{سورة الأنفال مدنية، الآية : 27}

   بسم الله الرحمن الرحيم
{يَاَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ لا تَخُوْنُوْا اللهَ والرَّسُولَ وتَخُوْنُوْا اَماناتِكم واَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ}.

ملخص معاني الآية:

يجب على المؤمنين الوفاء بالأمانات وعدم الخيانة فيها، فلا تخونوا الله والرسول، ولا في أداء مسئولياتكم، ولا تخونوا فيما بينكم وأنتم تعلمون أنها خيانة.

ربط الآيات:

1- ذكر في الآيات السابقة أن الله فتح عليهم أبواب الرزق الطيب، وأعطاهم المغانم، وهنا أرشد إلى الحذر من الخيانة بأنواعها.
قال الإمام الرازي رحمه الله:
اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات، منعهم من الخيانة هنا.
2- في الآيات السابقة ذكر ظروف المسلمين الأولى، ثم ذكر نِعمه عليهم، ترغيبا لهم في طاعة الله والرسول، وفي هذه الآية منع من الخيانة، إذ الخيانة تزيل مشاعر المودة والمحبة التي توجد في قلوب المسلمين تجاه إخوانهم، وتتسبب في تمزيق جمعهم. (معنى ما ورد في التفسير الحقاني)
3- لا زال بصدد التأكيد على طاعة الله والرسول، وفي سياق ذلك ذكر النصر والفتوحات والمغانم، وهنا أشار إلى أنكم تستحقون النصر والفتح ما لم تحدث فيكم الخيانة، فإن خُنتم في القيام بمسئولياتكم وأموالكم فلا تستحقون النصر من الله. (والله أعلم بالصواب)

تفسير حلو:

قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
من السرقة (أي الخيانة) اللقاء مع الكفار سراً حفاظاً على الأموال والأولاد، فأكثر المهاجرين بقي أهلهم بمكة. ومن الخيانة إخفاء المغنائم عند الأمير، وعدم إظهارها للمجاهدين. (موضح القرآن)

سبب النزول:

ما المراد من الخيانة في الآية؟ ذكر الإمام الرازي ستة أقوال، وبما أن في كل قول منها درس مستقل للجهاد، لذلك نذكرها فيما يلي:
1- قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي لبابة رضي الله عنه، كان قد أخبر بني قريظة بالإشارة أن مصيركم القتل إن وافقتم على تحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وذلك حرصا على حياة أهله وأولاده الذين كانوا يعيشيون بين بني قريظة. (فالمراد من الخيانة إظهار الأسرار الحربية والقتالية)
2- قال السدي: كان بعض المسلمين يسمعون من النبي · ما يقول، ثم يذهبون إلى المشركين، ويطلعونهم عليها، فنهاهم عنه. (فالمراد من الخيانة إظهار الأسرار القومية والوطنية)
3- وقال ابن زيد: أراد بالخيانة النفاق، أي لا تصيروا مثل المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وبطّنوا الكفر. (فالخيانة مترادفة للنفاق)
4- قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: لما خرج أبو سفيان من مكة عَلِمَ النبي · به، فأراد أن يهجم عليهم، فكتب منافق كتابا إلى أبي سفيان، وأخبره عن تحركات النبي ·. (فمعنى الخيانة التجسس لصالح الكفار)
5- قال الزهري والكلبي رحمهما الله: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، الذي سعى إلى إطلاع المشركين بمكة عن تحركات المسلمين بالمدينة. (فمن الخيانة خدمة الكفار بنية الحفاظ على الأهل والأولاد).
6- قال القاضي رحمه الله: أراد بالخيانة: الخيانة في الغنائم. (التفسير الكبير)
قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى بعد ذكر هذه الأقوال:
وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية فهي داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهذا الذي نقلناه عن الرازي ذكره صاحب التفسير الحقاني بتعبيره، فقال:
في قوله تعالى {لا تخونوا الله} لم يذكر خيانة معينة ولا شخصا معينا، بل أراد الخيانات على اختلاف أنواعها، سواء كانت في الأموال أو الغنائم، أو الأعراض أو الأسرار، لكن بعض المفسرين حملوها على خيانات البعض وأشاروا إلى وقائعهم، كما قال السدي: فيها إشارة إلى المنافقين وبعض أولئك الذين يختلطون مع المشركين، كانوا يُطلعون المشركين على أخبار النبي · فيما تتعلق بالقتال... إلى آخره (التفسير الحقاني)

تفسير جامع:

من خيانة الله والرسول مخالفة أوامرهم، كمن أظهر إسلامه باللسان، وقام بأعمال المشركين، أو يخون في العمل الذي أمره النبي · به، أو أن يسرق من الغنيمة ونحو ذلك. على كل حال، احذروا الخيانة في الأمانات التي تفوض إليكم من الله ورسوله، فدخل فيها حقوق الله وحقوق العباد.
ففي الحديث أن بني قريظة طلبوا من النبي · الصلح، وأن يفعل معهم ما فعل مع بني النضير، فقال النبي ·: لا، بل احتكموا إلى سعد بن معاذ، وارضوا بحكمه، فطلبوا أبا لبابة إليهم بعد الاستئذان من النبي ·، وسألوه عن رأيه، هل نوافق على تحكيم سعد أم لا؟ وكان أهل أبي لبابة وأمواله بين بني قريظة، فكان ناصحا معهم، فأشار إلى حلقومه أي أن مصيركم الذبح، لكن أبا لبابة تنبّه لعمله فيما بعد، فعاد إلى المدينة وشدّ نفسه بأسطوانة، ثم تعهد أن لا يأكل ولا يشرب حتى يموت أو يتوب الله عليه، فبقي على تلك الحالة سبعة أو ثمانية أيام، لم يذق طعاما، وأغمي عليه من الجوع، فنزلت توبته، فقال لن أحُلَّ حبالي ما لم يحُلها النبي · بيده، فقدم النبي · وحلّ حباله بيديه... إلى آخر القصة. (وقد ادّعى ابن عبد البر أن القصة وقعت لمّا تخلف عن رسول الله · يوم تبوك. والله أعلم) (التفسير العثماني).

معنى آخر للخيانة:

أخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه أن المراد بها الإخلال بالسلاح في المغازي. (روح المعاني)

معاذ الله من الخيانة:

ذكر الإمام القرطبي في ثنايا تفسيره للآية الكريمة عن النسائي دعاء الرسول ·:
اللهم إني أعوذبك من الجوع فإنه بئس الضجيع، ومن الخيانة فإنها بئست البطانة. (القرطبي)

دروس وعبر:

لا يتحقق النصر والظفر في الجهاد إلا إذا قام كل واحد من المجاهدين بتعزيز صفة «الأمانة» في قلبه، ويجتنب عن الخيانة على اختلاف أشكالها وأنواعها، يواظب على الفرائض، ويهتم بالسنن، ويطيع الأمير، ويحذر من أموال العامة، يقوم بالواجب الذي فُوّض إليه على أكمل وجهه، يحافظ على الأسرار الجماعية والعسكرية، لا يوالي الكفار والمنافقين، ولا يخدم الأعداء بأي شكل من الأشكال. إذ الأمانة تُعزّز مكانة الشخص، فيستحق نصر الله وتأييده، أما الخيانة فتجعله مهملا حقيرا لا يمكن الثقة به.
ومفهوم الحديث أن الأمانة تُرفع من القلوب عند قرب الساعة، فلا يسهل لهم المحافظة عليها، ونحن في عهدنا هذا نشاهد آثارها واضحة، لذلك يجب أن نسأل الله التوفيق للأمانة، ونعوذ من الخيانة. (والله أعلم بالصواب)

نكتة مهمة:

أراد من الخيانة العموم، سواء كانت في العمل بأحكام الإسلام وتبليغها، أو في مصالح الأمة ومقاصدها، لكن الأمر الخاص الذي أراد الاهتمام به هو عدم مراسلة المشركين في مكة الذين أعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين، حتى ولو كانت بنية المحافظة على الأهل والأموال. وكان المسلمون الذين كتبوا رسائل إلى أهلهم وذويهم بمكة قد صدرت منهم الإشارات إلى الحرب، فنبّههم عليها، وأكّد على أنها من ضمن الخيانات مع الله والرسول. وهنا نتوقف لنتأمل أن تلك المراسلة البسيطة إن كانت من ضمن الخيانات مع الله والرسول، فما بال أولئك الذين وقفوا حياتهم لتقديم الخدمات السياسية إلى أعداء الإسلام والمسلمين، وترتب عليها انهيار العديد من الحكومات الإسلامية منذ قرن ونصف. (ترجمان القرآن)

نكتة مهمة أخرى:

إن الخيانة عادة قبيحة، شيء على لسانه، وشيء في قلبه، هذه الخصلة القبيحة تدمر الحياة الاجتماعية والشخصية للفرد، وللأسف الشديد فإن الشيطان يناديه من زاوية «الحكمة» و«المنطق»، فلا يُعدّ اليوم العاقل إلا من حافظ على مصالحه الشخصية في الظروف كلها، سواء تضررت به عامة المسلمين أو جماعته. وكان صحابة رسول الله · قد ضحَّوا بمصالحهم الشخصية لمصلحة الإسلام والجهاد والجماعة، وكانت قلوبهم وجوارحهم تطابق لسانهم فيما يقولون ويتعهدون، فانهالت نِعَم الله تعالى عليهم، ومنهم من صدر منه بعض الأخطاء لمصلحة شخصية، ولم تكن جماعة المسلمين أو عملية الجهاد تتضرر بتصرفهم المذكور، لكنهم كانوا ممن يحبهم الله ورسوله، وبمثابة نموذج للأجيال القادمة، لذلك ورد النهي عنه بكل شدّة، وجاء تسميته بالخيانة.
ومن هنا عرفنا أنه يجب على المسلمين المحافظة على «الأمانة» في قضاياهم الشخصية والاجتماعية والجهادية، ويبتعدوا عن الخيانة. (والله أعلم بالصواب)