{سورة الأنفال مدنية، الآيات 5، 6}

{بسم الله الرحمن الرحيم}
{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)}.

وجوه الربط بين الآيات:

فيما سبق أشار إلى أهم ركائز السعادة والنجاح، يتطرق الآن إلى قصص النجاحات، ويُذكّرهم بالنعم التي أكرمهم بها. (بيان القرآن)
الإشارة إلى بدر:
أشار في هذه الآيات إلى بدر، والذي امتد إلى نهاية الركوع، وبعدها آيات، ثم ذكر مزيداً من التفاصيل في الركوع الرابع والخامس من هذه السورة، وقد سبق بيان جوانب عديدة من غزوة بدر في الركوع الثاني والثاني عشر من سورة آل عمران. (أنوار البيان)

تفسير جامع:

لاحظوا مدى نصر الله وتأييده وتوفيقه لعباده، فقد أخرج رسوله · من بيته بعدما وعده بالنصر الحق، وهو القتال في سبيله، في وقت لم تكن طائفة من المسلمين مستعدة للخروج إلى بدر لمواجهة قريش، وكانت تتردد في أمرٍ صادقٍ عرفوا صدقه على لسان رسول الله ·، وأنه كائن لا محالة، وقد تنازعت الرسول فيه، (أي غلبة المسلمين على عدوهم بفضل الجهاد) شقَّ عليهم مواجهة جيش أبي جهل، كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون. لكن الله وفّقهم للخروج إلى ساحة بدر، ثم أعادهم إلى ديارهم غالبين ظافرين، ومن هنا عرفنا أن جميع ما وقع كان بأمر من الله وتأييده، وأن المغانم التي حصلوا عليها كلها لله، فأنفقوها كما يأمركم  على لسان رسوله ·.

ملحوظة:

قوله تعالى: {كما أخرجك ربك} الكاف فيه ليس لمجرد التشبيه، بل للتعليل، كما قال أبو حيان، وهذا الذي راعيته في تقريري على الآية، كما صرّح به أهل العلم في قوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} وقلت: إن سبب قوله تعالى: {الأنفال لله والرسول} هو قوله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق}. ولم أقل بتقدير: أعزك الله، كما قال أبو حيان.
ثم أثناء تفسير الآية أشرت إلى أن المراد من الخروج ليس مجرد وقت الخروج، بل الخروج الممتد إلى الدخول في الجهاد، كما صرّح به صاحب روح المعاني، وفي ثناياه كانت قصة الفريق الذي قال الله فيه: {إن فريقاً من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق} وكانت كراهية فريق قد ظهرت عند الخروج من المدينة، كما أخرجه مسلم في صحيحه والطبري، وقد ذكرناه في أول سورة الأنفال من باب الفوائد. أما الجدال فالظاهر أنه وقع بعد مغادرة الجيش للمدينة بموضع اسمه صفراء بعدما بلغهم خبر الجيش. وبوعي ما أسلفناه يمكن استيصال أخطاء بعض المبطلين. (التفسير العثماني)

توضيح:

إن التفاسير العربية المعتمدة ذكرت في تفسير هذه الآية ما ذكرناه من التفسير العثماني. لكن بعض المفسرين والمؤرخين بالأردية أخطأوا في تفسيرها لانفعالهم باعتراضات الكفار والمستشرقين، فهؤلاء يطاردهم الخجل على ما فعل المسلمون يوم بدر من مطاردة عير قريش التجارية، وبعضهم يرفض بدء النبي · بمهاجمة جيش أبي جهل، مع أنهما من الأمور التي لا تحتمل أيّ شكّ أو تردّد، إذ لم يكن خروج النبي · من المدينة إلا بنيّة مطاردة عير أبي سفيان، وكان خروجه حقاً، وللجهاد في سبيله، فمطاردة أعداء الله، وإلحاق الأضرار بهم في الأرواح والأموال، وإضعاف قوتهم، وتحصين ثغرات المسلمين، من الأمور التي تشغل بال النبي ·، ثم إن النبي · بنفسه النفيسة قرّر مواجهة جيش أبي جهل، والتي نزلت فيها كثير من الآيات، تثني عليه فيما فعل. فالشعور بالخجل على هذه الأعمال يستحق الخجل، وما إسدال ستار التأويل عليها إلا سعي إلى تشويه تاريخنا المجيد. (والله أعلم بالصواب)

الجهاد حق:

(1) أخرج الله نبيه يوم بدر من بيته إلى ساحة القتال بالحق، وهو الجهاد في سبيله. (التفسير العثماني)
(2) يجادلونك في الحق: القتال. (تفسير الجلالين)
(3) الحق الذي جادلوا فيه رسول الله · تلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير. (المدارك)
(4) ومعنى في الحق أي في القتال. (القرطبي)
(5) أي هم في العمل الذي لا يخلو عن مصلحة، وهو الجهاد ومواجهة الكفار، كانوا يجادلون بعدما ظهر لهم الحق. (بيان القرآن)

إشكال وجوابه:

فيما يلي نسرد ما كتبه أحد خُبراء القانون الدولي اليوم بشأن الجوانب القانونية من معركة بدر:
سلب عير قريش ونهبها يعتبر قطعاً للطريق إن كانوا أبرياء، وأن الناهبين كانوا أفراداً دون حكومة. (التفسير الماجدي)
إعراب كلمة (كما)..
كلمة (ك) في قوله تعالى: {كما أخرجك ربك} للتشبيه، وقيل للتأويل، وقيل للقسم، ثم هي في موضع النصب أم الرفع، قولان، ثم الكاف إن كانت للتشبيه فما المشبّه؟ فيه أقوال لأهل العلم، وقبل اطلاعك على قول رائع فيه، أرجو من طلبة العلم ملاحظة بعض النصوص.
(1) قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق، والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفّل من شئت وإن كرهوا. (القرطبي)
وبه قال اللاهوري، كما قال: الكاف متعلقة بإمض، وتقديره: امض لأمر الله تعالى في الأنفال وإن كرهوا، كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت، أي كما أن فريقاً من المؤمنين كان كارها للقتال، فلم تبال بهم، ومضيت لسبيلك، فامض الآن في تقسيم الغنائم لسبيلك، ولا تبال بهم. (حاشية اللاهوري).
(2) قال أبو عبيدة:
هو قسم أي والذي أخرجك، فالكاف بمعنى الواو، وما بمعنى الذي. (القرطبي) وقد ردّ عليه صاحب البحر المحيط.
(3) وكما خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال في حال كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم، وقد كان خيراً لهم. (تفسير الجلالين)
وهذا الذي اختاره صاحب التفسير الحقاني.
(4) والكاف في (كما) إن كانت للتشبيه فهي للتعليل أيضاً. (البحر المحيط)

الحاصل:

هناك عدة أقوال في معنى الكاف والإعراب، وقد بلغ بها أبو حيان الأندلسي إلى خمسة عشر قولاً في البحر المحيط، ثم أورد مناماً من مناماته، ثم اختار القول السادس عشر، وفي ضوء هذه الأقوال يتبيّن أنّ الله تعالى جعل خروج نبيه · مثالاً لكثير من الأمور، وأنه جعل غزوة بدر نموذجاً يُحتذى به للفوز والغلبة.

قال الإمام أبو حيان رحمه الله:

فكان المعنى إن خرجت لإعزاز دين الله، وقتل أعدائه نصرك الله، وأمدك بالملائكة. (البحر المحيط)
وهذا الذي يشير إليه الربط بين الآيات، والذي سردناه من بيان القرآن، أي كأنّ منهج النصر والغلبة الذي ذكره الله تعالى في الآيات السابقة، صدّقه بذكر بعض الوقائع في هذه الآية. (والله أعلم بالصواب)

قول رائع:

لقد ربط بعض أهل العلم هذه الآية بالآية رقم 12 {فاضربوا} والمعنى: إن الله أخرجك من بيتك وأمدك بنصره وتأييده، لذلك اقتل المشركين، وأكثر من الإيقاع بهم.
حيث قال القرطبي رحمه الله:
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشّاكم النعاس أمنة منه، وأنزل من السماء ماءً ليطهركم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين، فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان. (القرطبي)

دفع إشكال:

لم تكن كراهة بعض المسلمين لمواجهة ذات الشوكة من الطائفتين إلا أمراً طبيعيا بحتاً، ووصف اهتمامهم بالأمر المذكور أثناء المشاورة بالمجادلة، كما أوضح صاحب المدارك وصاحب بيان القرآن.

وفي التفسير الماجدي:

من المفارقات أن يواجه ثلاثمائة وثلاثة عشر وبدون معدات قتالية، جيشا قوامه تسعمائة وخمسون، مجهزاً بالسنان والسيوف، فكان الخوف أمراً طبيعيا لا يعاتبون عليه، شأنهم شأن تقي صالح يتخوّف من الحية والأسد عند اعتراضهما طريقه من باب الصُدفة. فمشاعر الحزن والخوف الطبيعية لا يستثنى منها الأنبياء، فما بالك بمن هو دونهم من الصحابة الذين أكرمهم الله بصحبة رسوله ·. وعلى كل حال، هي مشاعر وأحاسيس طبيعية لا مفر منها. أما قوله تعالى: {فريقا من المؤمنين} فيشير إلى أن بعضهم كانوا يحملون تلك المشاعر، وليس كلهم. (التفسير الماجدي)
قال صاحب المدارك: ويحتمل أن يكونوا مخلصين، وأن يكون ذلك كراهة طبع، لأنهم غير متأهبين له. (المدارك)
ليس بإمكان المرء إدراك أبعاد الجهاد بعقله، فكان البعض يتنازع فيه مع رسول الله ·، فمواجهة جيش يزيدهم ضعفين، والخروج من البيت الآمن إلى ساحة القتال والموت، واختيار ذات الشوكة من الطائفتين - الهدف الأصعب - للمواجهة، كل هذه أمور يعجز العقل عن إدراك أبعادها، غير أنهم أمروا بالسمع والطاعة، وعلى أثره ظهرت لهم المقاصد والحِكَم. ومن هنا عرفنا أن وضعاً مشابهاً بما كان يوم بدر لا يزال يستمر إلى يوم القيامة، ولا يمكن إدراك أبعاد الجهاد لمن أعمل عقله دون الاستفادة من وحي السماء، وبالتالي يحرم من نعمة المشاركة فيه. أما الذين يلبّون نداء الرب، ويوقنون بوعود الآخرة، طامعين في الحياة الأبدية، يدركون أبعاده وحِكَمه، ويوفّقون للقيام بالبطولات والإنجازات العظيمة بصفتهم جنود الله، يكرمهم الله بالمراتب العالية. قوموا بمراجعة صفحات التاريخ من يوم بدر إلى يومنا هذا، ثم تأملوا هذه الآيات، تفهمون الموضوع بأكمله، فالله يُخرج عباده المكرمين من بيوتهم الآمنة إلى ساحة القتال، ثم تحيط بهم رحمته ونصره.
ومن سعى إلى وزن الجهاد بميزان العقل والمنطق، التزم بيته ولم يخرج منه، وحُرم من نعمة الجهاد والمراتب العالية، أما الموت فلا مفر منه، رغم تخلفهم عن الجهاد فراراً منه، وكان هذا حال بعض المنافقين المتخلفين يوم بدر، قال النسفي رحمه الله: قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: يحتمل أنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقاداً. (المدارك)
وبما أن النبي · لم يأمرهم بالخروج بشكل مؤكد، لذلك لم يتمكن بعض المؤمنين المخلصين من المشاركة فيها، أما الذين وفّقهم الله للخروج فقد سُمّوا بالبدرييّن، أكرم وأعز جماعة في تاريخ الإسلام الذين تغبطهم الملائكة. (والله أعلم بالصواب)

الخروج في سبيل الله نعمة عظيمة:

أشار الله تعالى بلفظ {كما أخرجك ربك} إلى كرمه وإحسانه عليه · إذ أخرجه من بيته للجهاد في سبيله.
قال التهانوي رحمه الله:
أي كان إخراجه من بيته للجهاد نعمة له.
يا ليت لو أدرك المسلمون هذه الحقيقة، وتأملوا لفظ (ربك) بأن التوفيق للخروج من البيت كان من الله، لعرفوا مرتبة الجهاد ومكانته. (والله أعلم)

دروس وعبر:


إن غزوة بدر تزخر بالدروس والعبر للمسلمين، واستفدنا من الآيتين المذكورتين أن الواجب على المسلمين الاهتمام بالخروج من المنازل للجهاد، وأن عليهم أن يتناولوا الجهاد باعتباره أمراً ربانياً وليس أمراً يُقاس بمقاييس العقل والمنطق.





[1] العلامة الشبلي النعماني، صاحب سيرة المصطفى بالأردية.