بسم الله الرحمن الرحيم
{وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدَى
الطَّائِفَتَيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّوْنَ أنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ
لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِه وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِيْن،
لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ البَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرمُوْن}.
ملخص معاني الآيتين:
أشار فيهما إلى ما قطع الله تعالى على نفسه من
وعد التمكين على إحدى الطائفتين، إحداهما قادمة من بلاد الشام مع البضائع
التجارية، وثانيتهما خرجت من مكة أشراً وبطراً.
كان المسلمون يتمنون لقاء العير التجارية،
وأراد الله تعالى أن يكون اللقاء مع الطائفة المُدَجَّجَة بالسلاح، ليحق الحق على
الناس بأمره بالجهاد، ويستأصل الشرك وجذوره من أصولها رغم أنف المشركين.
أقوال أهل العلم ومصادرها
لقاء الكفار نعمة:
والنعمة هنا هي «لقاء المشركين» ؛ إذ ترتب عليه
الخير، كما أن النعمة الأولى هي «الإخراج». (بيان القرآن)
أشار فيها إلى أن الله سبحانه وتعالى أنعم
عليكم بإخراجكم للقاء جيش أكبر منكم عدداً وعُدّةً، وكان استعداد المسلمين – الأقل عددا وعُدّة - لمواجهة جيش أضخم منه دليلاً على أنهم على الحق، إذ لو
لا نعمة الله عليهم وتوفيقه لما أمكن لهم ذلك، فمغامرتهم بالروح والغالي إن دلّت
على شيء فإنها تدل على صدق الإسلام وحقانيته. (والله أعلم بالصواب)
كلمة خير وبركة:
كان النبي · قد أكّد لهم أنهم سيجتمعون مع إحدى
الطائفتين، إما العير وإما التي خرجت لإنقاذها، فكان المسلمون يتمنون لقاء العير،
لكن الذي وقع كان خيرا، فقد أدى إلى إضعاف الشرك وشوكته. (موضح القرآن)
قال الشيخ شبير أحمد العثماني في «التفسير
العثماني»:
«كان المسلمون يتمنون لقاء العير؛ لما فيه من
عافية الجسم ومكسب المال، وأراد الله تعالى أن تُجابه جماعةُ المسلمين المتواضعةُ
جيشاً تزيده أضعافا مضاعفة ليُحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، وليبرهن على
أن وعده حق، رغم أنف المشركين. فكان كما أراد، إذ قُتل سبعون من زعماء الكفر
والشرك، من أبي جهل وغيره، واُسر سبعون، فأدى إلى قصم ظهر الكفر، وإحداث زعزعة في
بُنيان الشرك بمكة، فلله الحمد والمنة». (التفسير العثماني)
إحقاق الحق:
نعود ثانيةً لنتأمل في أن الله سبحانه وتعالى
أعاد كلمة «يُحق الحق ويُبطل الباطل» مرتين في الآيتين الكريمتين، ففي الآية
الأولى قال: {ويُريد الله أن يُحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} ثم أعقبها
بقوله: {ليُحِقَّ الحقَ ويُبطِل الباطل}.
قد يتساءل هنا أحد أن الحق لاشك أنه حق، فما
معنى إحقاقه؟
ثانيا: لماذا أعاد الكلمة الواحدة مرتين؟ فهل
هما لمعنى واحد أو لمعنيين مختلفين؟
أجاب عنه الإمام الرازي، وقال: «المراد من
تحقيق الحق وإبطال الباطل، بإظهار كون ذلك الحق حقا، وإظهار كون ذلك الباطل باطلا».
(التفسير الكبير)
وفي ثنايا رده على السؤال الثاني قال الرازي:
«ليس ههنا تكرير، لأن المراد بالأول سبب ما وعد
به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين
ونصرة هذه الشريعة؛ لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة
الدين وقوّته، ولهذا السبب قرنه بقوله: ويبطل الباطل الذي هو الشرك، وذلك في
مقابلة الحق الذي هو الدين والإيمان». (التفسير الكبير)
وملخص كلامه أنه قصد بقوله: «يُحق الحق»
الانتصار على المشركين يوم بدر، وقصد بقوله : «لِيُحقّ الحقَّ» غلبة الإسلام
والقرآن والشريعة، إذ ترتب على انتصار بدر تقوية الإسلام وتأييده.
ومثله ما قال القرطبي:
{لِيُحق الحَقَّ} أي يظهر دين الإسلام ويعزه،
{ويُبطِلَ البَاطِلَ} أي الكفر. (القرطبي)
والمعنى أن الحق لا يبدو للعامة إلا إذا انتصر
المسلمون الضعفاء على أعداءهم الأقوياء، كما أنه يحث الكفار على مراجعة ما هم عليه
من الدين والعقيدة، ويُنير الطريق لمن كان يبحث عن الحق والصدق، فيَتخلون عن الكفر،
ويدخلون في دين الله أفواجا، ومن هنا وجب على أهل الإيمان بذل ما في وسعهم لتغليب
الإسلام وأهله، ولدحر الشرك وتابعيه، ليتحقق الحق للناس وليتيسر لهم الدخول في دين
الله.
قال صاحب «تفسير الفرقان»:
إنّ ممّا أوجب الله تعالى على عباده المؤمنين
المخلصين : إعلاء كلمة الحق ونصره، إذ لم يُخلق الكفرُ إلا لأن يجتهد المؤمنون في
إزهاقه، ليتميّزوا عن غيرهم. (تفسير الفرقان)
فباختصار، إن الحق حق، لكنه لا يبدو للناس إلا
بواسطة الجهاد، لذلك أوقف المسلمين أمام المشركين يوم بدر، ووفّقهم للجهاد في
سبيله، وبفضل الجهاد تحقق الحق للجميع، كما تحقق زيغ الباطل، وقضى على بذور الشرك
والكفر. فكلما استعد المسلمون مثل استعدادهم يوم بدر، وقاموا بإحياء فريضة الجهاد،
أعلى الله كلمة الحق، وأذل كلمة الباطل، فهل يُعجب زعماء الكفر ذلك؟ أشار إليه
بقوله: {وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُوْن} حيث يرفعون الدنيا على الرؤوس ضد الجهاد
والمجاهدين، أو بتعبير آخر: يسعون إلى إذلالهم، والواجب على المؤمنين أن لا يغتمُّوا
ولا يحزنوا، فإن العزة لله جميعا، وليس بيد الكفر والكفار شيء. (والله أعلم
بالصواب)
ماذا أراد بلفظ (كلماته)؟
قال الله تعالى: {ويُرِيدُ اللهُ أنْ يُحقَّ
الحَقَّ بِكَلِمَاتِه} فما معنى (كلماته)؟
قال القرطبي: بكلماته أي بوعده، فيغلب الحق على
الباطل كما وعد، ووعده هو ما جاء في الآيتين التاليتين:
(1) {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبرى، إنَّا
مُنتَقِمُون} (الدخان 16) أي ننتقم من أبي
جهل وأصحابه.
(2) {لِيُظْهِرَهُ علَى الدِّينِ كُلِّه}
(التوبة 33 والفتح 28).
وقيل: المراد من (كلماته) الأمر بالجهاد، كما
قال القرطبي رحمه الله:
«بكلماته أي بأمره إياكم أن تجاهدوهم».
(القرطبي)
وقال النسفي رحمه الله تعالى : «بكلماته المنزَّلة
في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة وبما قضى من قتلهم
وطرحهم في قليب بدر».(المدارك)
{وَلَوْ كَرِهَ المجْرِمُوْن}..
لاشك في أن الكفار مجرمون، وأنهم لا يحبون
انتصار الحق على الباطل. وهذه هي الكلمة التي يحتاج المسلمون إلى عقدها في قلوبهم،
وبها يمكنهم الخروج من تبعة ما يقال: «لقد ضيّع الإسلام سُمعته بين الكفار» إذ ما
من عمل ينفع المسلمين إلا وكان قبيحا ومذموما عند أعدائهم، فهل ينفعل المسلمون
بغباء أعدائهم وأفكارهم المضللة؟ (نعوذ بالله منها نعوذ بالله منها). والله أعلم
بالصواب
الدروس المستفادة من غزوة بدر:
يوجد كَمٌّ هائل من الدروس والعبر في غزوة بدر
للمسلمين، ففي الآيتين المذكورتين أكّد الله تعالى على ضرورة توجيه ضربة قوية إلى
مجمع قوة الكفر والشرك، وعلى ضرورة إحياء عملية الجهاد في سبيل الله، لِيَحِقَّ
الحقُ، وليتحقق ضلال الباطل.
