بسم
الله الرحمن الرحيم
{يَاَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ اَطِيْعُواْ اللهَ ورَسُوْلَهُ وَلا
تَوَلَّوْا عَنْهُ وَاَنْتُمْ تَسْمَعُوْنَ. ولا تَكُوْنُواْ كَالَّذِيْنَ
قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُوْنَ}.
ملخص معاني الآيتين:
طاعة الله ورسوله واجبة على المؤمنين، فلا
يتولوا عن رسوله كلما سمعوه يأمرهم بالقتال، (بل عليهم أن يُذعنوا لأمر الجهاد وما
يتعلق به من أحكام) ولا يكونوا مثل المشركين والمنافقين واليهود الذين قالوا
سمعنا، وهم لا يسمعون، أي سماع قبول وطاعة.
ارتباط الآية بما سبق:
يمكن ربط الآية بما سبقت من الآيات بعدة
اعتبارات:
1- في
الآية السابقة قال الله تعالى: {وَاَنَّ اللهَ مَعَ المُوْمِنِيْنَ} وهنا أشار إلى
أن بمجرد ادّعاء الإيمان لا يتحقق النصر والمعية الإلهية ما لم يطيعوا الله
ورسوله، حتى إن الرسول إذا أمرهم بالجهاد فلينفروا، ولا يكونوا مثل الكفار
والمنافقين الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون سماع قبول.
2- في الآية السابقة أشار الله تعالى إلى عاقبة
الكفار السيئة، وأن لهم وصفا لا يفارقونه، وهو أنهم يعصون الله ورسوله، وهنا أراد
التأكيد للمؤمنين أنهم إن أرادوا الابتعاد عن ملاحقة الذُل والخزي وغلبة غيرهم
عليهم فليطيعوا الله ورسوله، ولا يتبعوا سُبل المشركين.
3- في الآيات السابقة أشار إلى أن المؤمنين
لمّا دعوا ربهم للنصر، فإنه سمع دعوتهم فأجابها، كما قال: {اِذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ
رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} فعليهم الآن أن يسمعوا أوامره، ويُذعنوا لها.
معارف الجهاد :
قال الإمام الرازي رحمه الله: قال الله تعالى :
{وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَاَنْتُمْ تَسْمَعُوْنَ} فما المراد من السمع؟
ثم أجاب عنه وقال:
«إن الكلام من أول السورة إلى هنا لما كان
واقعا في الجهاد علم أن المراد : وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد».
ثم قال بعد قليل: فمعنى الآية اَطِيْعُواْ
اللهَ ورَسُوْلَهُ في الإجابة إلى الجهاد، وفي الإجابة إلى ترك المال إذا أمره
الله بتركه. (التفسير الكبير)
2- وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ، أي في الطاعة،
والضمير عائد إلى الجهاد.
كما قال أهل العلم:
«الضمير للجهاد، أو الأمر الذي دل عليه الطاعة»
(تفسير البيضاوي).
«وقيل الضمير للجهاد» (روح المعاني، والتفسير
الماجدي)
3- قال العلامة اللاهوري في تفسير الآيتين:
تقيّدوا بأوامر الله تعالى في ساحة القتال،
وتأسَّوا بأسوة الرسول ·، فالإقرار بالطاعة إن لم يرافقه العمل، لا فائدة منه.
(حاشية اللاهوري رحمه الله)
4- قال الإمام الرازي:
وَلا تَوَلَّواْ لأن التولّي إنما يصح في حق
الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد. (التفسير الكبير)
وقال أبو حيّان رحمه الله:
ولما كانت الآية قبلها مسوقة في أمر الجهاد،
قيل: معنى أطيعوه فيما يدعوكم إليه من الجهاد. (البحر المحيط)
الإحالة إلى مصدرين بشأن الربط:
1- في الآية السابقة {بأنهم شاقوا الله ...}
الخ والآية {إن تستفتحوا} ذمَّ الكفار الذين يعصون الله ورسوله، لذلك أمر المؤمنين
بطاعة الله ورسوله بقوله {أطيعوا...} ونهى عن معصيتهما بقوله {وَ لا تَوَلَّواْ}.
(بيان القرآن)
2- قبل ذلك قال {وأن الله مع المؤمنين} وهنا
يرشد المؤمنين إلى كيفية تعاملهم مع الله ورسوله، التي تستدعي نصر الله وتأييده،
فقال إن من واجب المؤمن الصادق أن يطيع ربه بكامل قواه البدنية والروحية، مهما
حالت الظروف لتولّيه عن طاعة الله تعالى، لا يتولى عنه مادام سمع كلام الله ووعاه.
(التفسير العثماني)
{ولا تَكُوْنُواْ كَالَّذِيْنَ قَالُواْ
سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُوْنَ}
قال القرطبي رحمه الله:
«أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين وهو من
سماع الأذن ... الخ». (القرطبي)
وقال الإمام الرازي:
«والمعنى: ولا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم
إنا قبلنا تكاليف الله تعالى ثم أنهم بقلوبهم لا يقبلونها. وهو صفة المنافقين».
(التفسير الكبير)
أي يريد الله تعالى تربية المسلمين تربية قوية
على السمع والطاعة، بأن يفتحوا آذانهم وقلوبهم لأوامر الله تعالى، ويَقبلوا
بقلوبهم ما سمعوا بآذانهم، ويعملوا بها، فمن عمل ذلك كان من المؤمنين الصادقين،
وسينصره الله، ويغلبه على أعدائه، فيفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
نكتة مهمة:
لا ينصر الله تعالى المؤمنين في مقابلة الكفار
إلا لأنهم يطيعون الله ورسوله، ومن هنا كان من واجب المؤمنين أن يحافظوا على وصفهم
هذا، لأنهم إن فعلوا مثل الكفار واليهود بأن سمعوا بآذانهم ولم تُذعن له قلوبهم،
لا يستحقون نصر الله، مثل الكفار. (والله أعلم بالصواب)
نكتة مهمة ثانية:
تولى اليهود عن الجهاد لما أخبرهم موسى عليه
السلام عن أمر الله تعالى به، ومثلهم تولى المنافقون عن الجهاد، لذلك يُرشد
المؤمنين هنا إلى أن لا يفعلوا مثلهم، إذ ذلك لا يليق بالمؤمن. (والله أعلم
بالصواب)
