{سورة الأنفال مدنية، الآية : 26}

   بسم الله الرحمن الرحيم

{واذْكُرواْ إذْ أنْتُم قَلِيْلٌ مُسْتَضعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُوْنَ اَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ واَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ورَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ}.

ملخص معاني الآية:

لا تتهاونوا في الجهاد بسبب ضعفكم وقلة عددكم، فقد كنتم أقل عددا قبل الهجرة، بل بعدها أيضاً، ولم يكن لديكم العتاد، فكان أعداءكم يتمنون القضاء عليكم لقلة عددكم وعُدّتكم، كما كنتم تخشون من أن تتعرضوا للنيل والتنكيل على يد المشركين، فآواكم الله بالمدينة، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم نصركم من عنده يوم بدر، واستأصل جذور الشرك والمشركين، فانتصرتم عليهم، وحويتم المغانم ومبالغ الفدية من الأسرى، وبالجملة فإنه أكرم عليكم بالحلال الطيب وبنعمه الكثيرة المتنوعة، لتشكروه عليها. (مفهوم ما ورد في التفسير العثماني)

تفسير الكلمات:

{في الأرض} أي أرض مكة. {الناس} هم مشركوا قريش أو فارس والروم. {فآواكم} قال ابن عباس إلى الأنصار، السدي: إلى المدينة، والمعنى واحد. {وأيَّدكم} قواكم. {بنصره} أي بعونه، وقيل بالأنصار، وقيل بالملائكة يوم بدر. {ورزقكم من الطيبات} أي الغنائم. (مفهوم ما ورد في التفسير العثماني)
وفي تفسير الجلالين:
{أن يتخطفكم الناس} يأخذكم الكفار بسرعة. {يتخطفكم} تُؤخذون بيد الكفار، أو تُقتلون، أو يُسيطرون عليكم، كل ذلك شملته كلمة التَخَطُّف. (التفسير الماجدي)
قال الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى:
{الطيبات} أى الطاهرة، وهي الغنائم. (موضح القرآن)

عبارة حلوة:

إن قلتم: لاشك أن ما أمر به الأمير من الجهاد في سبيل الله يجب سمعه وطاعته، لكن ليس من المصلحة الجهاد الآن، نظراً إلى قلة عدد المسلمين وضعف إمكانياتهم المادية. قلنا: هذا العذر لا يُسمع، لأنكم إن تأملتم في أحوال المسلمين بمكة عندما كانوا قليلين، والمشركون يحسبونهم ضعفاء، والمسلمون كانوا يخشون من أن يثبوا عليهم، فيقضوا عليهم، رغم كل ذلك آواهم الله تعالى، وأيّدهم بنصره، ورزقهم من الطيبات، كي لا يُعرضوا عن الجهاد لقلة العدد والعُدّة فيما تأتي من الأيام، لذلك لا تعتمدوا على كثرة العدد وقلته للانتصار على العدو في الجهاد، لأنكم كنتم تفتخرون بعددكم الكبير يوم حنين، كما قال الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيتُمْ مُّدْبِرِيْنَ} (التوبة: 25). وانظروا إلى حياتكم بالمدينة، كان الجوع يترك أثره على بطن أبي هريرة، فقد كان يُغمى عليه، ثم هو أبو هريرة الذي ينظف أنفه بلفاع كسرى مستندا بظهره إلى الكعبة بمكة، وعدي بن حاتم رضي الله عنه يدوس بقدميه خزائن قيصر وكسرى. (تفسير الفرقان)

دروس وعبر:

من خلال تأملاتنا في الآية المباركة استخلصنا درساً، وهو أن الواجب على المسلمين القيام بما اُمروا أداءً لواجب المسئولية، ويفوّضوا الأسباب والنتائج إلى الله تعالى، فالذين آمنوا بالرسول · بمكة، لم يعبأوا بالأسباب والنتائج، لأنهم إن تفكروا فيها لما آمنوا، حيث كان الكفر والظلام سائدا على الجهات كلها، ثم اُمروا بالهجرة، فلم يستفسروا عن الترتيبات الأمامية، وخرجوا من بيوتهم كما أمرهم الله، ثم اُمروا بالجهاد في سبيله، فما اعتذروا لضعف الإمكانيات المادية والقوة الظاهرة، نزلوا في ساحة القتال بما كانت معهم من السيوف المنكسرة والعصي والأحجار، فما الذي ترتب على توكلهم هذا؟ مكة التي عاشوا فيها مدة مع الخوف والرهب دخلوها فاتحين، ولمّا خرجوا بنيّة الهجرة قدّم إليهم أنصار المدينة ما كانوا يملكونه من الغالي والنفيس، فظنوا أنهم بين أهلهم وإخوانهم، ولم يشعروا بالغُربة، ولمّا لم يعتذروا لقلة إمكانياتهم المادية جعل المغانم الطاهرة الطيبة على أقدامهم. فيا أيها المسلمون! قبل البدء في العمل لا تستفسروا عن الأشياء التي يمنحكم بعد مباشرة العمل، فسيروا على بركة الله وتوكلوا عليه، ولاحظوا جميع مشاهد الآية الكريمة. (والله أعلم بالصواب)