بسم
الله الرحمن الرحيم
{واتَّقُواْ فِتْنَةً لا
تُصِيْبَنَّ الَّذِيْنَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَآصَّةً. وَاعْلَمُواْ اَنَّ اللهَ
شَدِيْدُ الْعِقَابِ}.
ملخص معاني الآية:
حذّر فيها عن الفتنة التي تعم الجميع، الظالم
ومن لم يمنعه من الظلم، وأخبرهم أن عذاب الله شديد.
ربط الآيات:
قال الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى حول ربط
الآية الكريمة بما سبقتها من الآيات: أمر بطاعة الله ورسوله في الآيات السابقة،
ونهاهم عن التكاسل والتهاون فيها، مخافة أن يؤدّي ذلك إلى الحرمان وسلب التوفيق
وعدم الرغبة، وفي هذه الآية الكريمة أشار إلى أن الأتقياء الصالحين إن تهاونوا في
الطاعة وتكاسلوا، فإن العامة يتخلون عنها بالكلّية، فتمتلئ الأرض بالفساد
والمعصية. فمثلاً إذا تهاون الشجعان في الجهاد في سبيل الله، فإن الجبناء يقعدون
عنه بالكلية، فإن هاجم الكفار على بلاد المسلمين، وترتبت عليه الهزيمة فإن الشجعان
البواسل لا يقدرون على دفعه وحماية الناس، ومن ثم ينهزم الجميع ويموتون.
هنا نراجع ألفاظ الشاه عبد القادر رحمه الله، الذي
قال: إن التهاون في الطاعة يؤدّي إلى نفاد الرغبة، (أي يورث الضعف)، فيشعرون
بالصعوبة كل لحظة، (أي كلما انقضى وقت ازدادت صعوباتهم). ثم قال: إنْ تهاون
الأتقياء الصالحون في الطاعة، فإن العامة يتركونها ويقعدون عنها، وتتحول إلى عادة
يرثها جيل عن جيل، فلا يسلم أحد من وبالها، مثاله: إذا تكاسل البواسل والشجعان عن
القتال في سبيل الله، فإن الكسالى يتولون عنه، فلو انهزموا فإن الشجعان لا يقدرون
على الحماية والمناعة. (موضح القرآن)
وملخص الربط بين الآيات أن في الآيات السابقة
أمر بالعمل بنفسه، وهنا أمر بدعوة الغير إلى العمل.
لأن معصية الله ورسوله إن عمّت فإن أحداً لا
يسلم من وبالها وعذابها. (والله أعلم بالصواب)
معنى الفتنة:
أما الفتنة التي وردت في الآية الكريمة فإن بعض
أهل العلم أرادوا بها : العذاب، كما في تفسير المدارك، والبعض أراد بها المعصية،
كما قال العلامة الآلوسي رحمه الله تعالى:
«والمراد بالفتنة الذنب، وفسر بنحو إقرار
المنكر والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع
والتكاسل في الجهاد حسبما يقتضيه المعنى». (روح المعاني)
تعمّق المعصية في المجتمع:
أراد أكثر المفسرين بالفتنة في الآية : تعمق
منكر عظيم بين المسلمين، بحيث يعم الجميع، ولا يسعى أحد إلى منعه، كما قال صاحب
الكشاف:
«قيل: هو إقرار المنكر بين أظهرهم» (الكشاف).
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا
المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله العذاب. (القرطبي)
تفسير موجز للآيتين:
فيما يلي لاحظوا تفسيرا مختصراً للآيتين 24 و25
من سورة الأنفال:
إن الحياة في الجهاد، وانطلاقا من الأصل
القائل: «التنازع للبقاء» فإن كل شيء في العالم يناضل للمحافظة على وجوده وحياته،
لكن الحياة لا تُمنح إلا لمن كان الأمثل والأصلح، لذلك أمر بالطاعة والإذعان كلّما
أمر الله ورسوله بالجهاد، إذ هو منبع الحياة الاجتماعية والشخصية، ويمنح حياة
أبدية، لذلك لمّا قيل للنبي ·: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه
وماله. وقال في موضع: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. وأخرج
الإمام الترمذي في جامعه قال: من رابط ليلة كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها. أما
إن لم يُحدّث نفسه بالجهاد ولم يرغب فيه قط، فإنه يعاني من تلك المصائب التي أشار
إليها. (أ) ما من كلمة نطق بها النبي · إلا وفي طياتها عشرات رموز الحياة
وأسرارها، ويترتب على مخالفتها ضعف الهمة، وعدم الثبات والقوة، بحيث لا يعزم على
عمل إلا ويفسخه، وينطبق عليه قوله تعالى: {لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوْبَهُمْ
قَاسِيَةً}.
(بـ) للأعمال الإنسانية حالات مختلفة، فمنها ما
تكون آثارها محدودة على صاحبها، ولا تتجاوز إلى غيره، ولا يؤخذ بها إلا فاعلها،
ومنها ما تتعدى أثرها إلى غير صاحبها، فُيبتلى بها قومه، ويعانون مما يترتب عليها
من الآلام والمصائب، وبناء عليها فإن ما من قوم أنكر الجهاد إلا وابتُلي بويلات ومصائب
لا تقتصر على المنكرين، بل وتتعدى إلى غيرهم، فيسلّط عليهم أعدائهم فيسترقونهم.
ففي الحديث: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم،
وتبايعوا بالعين، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم
بلاء فلم يرفعه حتى يراجعوا.
لذلك نُسب النفاق إلى من لم يُحدّث نفسه
بالجهاد، في الحديث: من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق.
(تفسير القرآن)
أراد بالفتنة ترك الجهاد:
قال صاحب أنوار البيان:
قيل: أراد بالفتنة البلية التي تصيب القوم جميعا
بسبب تخلفهم عن الجهاد، فلا ينجو منها أحد، إذ لا يمكن المحافظة على الدين وشعائره
وعلى أرواح عموم المسلمين إلا بإقامة الجهاد، وهو فرض على الكفاية على المسلمين في
الحالات العامة، حتى ولو لم يتعرضوا لهجمات الكفار، أما إن تعرضوا لهجمات الكفار
فلا يجوز لأحد أن يتخلف عن الجهاد، ولا يتشجع الأعداء على التقدم إلى ديار
المسلمين إلا إذا لم يهتم المسلمون بالجهاد، وعند زحفهم لبلاد المسلمين يتعرض
الرجال والنساء والصبيان للخطر، فيضطرون إلى التفكر حول سلامتهم. ومن هنا يجب على
المسلمين أن يواصلوا الجهاد، ولا يتخلوا عنه، وإلا لتعرض العوام والخواص للويلات،
رُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن النبي · قال: ما من قوم ترك الجهاد
إلا وسلّط الله عليهم العذاب. (مجمع الزوائد ص 284 ج5 عن الطبراني في الأوسط)
(تفسير أنوار البيان).
