بسم
الله الرحمن الرحيم
{إنَّ شَرَّ الدَّوَآبِ عِنْدَ
اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِيْنَ لا يَعْقِلُوْنَ. وَلَوْ عَلِمَ اللهُ
فِيْهِمْ خَيْراً لاَسْمَعَهُمْ . وَلَوْ اَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُمْ
مُّعْرِضُوْنَ}.
ملخص معاني الآيتين:
أشار فيهما إلى أولئك الناس الذين لا يسمعون
الحق ولا ينطقون به، ولا يسعون إلى فهمه بقلوبهم وأذهانهم، فقال إنهم من شرّ
الدواب، وأنهم لا يستطيعون قبول الحق لأعمالهم القبيحة، فلو أسمعهم الله تعالى
الحق بطريق أو بآخر لم يُقبلوا عليه، بل تولوا عنه ولم يلتفتوا إليه.
مصداق الآيتين:
الآيتان باعتبار معناهما ومفهومهما تعمّان جميع
البشرية، لكن أهل العلم أشاروا إلى أن أول من صدقت عليهم الآيتان هم نفر من بني
عبد الدار من قريش، فقد روى البخاري رحمه الله وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله
عنهما قال: إن هذه الآية نزلت في نفر من بني عبد الدار، من قريش، كانوا يقولون:
نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد، وتوجهوا مع أبي جهل لقتال النبي · وأصحابه ببدر،
فقتلوا جميعا، ولم يؤمن منهم إلا مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة. (قرة العينين)
شرّ الدواب:
قال اللاهوري رحمه الله:
«ليس من الإنسانية في شيء من يسمع ويعي ثم لا
يعمل، إنما هو من الدواب، بل هو أسوأ منها، لأن من الدواب ما تطيع بشكل أو بآخر،
لكن هؤلاء المعاندين صم بكم، لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، لكنهم بسبب أعمالهم
الرذيلة هبطوا في مغارة الذلة والهوان بحيث لو أسمعهم لتولوا مدبرين». (حاشية
اللاهوري رحمه الله)
الوعيد الشديد على ترك الجهاد:
في الآيتين المذكورتين أشار الله تعالى إلى
الوعيد الشديد لمن ترك الجهاد، وأكّد على لزوم طاعته وطاعة رسوله. ولا شك أن الحكم
في الآيتين يدل على عموم الطاعة، لكن فيهما تأكيد على الجهاد، كما سبقت الإشارة
إلى المراجع، وفيها أن النبي · إذا دعاكم للجهاد فأطيعوه، ولا تولوا عنه مثل
المنافقين والكافرين. ففي هذه الآيات يُشدّد الله تعالى على أن من يُعرض عن أوامره
وأوامر رسوله، أو يتهاون فيها، ولا يقبلها عناداً ومكابرة، فإن الله سبحانه وتعالى
قد يسلب منه التوفيق لقبول الحق، فيصير أسوأ عند الله من الدواب التي لا تسمع ولا
تتكلم، ثم يختم الله على قلبه فلا يعي الحق، (والعياذ بالله). وهذه المرتبة
الخطيرة من الكفر لا تُسلط على أحد ما لم يكن متعوّداً للإعراض والعصيان. فيا أيها
الإخوة المؤمنون! اسمعوا وأطيعوا ولا تعصوا، ولا تتهاونوا في الجهاد ولا تُعاندوا،
فإن التهاون والمعاندة من أساسيات المحرومية.
وقد أشار الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله إلى
نكتة مهمة، فقال:
«إن قلوب العباد بيد الرحمن، ولا يختم على قلب
ما لم يتهاون، فإن تهاون أو عاند أو خالف الحق، ختم على قلبه عقابا له». (موضح
القرآن)
ملاحظة مهمة:
في الآيتين إشارة إلى أن الكفار الذين يلقون
مصرعهم بيد المجاهدين أثناء القتال، هم شر الدوّاب عند الله، وإلا لما أعرضوا عن
الحق، وما حضروا ساحة القتال لإزالته، فكما أن أحداً لا يغتم بقتل الدواب الضارّة،
فكيف يغتم على قتل هؤلاء الذين هم شر الدواب؟ إذ هم يشكّلون خطرا للبشرية، وهم
بمثابة السرطان الذي يجب بتره. (والله أعلم بالصواب)
أقوال أخرى:
لقد سبقت رواية بشأن مصداق الآيتين، وهناك من
المفسرين من يرى المنافقين مصداقهما، وأهل الكتاب عند البعض الآخر، وعلى كلٍ
فمفهومهما عام يشمل كل من تحلّى بتلك الصفات الذميمة.
«وظاهر هذه الأخبار العموم» (البحر المحيط).
موجز تفسير الآيات الأربع:
فيما يلي تفسير موجز للآيات الأربع (20 إلى 23)
من سورة الأنفال:
قال الله تعالى: {وَاَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِيْنَ}
فيها إشارة إلى معيّة الله للمؤمنين، لكن مجرد الإيمان لا يكفي لمعيّة الله تعالى،
بل هي مشروطة بشرطين:
الأول: {اَطِيْعُواْ اللهَ ورَسُوْلَهُ}
والثاني: {ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ واَنْتُمْ تَسْمَعُوْنَ}. والواقع إن المسلمين
طالما تمسكوا بهما كان الله معهم، ومكّنهم في الأرض، أخضرها ويابسها. ثم أراد
توكيد المضمون المذكور بقوله: {إنَّ شَرَّ الدَّوَآبِ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ
الْبُكْمُ الَّذِيْنَ لا يَعْقِلُوْنَ. وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيْهِمْ خَيْراً
لاَسْمَعَهُمْ . وَلَوْ اَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُمْ مُّعْرِضُوْنَ}. أي لا
تصيروا مثل أولئك المنافقين الذين قالوا سمعنا، وهم لا يسمعون سمع قبول وطاعة، فقد
اُنتُزعت منهم قدرة السمع والطاعة، مثل الدواب، وهو مستقبح عند كل من يمشي على
الأرض، فهم صم عن الحق، وبكم عن النطق به، ولا عقل لديهم، الذي كرّم الله بني آدم
به، ولم ينزع الله تعالى منهم تلك القدرة إلا لضلالهم عند الله في الأزل، لذلك
يتولون عن الحق» (التفسير الحقاني).
درس وعبرة:
الجهاد مما أمر الله تعالى به، ومما أمر به
النبي ·، كما نزلت الآيات المذكورة بأمر الجهاد، وقبلها سبق بيان بالجهاد، وسوف
يعقبها بيان بالجهاد، ومفهومها الأغلب أيضاً جهاد، فكل من يدّعي الإسلام، ثم لا
يتحدث عن الجهاد، ولا يستفسر عنه، ولا يسعى إلى فهمه، عليه أن يعتبر بهذه الآيات،
ويتأمّل فيها.
اللهم إنّا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء
الأخلاق.
