بسم
الله الرحمن الرحيم
{يَاَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ اسْتَجِيْبُواْ لِلهِ ولِلرَّسُوْلِ
اِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيْكُمْ وَاعْلَمُواْ اَنَّ اللهَ يَحُوْلُ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَ اَنَّهُ اِلَيْهِ تُحْشَرُوْنَ}.
ملخص معاني الآية:
لا يأمر الله ورسوله بشيء إلا وللمؤمنين فيه
حياة، كأمرهما بالجهاد، فحياة المؤمنين الحقيقية في الجهاد، لذلك لا تتهاونوا في
الإذعان لأمرهما، إذ قد يسبق قضاء الله وقدره، فتحرموا عن العمل به، والعاملون
يجدون جزاءهم كاملا، لأن الجميع يحضرون عند الله يوم القيامة.
تأكيد المضمون السابق:
في الآيات السابقة أمر الله تعالى بطاعته وطاعة
رسوله، وهنا أكّد عليها، وأرشد إلى أن جميعكم حريصون على الحياة، والحياة الحقيقية
مقدّرة في طاعة الله ورسوله، فمثلاً أمر الله تعالى بالجهاد، وفيه حياة عظيمة
للمؤمنين، لذلك لا تتهاونوا في العمل به، فقد يسبق القضاء والقدر، وتُمنعون منه،
أما تضحيتكم بالروح والغالي في الجهاد فلا تضيع، لأن جميع الناس يموتون ثم يُحشرون
إلى الله، فيجازيهم على أعمالهم.
أيّ عمل يجلب الحياة؟
قال الله تعالى: {اسْتَجِيْبُواْ لِلهِ
ولِلرَّسُوْلِ اِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيْكُمْ}.
أجمع المفسرون على أن (استجيبوا) بمعنى
(أجيبوا) أي أطيعوا.
«والاستجابة الإجابة» (القرطبي).
«قال أبو عبيد والزجاج : استجيبوا معناه
أجيبوا» (التفسير الكبير).
وما المراد من قوله : { لِمَا يُحْيِيْكُمْ}؟
فيه أقوال:
1- قال السدي: هو الإيمان والإسلام.
2- وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا
للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي. (القرطبي)
3- قال قتادة: يعني القرآن. (التفسير الكبير)
4- لكل حق وصواب. (التفسير الكبير)
وذكر أبو حيان في تفسيره «البحر المحيط» أقوالا
أخرى، وقال الرازي بعدما جمعها: «قال الأكثرون: لِمَا يُحْيِيْكُم هو الجهاد».
(التفسير الكبير)
وقال القرطبي: «وقيل المراد بقوله لما يحييكم
الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم يغز غزا، وفي غزوه الموت،
والموت في الجهاد الحياة الأبدية، قال الله عزوجل: {ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ
قُتِلُواْ في سَبِيْلِ اللهِ اَمْوَاتاً بَلْ اَحْيَاءٌ}. (آل عمران 169)».
(القرطبي)
وقال صاحب التفسير الماجدي:
«فهنا أوضح أن الشيء الذي يستوجب الحياة
الأبدية السرمدية هو الدين ونظامه، وهو المراد الخاص من الجهاد». (التفسير
الماجدي)
وقال صاحب التفسير الحقاني:
«لا يدعوكم الله ورسوله إلى العبث أو المضرة،
بل يدعوكم إلى ما فيه حياة لكم، وهو القرآن، إذ هو سبب الحياة الروحية، ويمكن أن
يكون المراد منه الجهاد خاصا، لأنه تترتب عليه الشهادة، وهي سبب للحياة الأبدية،
كما قال الله تعالى: {ولا تَقُوْلُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ
أمْوَاتاً بَلْ أحْيَاءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُروْنَ} ولأنهم سبب للنصر والظفر الذي يجلب
المغانم، التي بها الحياة الأصلية، فهل للمقهورين المغلوبين حياة؟ إنما هي موت.
لم تحي إن عشت مع الذل ولم تسعد بالحياة ولا المماة
(التفسير
الحقاني)
وكلام الحقاني تلخيص لما قاله الرازي:
«قال الأكثرون: لما يحييكم هو الجهاد ثم في سبب
تسمية الجهاد بالحياة وجوه، أحدها: هو وهن أحد العدوين حياة للعدو الثاني، فأمر
المسلمين إنما يقوي ويعظم بسبب الجهاد مع الكفار. وثانيها أن الجهاد سبب لحصول
الشهادة وهي توجب الحياة الدائمة قال تعالى: {ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ
قُتِلُواْ في سَبِيْلِ اللهِ اَمْوَاتاً بَلْ اَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ} وثالثها أن الجهاد قد يفضي إلى القتل، والقتل يوصل إلى الدار الآخرة،
معدن الحياة، قال تعالى: {وَاِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ} أي
الحياة الدائمة. (التفسير الكبير)
انحلّت المشكلة:
بعض المسلمين يهربون من الجهاد، ولا يتركون
أولادهم ليشاركوا في الجهاد، وسبب ذلك هو الخوف من الموت، وهنا أكّد الله تعالى
على أن الجهاد حياة وليس بموت.
وبذلك انحلّت المشكلة، إذ ما من شخص يؤمن بالله
إلا ويؤمن بأن في الجهاد حياة، ثم يجتهد لتحصيلها. (والله أعلم بالصواب)
معنى الحيلولة:
قال الله تعالى: {اَنَّ اللهَ يَحُوْلُ بَيْنَ
الْمَرءِ وقَلْبِهِ}.
اختلف المفسرون في تحديد معنى الآية على عدة
أقوال، نسرد بعضها فيما يلي:
1- إن الله تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع
بقلبه بسبب الموت يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما ألزمكم من الجهاد وغيره
قبل أن يأتيكم الموت. (التفسير الكبير)
2- أن المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما
يتمناه ويريده بقلبه. (التفسير الكبير)
3- أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال يوم
بدر، فكأنه قيل لهم: سارعوا إلى الطاعة ولا تمنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم
من الضعف والجبن، فإن الله تعالى يغيّر تلك الأحوال، فيبدل الضعف بالقوة، والجبن
بالشجاعة؛ لأنه تعالى مقلب القلوب. (التفسير الكبير)
4- وقيل: {اَنَّ اللهَ يَحُوْلُ بَيْنَ
الْمَرءِ وقَلْبِهِ} لبيان القُرب، بمعنى أن الله أقرب إلى العبد من قلبه، كما قال
تعالى: {ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيْدِ} (ق 16) لذلك أطيعوا الله
بكل صدق وإخلاص، ولا تغدروا معه ولا تخونوه، إذ هو عالم بأحوال قلوبكم وأسرارها
أكثر من أنفسكم، فأنتم جميعا تعودون إليه، فتُُكشف الأسرار والرموز كلها. (التفسير
العثماني)
5-
الحيلولة بين المرء وقلبه بطريقين: الأول: أن يمنع الكفر والمعصية من قلب المؤمن
بفضل إيمانه وطاعته. والثاني: أن يمنع الإيمان والطاعة من قلب الكافر بسبب كفره
ومعصيته. وفيها إشارة إلى علاقة ورابطة تحمل قوة إرادية عالية فوق الأسباب العادية
المادية والطبيعية الظاهرة. (التفسير الماجدي)
قال العلامة أشرف علي التهانوي بعد الإشارة إلى
هذه العلاقة:
«دلت الآية على جدوى المداومة على الطاعة، وعلى
مضرّة المداومة على المعصية» (بيان القرآن).
6- أن الله يحول بين المرء وقلبه فلا يجد قوة
في نيته وإرادته، لذلك إن تغافلتم عن أحكام الله وأوامره، فإن أول عقوبة تلقونها
هي ضعف إراداتكم وهممكم. (حاشية اللاهوري)
دروس وعبر:
1- في الجهاد حياة، وفي التخلي عنه موت.
2- يجب المبادرة إلى العمل بحكم الجهاد.
3- لا يتأخر في مباشرة الجهاد عند تكوّن العزم
عليه، وتهيئ القلب للتضحية بالروح والغالي، لأن التأخير يورث ضعف الهمّة، وقد يموت
قبل أن يجاهد، فيكون محروما عن الجهاد وبركاته.
4- عليه أن لا ينسى اليوم الآخر والمثول بين
يدي ربه فيه، فإن ذلك يُسهّل له التضحية لله ورسوله.
5- عليه أن يهتم بهذا الدعاء المأثور عن النبي
· وذكره المفسرون تحت الآية الكريمة : اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك.
