ حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ قَالَ [ ص 119 ] دَخَلَ خَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي مَنْزِلِ أُمّ سَلَمَةَ ، وَأُمّ سَلَمَةَ فِي مَنَاحَةِ آلِ عَفْرَاءَ . فَقِيلَ لَهَا : أُتِيَ بِالْأَسْرَى . فَخَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تُكَلّمْهُمْ حَتّى رَجَعَتْ فَتَجِدُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَنِي عَمّي طَلَبُوا أَنْ يُدْخَلَ بِهِمْ عَلَيّ فَأُضِيفَهُمْ وَأَدْهُنَ رُءُوسَهُمْ وَأَلُمّ مِنْ شَعَثِهِمْ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ حَتّى أَسْتَأْمِرَك . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَسْت أَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْعَلِي مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَكِ .
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ : كُنْت مَعَ رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ جَزَاهُمْ اللّهُ خَيْرًا ، كُنّا إذَا تَعَشّيْنَا أَوْ تَغَدّيْنَا آثَرُونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ وَالْخُبْزُ مَعَهُمْ قَلِيلٌ وَالتّمْرُ زَادُهُمْ حَتّى إنّ الرّجُلَ لَتَقَعُ فِي يَدِهِ الْكِسْرَةُ فَيَدْفَعُهَا إلَيّ . وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ وَكَانُوا يَحْمِلُونَنَا وَيَمْشُونَ .
وَلَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ إلَى مَكّةَ قَامَ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب ٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَا تَبْكُوا عَلَى قَتْلَاكُمْ وَلَا تَنُحْ عَلَيْهِمْ نَائِحَةٌ وَلَا يَبْكِهِمْ شَاعِرٌ وَأَظْهِرُوا الْجَلَدَ وَالْعَزَاءَ فَإِنّكُمْ إذَا نُحْتُمْ عَلَيْهِمْ وَبَكَيْتُمُوهُمْ بِالشّعْرِ أَذْهَبَ ذَلِكَ غَيْظَكُمْ فَأَكَلَكُمْ ذَلِكَ عَنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ مَعَ أَنّهُ إنْ بَلَغَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ شَمِتُوا بِكُمْ فَيَكُونُ أَعْظَمُ الْمُصِيبَتَيْنِ شَمَاتَتَهُمْ وَلَعَلّكُمْ تُدْرِكُونَ ثَأْرَكُمْ وَالدّهْنُ وَالنّسَاءُ عَلَيّ حَرَامٌ حَتّى أَغْزُوَ مُحَمّدًا . فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ شَهْرًا لَا يَبْكِيهِمْ شَاعِرٌ وَلَا تَنُوحُ عَلَيْهِمْ نَائِحَةٌ .
فَلَمّا قَدِمَ بِالْأَسْرَى أَذَلّ اللّهُ بِذَلِكَ رِقَابَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ ، وَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَة ِ يَهُودِيّ وَلَا مُنَافِقٌ إلّا خَضَدَ عُنُقَهُ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ .
فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ نَبْتَلٍ : لَيْتَ أَنّا كُنّا خَرَجْنَا مَعَهُ حَتّى نُصِيبَ مَعَهُ غَنِيمَةً وَفَرّقَ اللّهُ فِي صُبْحِهَا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَقَالَتْ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهَا :
هُوَ الّذِي نَجِدُهُ مَنْعُوتًا ، وَاَللّهِ لَا تُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ بَعْدَ الْيَوْمِ إلّا ظَهَرَتْ .
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ بَطْنُ الْأَرْضِ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا ، هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ النّاسِ وَسَادَاتُهُمْ وَمُلُوكُ الْعَرَبِ ، وَأَهْلُ الْحَرَمِ وَالْأَمْنِ قَدْ أُصِيبُوا . فَخَرَجَ إلَى مَكّةَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ فَجَعَلَ [ ص 122 ] يُرْسِلُ هِجَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَرِثَاءَ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَأَرْسَلَ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ يَقُولُ
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِــهِ وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَــــــــعُ
قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِـهِ    لَا تَبْعَدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَـــــــرّعُ
وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أَذَلّ بِسُخْطِهِـــــمْ   إنّ ابْنَ أَشْرَفَ ظَلّ كَعْبًــــا يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضَ سَاعَةَ قُتّلُوا   ظَلّتْ تَسِيخُ بِأَهْلِهَــــــا وَتُصـَدّعُ
نُبّئْت أَنّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِهِــمْ    فِي النّاسِ يَبْنِي الصّالِحَاتِ وَيَجْمَعُ
لِيَزُورَ يَثْرِبَ بِالْجُمُوعِ وَإِنّمَــــا  يَسْعَى عَلَى الْحَسَبِ الْقَدِيمُ الْأَرْوَعُ
قَالَ الْوَاقِدِيّ : أَمْلَاهَا عَلَيّ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَمُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي الزّنَادِ قَالُوا : فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَسّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ فَأَخْبَرَهُ بِمَنْزِلِهِ عِنْدَ أَبِي وَدَاعَةَ فَجَعَلَ يَهْجُو مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ حَتّى رَجَعَ كَعْبٌ إلَى الْمَدِينَةِ . فَلَمّا أَرْسَلَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَخَذَهَا النّاسُ مِنْهُ وَأَظْهَرُوا الْمَرَاثِيَ وَجَعَلَ مَنْ لَقِيَ مِنْ الصّبْيَانِ وَالْجَوَارِي يُنْشِدُونَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ بِمَكّةَ ثُمّ إنّهُمْ رَثَوْا بِهَا ، فَنَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا شَهْرًا ، وَلَمْ تَبْقَ دَارٌ بِمَكّةَ إلّا فِيهَا نَوْحٌ وَجَزّ النّسَاءُ شَعْرَ الرّءُوسِ وَكَانَ يُؤْتَى بِرَاحِلَةِ الرّجُلِ مِنْهُمْ أَوْ بِفَرَسِهِ فَتُوقَفُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَنُوحُونَ حَوْلَهَا ، وَخَرَجْنَ إلَى السّكَكِ فَسَتَرْنَ السّتُورَ فِي الْأَزِقّةِ وَقَطَعْنَ الطّرُقَ فَخَرَجْنَ يَنُحْنَ وَصَدّقُوا رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَجُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ .
وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وَقَدْ كَمِدَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ [ ص 123 ] وَلَدِهِ كَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى وَلَدِهِ وَتَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ ، فَكَانَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ احْمِلْ مَعِي خَمْرًا وَاسْلُكْ بِي الْفَجّ الّذِي سَلَكَ أَبُو حُكَيْمَةَ . فَيَأْتِي بِهِ عَلَى الطّرِيقِ عِنْدَ فَجّ فَيَجْلِسُ فَيَسْقِيهِ حَتّى يَنْتَشِيَ ثُمّ يَبْكِي عَلَى أَبِي حُكَيْمَةَ وَإِخْوَتِهِ ثُمّ يَحْثِي التّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُول لِغُلَامِهِ وَيْحَك اُكْتُمْ عَلَيّ أَنْ تَعْلَمَ بِي قُرَيْشٌ ، فَإِنّي أَرَاهَا لَمْ تُجْمِعْ الْبُكَاءَ عَلَى قَتْلَاهَا .
قَالُوا : وَمَشَى نِسَاءُ قُرَيْشٍ إلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ فَقُلْنَ أَلَا تَبْكِينَ عَلَى أَبِيك وَأَخِيك وَعَمّك وَأَهْلِ بَيْتِك ؟ فَقَالَتْ حَلْقَى ، أَنَا أَبْكِيهِمْ فَيَبْلُغُ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِنَا ، وَنِسَاءُ بَنِي الْخَزْرَجِ لَا وَاَللّهِ حَتّى أَثْأَرَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ وَالدّهْنُ عَلَيّ حَرَامٌ إنْ دَخَلَ رَأْسِي حَتّى نَغْزُوَ مُحَمّدًا . وَاَللّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّ الْحُزْنَ يُذْهِبُ مِنْ قَلْبِي بَكَيْت ; وَلَكِنْ لَا يُذْهِبُهُ إلّا أَنْ أَرَى ثَأْرِي بِعَيْنِي مِنْ قَتَلَةِ الْأَحِبّةِ . فَمَكَثَتْ عَلَى حَالِهَا لَا تَقْرَبُ الدّهْنَ وَمَا قَرِبَتْ فِرَاشَ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ يَوْمِ حَلَفَتْ حَتّى كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ.
وَبَلَغَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ ، وَهُوَ فِي أَهْلِهِ وَقَدْ كَانَ شَهِدَ مَعَهُمْ بَدْرًا ، أَنّ قُرَيْشًا بَكَتْ عَلَى قَتْلَاهَا ، فَقَدِمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَقَدْ خَفّتْ أَحْلَامُكُمْ وَسَفِهَ رَأْيُكُمْ وَأَطَعْتُمْ نِسَاءَكُمْ وَمِثْلُ قَتْلَاكُمْ يُبْكَى عَلَيْهِمْ ؟ هُمْ أَجَلّ مِنْ الْبُكَاءِ مَعَ أَنّ ذَلِكَ يُذْهِبُ غَيْظَكُمْ عَنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ الْغَيْظُ عَنْكُمْ إلّا أَنْ تُدْرِكُوا ثَأْرَكُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ . فَسَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب ٍ كَلَامَهُ فَقَالَ يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ غُلِبْت وَاَللّهِ مَا نَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى قَتِيلٍ لَهَا إلَى الْيَوْمِ وَلَا بَكَاهُنّ شَاعِرٌ إلّا نَهَيْته ، حَتّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ . وَإِنّي لَأَنّا الْمَوْتُورُ الثّائِرُ قُتِلَ ابْنِي حَنْظَلَةُ وَسَادَةُ أَهْلِ هَذَا الْوَادِي ، أَصْبَحَ هَذَا الْوَادِي مُقْشَعِرّا لِفَقْدِهِمْ . [ ص 125 ]

مناصرة العشيرة والوطن على الإسلام

غزوة بدر كانت معركة بين الإسلام والكفر، وقد سماها الله تعالى بيوم الفرقان، إذ هو يوم التفريق بين الحق والباطل.
كان بمكة بعض من أسلم، لكنهم بقوا فيها رغم هجرة النبي · منها، ولم يهاجروا منها، فقد آثروا عشائرهم وقبائلهم عليها، ويوم بدر خرج بعضهم مع المشركين لقتال المسلمين، فقُتلوا فيها، فنزلت هذه الآية:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)}.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه:
إن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ·، يأتي السهم فيرمي به، فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية. (صحيح البخاري 661/2 كتاب التفسير، سورة النساء).
ثم أعاده الإمام البخاري في كتاب الفتن 1049، وأقام عليه الترجمة بلفظ (باب من كره أن يكثر سواد الفتن أو الظلم). كتب الشاه ولي الله قدس الله سره في ترجمته للقرآن الكريم عند الآية {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} في الهامش: (أي بترك الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وبتكثير سواد الكفار). والله أعلم
فدل على أن تكثير سواد الكفار لا يجوز، ولو بنية عدم قتال المسلمين، ثم لا يقاتلهم، كما لا يجوز الانضمام إلى جيوش الكفر، والتجنيد فيها. أرجو من أهل العلم مراجعة فتح الباري 13/132 وعمدة القاري 545 والقسطلاني، وللتوسع يرجى مراجعة تفسير ابن كثير والقرطبي والدر المنثور.
وقال النبي · : من كثّر سواد قوم فهو منهم.

نعود إلى بدر ثانية

إلى هنا كان بياناً لغزوة بدر، واستعرضنا الآيات والأحاديث الصريحة في الموضوع، وتوصلنا من خلالها أن خروج النبي · يوم بدر لم يكن إلا للغارة على العير، القافلة من الشام، يقودها أبو سفيان بن حرب. ولم يكن خروجه لصدّ هجوم من مشركي مكة. يرى العلامة الشبلي النعماني في كتابه «سيرة النبي ·» أن خروج النبي · لم يكن لطلب العير، لأنه قد بلغه · في المدينة أن المشركين قد خرجوا بجمع عظيم لمهاجمة المدينة، لذلك خرج لصد هجومهم، فكانت معركة بدر. وباختصار لم يقصد يوم بدر الغارة على عير المشركين، إنما أراد صدّ هجوم المشركين على المدينة. هذا ما كان يراه العلامة الشبلي النعماني رحمه الله تعالى.
لكن رأيه هذا يخالف كافة تصريحات المحدثين والمفسرين، بل كافة الأحاديث والروايات الصريحة.
(1) روى ابن أبي حاتم عن أبي أيوب قال قال لنا رسول الله · ونحن بالمدينة أني أخبرت عن عير أبي سفيان، فهل لكم أن تخرجوا إليها لعل الله يغنمناها، قلنا نعم، فخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال قد أخبروا خبرنا، فاستعدوا للقتال، فقالوا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم. (ولكنا أردنا العير) فأعاده، فقال له المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل. الحديث (فتح الباري 4242/7 والزرقاني 413)
(2) وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
لما سمع رسول الله · بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله · يلقى حربا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار. الحديث. (البداية والنهاية 3/256 وابن كثير 2/288 سورة الأنفال والزرقاني 411/1)
وقال الحافظ العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري:
والسبب في ذلك أن النبي · ندب الناس إلى تلقي أبي سفيان لأخذ ما معه من أموال قريش، وكان من معه قليلا، فلم يظن أكثر الأنصار أنه يقع قتال، فلم يجز معه منهم إلا القليل، ولم يأخذوا أهبة الاستعداد، كما ينبغي. بخلاف المشركين فإنهم خرجوا مستعدين ذابين عن أموالهم. (فتح الباري 7/222)
ولمّا بلغ أبا سفيان بخروج النبي · في طلبه، أرسل ضمضم الغفاري إلى مكة يستنفرهم للنجدة.
فلما بلغ مكة قال لأهلها:
«يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث». (البداية والنهاية 3/258)
ثم عمل أبو سفيان بالحيطة والحذر، بعدما أرسل ضمضم الغفاري إلى مكة، وأسحل بالعير، حتى انفلت من أيدي المسلمين، فأرسل كتابا آخر إلى مكة قال فيه:
قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا. (البداية والنهاية 3/266)
ولم يصل كتاب أبي سفيان إلا بعدما وصلوا إلى الجحفة، فأرادوا العودة، لكن أبا جهل نهاهم، وقال: إنّا والله لن نعود حتى نأتي بدراً، ونقاتل القوم. أما أخنس بن شريق فلم يطع أبا جهل، وقال لبني زهرة:
«يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جنبها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير صنعة، لا ما يقول هذا، قال: فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد». (البداية والنهاية 3/266)
أما بنو هاشم فما كانوا راغبين في القتال منذ الوهلة الأولى، ثم كانت رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب، فكانوا أحرص على القعود، إضافة إلى رؤيا جهيم بن الصلت التي زادت في ريبهم وتذبذبهم، ولما وصلهم كتاب أبي سفيان عاد طالب بن أبي طالب إلى مكة مع بعض من عاد، ولمّا عاد أخنس بن شريق مع بني زهرة زاد في إضعاف معنوياتهم، غير أنهم اضطروا إلى السير لتعنت أبي جهل وطغيانه وهيبته، وهذا كان حال عتبة وشيبة ما كانا مستعدين للخروج، فكانا يسعيان إلى العودة حتى في اللحظات الأخيرة. كما سبق بالتفصيل.
فهل بعد كل هذه التصريحات والروايات الصحيحة التي لا تسع لأي تأويل يمكن لمؤول أن يقول: لم يكن خروج النبي · يوم بدر إلا لصدّ هجوم المشركين على المدينة.
خرج النبي · من المدينة قاصدا عير قريش، القافلة من الشام، ولم يكن في حسبانه أنه يلتقي بالنفير التي يقودها أبو جهل، كما لم تكن هناك من الآثار والأدلة ما تشير إليه.
ومن جهة ثانية، لم يكن في حسبان قريش بزعامة أبي جهل الغارة على المدينة، إنما أبلغهم ضمضم الغفاري بتعرض عيرهم للخطر، وأن المسلمين خرجوا في طلبها يريدون الغارة عليها، فأحدث ذلك ضجة بمكة، وخرجت قريش بسنانها وسيوفها ولبست أهبة قتالها حتى خرجت يتزعمهم أبو جهل، فبلغهم كتاب أبي سفيان وهم بالجحفة، بأن العير قد انفلتت من أيدي المسلمين، وما عليهم إلا العودة إلى مكة. ثم بلغ النبي · وهو بالصفراء أن العير قد انفلتت، وأن النفير مقبلة مع عُدّتها، فاستشار أصحابه، لأنهم ما خرجوا بنية القتال، وما أخذوا عُدّته. فعرفنا بطلان ما يزعم بعض العلماء أن خروج النبي · في بداية أمره لم يكن بنية الغارة على العير، إنما خرج من المدينة لصدّ هجوم المشركين الذين أرادوا زحف المدينة بخيلهم وخيلاءهم، فهذا ليس أكثر من مجرد زعم، لا يبتني إلا على دراية مزعومة وأصل مفترى، يسعى من خلالها إلى إلغاء كافة الأحاديث والآيات القرآنية وروايات السيرة والوقائع التاريخية.
إن أعداء الله وأعداء الرسول لم يألوا جهدا في تنكيل المسلمين وتعذيبهم، والنيل منهم، وألحقوا بهم أضراراً جسيمة في أرواحهم وممتلكاتهم، وأخرجوهم من ديارهم وأوطانهم، واستولوا على أموالهم وأمتعتهم، وكانوا قد عزموا على انتهاج نهجهم هذا فيما تأتي من الأيام، ولم يغفلوا عن الإضرار بالإسلام والمسلمين لحظة واحدة، فإن قام المسلمون لمقاومتهم، فللأسف الشديد أنها تُعارض الإنسانية والحضارة في نظر هؤلاء، وأنه يجب اللجوء إلى التأويل في الروايات التي يسوغ التأويل فيها، وطي البحث عن التي لا مساغ للتأويل فيها، حتى لا يتعرض أصلهم الذي افتروه للنقد، فهذا يعارض الأمانة العلمية. {قراطيس تُبدونها وتخفون كثيراً} إن معظم المهمّات العسكرية التي تم إرسالها قبل بدر، كان أكثرها موجّهة إلى عير قريش للغارة عليها، ولماذا إشكالهم المذكور في وقعة بدر فقط؟
أما ما يدّعون بعدم جواز ابتداء المسلمين بمهاجمة المشركين حتى يتعرضوا لهجومهم، فهذا يعني عدم استباقة المشركين بالجهاد إلا في حالة تعرضهم للهجوم بأيدي المشركين، وقد سبق الرد عليه بالتفصيل في مبحث الجهاد. فليرجع إليه. ومن قال بعدم إباحة مهاجمة المشركين رغم تعرض المسلمين للتنكيل والتعذيب والتشريد طيلة ثلاث عشرة سنة، وتعرضهم للتهديد على أيديهم، وسعي المشركين الدؤوب للتآمر والقضاء عليهم، وقيامهم بكتابة الخطابات للغرض نفسه : لا يجوز مهاجمتهم، ولا إلحاق الأضرار بأرواحهم وممتلكاتهم، فذلك يعارض العقل والنقل.

وباختصار..

اتضح بما استعرضنا من الروايات أن خروج النبي · من المدينة مع أصحابه يوم بدر لم يكن إلا لطلب العير، وكان خروج قريش بقيادة أبي جهل لإنقاذها، فكانت هي غاية الجميع، المؤمنين والمشركين، و ما كانوا يتوقعونها، أدرك ذلك العلامة[1] أو لم يدرك. كما أن كافة البعثات العسكرية التي أرسلها النبي · قبل بدر كانت هجومية، ولم تكن دفاعية، والبدء كان فيها من النبي ·.

***




[1] العلامة الشبلي النعماني، صاحب سيرة المصطفى بالأردية.