بسم
الله الرحمن الرحيم
{وَاعْلَمُوْا اَنَّمَآ اَمْوَالُكُمْ وَاَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَّ اَنَّ
اللهَ عِنْدَهُ اَجْرٌ عَظِيْمٌ}.
ملخص معاني الآية:
اعلموا أيها المسلمون! إن أموالكم وأولادكم
فتنة، (فمنكم من يُرضي ربَّه بتفضيل الجهاد علي المال والولد، ومنكم من يُفضّلهما
على الجهاد ليُضيِّع آخرته) وأما الأجر الذي أعدّه الله لكم فهو عظيم.
ربط الآيات:
1- لا يخون أحد في مال العامة إلا لأولاده، أو
طمعا في استكثار المال، فأراد الله تعالى التنبيه على أن للأمانة منزلةً عند الله،
لا تبلغها الأولاد والأموال. (التفسير العثماني)
2- حبّ المال والأولاد قد يتسبب في الإخلال
بالطاعات، لذلك أراد التنبيه على أن أولادكم وأموالكم فتنة لكم، ليَرَى من يُفضّل
حبهما ومن يُفضّل حب الله عليهما، فلا ترجّحوها على الله. (بيان القرآن)
لا تزال الآيات تتناول موضوع الطاعة، والمقصود
منها الجهاد على وجه الخصوص، كما سبق بيانه مع مراجعه الموثوقة، وحب المال
والأولاد قد يعيق الجهاد، فمن ضحّى بهذا الحب وخرج للجهاد في سبيل الله، فإن الله
أعدَّ له أجراً عظيماً. (والله أعلم بالصواب)
للمال والأولاد نوعان:
معنى «الفتنة» الابتلاء والامتحان والوسيلة، وقد
أودعهما الله تعالى في المال والأولاد، فهما إما وسيلة للراحلة الأبدية، وإما
وسيلة لأشد أصناف العذاب، فحب المال والأولاد فتنة للعبد، ليرى من يبالغ في حبهما
حتى ينسي أوامر الله ورسوله. حب المال والأولاد أمر طبيعي، ولا يُؤاخذ عليه مادام
في حدوده، ولكن الناس في الغالب يتعدون الحدود، فيَضُرُّون بمصالحهم الأخروية،
ومصالح الملة الدنيوية.
إن كان المال العظيم قد امتلكه أصحاب النبي ·
المخلصون، مثل طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وبعض أنبياء
الله تعالى مثل داود وسليمان عليهما السلام، فإن قارون كان يمتلك مالا أعظم، لكن
ماله جرّه إلى الهاوية، ومثله كان حال كثرة القوم أو الأولاد. (التفسير الماجدي)
المال فتنة أم سبب الفتنة؟
قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
أي سبب الوقوع في الفتنة، وهي الاثم أو العذاب.
(البحر المحيط)
ثم ذكر قصة أبي لبابة الذي كان قد وقع في الخطأ
بسبب المال والأهل.
عُلم بذلك أن المال والأولاد قد يعيقان مقاصد
الجهاد، لذلك يجب على المجاهد أن يحذر من الإفراط في حبهما. (والله أعلم بالصواب)
دروس وعبر:
يجب على المجاهد أن يحذر من اتخاذ مصالحه
الشخصية غاية حياته، أو أن يُحرَمَ من أجر الآخرة العظيم لتلك المصالح الفانية،
فإن حب المال والأولاد يشغل القلب بالدنيا، فينسى أعمال الآخرة.
«لأنها تشغل القلب بالدنيا وتحجب عن خدمة
المولى». (التفسير الكبير)
إضافة إلى ما ذكرنا فإن المال والأولاد يجلبان
الجُبن إلى المرء، كما جاء ذلك في الحديث. لكن المال والأولاد يفنيان، وكذلك
الانتفاع من المال والأولاد في الحياة الدنيوية يفني، لذلك يجب على المرء أن لا يُطْلِقَهُما
حتى يعيقا طريق الجهاد، بل عليه أن يسخرهما في خدمة الجهاد ليحوّلهما من نعمة
فانية إلى نعمة أبدية، ما أخرج الله تعالى جماعة المسلمين إلا لنشر الإسلام في
العالم، ولتغليبه عليه، فإن ثبت وجمدَ في حب المال والأولاد مثل الثلج فإنه يضر
بنفسه و بالدعوة الدينية والأمة الإسلامية، لذلك يجب عليه أن يسأل الله تعالى النجاح
في بليته هذه وفتنته.
اللهم إنا نعوذبك من مضلات الفتن. (آمين يا
أرحم الراحمين)
نكتة مهمة:
في الآية السابقة كان قد نهى عن الخيانة، وفي
هذه الآية أرشد إلى طرق الوقاية من الخيانة، وأشار إلى أن أحداً لا يخون إلا
لمصالحه الشخصية، أو لمنفعة أولاده وماله، لذلك لا تتخذوا المال والأولاد غاية
حياتكم، لأنها خُلقت للفتنة، وليكن الأجر العظيم الذي أعدّه الله تعالى لكم مطمح
أنظاركم، وهو لا يحصل إلا بالأمانة والتضحية دون الخيانة. (والله أعلم بالصواب)
نكتة مهمة:
المغالاة في حب الأولاد والمال تُقيّد الإنسان،
وتمنعه من الجهاد وغيره من الأمور الاجتماعية، فتنحصر حياته في الأكل والكسب، وشخص
مثله يُحرم من معالي الهمم والشجاعة، ولا تستفيد منه الأمة، لقد أكّد القرآن على
أن المال والأولاد فتنة، وأراد به إصلاح الإنسان، وقطع القيود التي عرقلت سيره،
لتعلو هممه وعزائمه. (والله أعلم بالصواب)
