{سورة الأنفال مدنية، الآيات : 9، 10}

بسم الله الرحمن الرحيم

{إذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم أنِّي مُمِدُّكُم بِألْف مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِيْن، وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوْبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عَزِيْزٌ حَكِيْم}.

ملخص معاني الآيتين:

لقد طلبتم النصر من ربكم عشية اللقاء مع المشركين ببدر، فقبل الله دعوتكم، ووعدكم بإرسال ألف من الملائكة متتابعين، لم يكن نزول الملائكة لمساعدتكم إلا تبشيراً بنصر الله لكم، وتطميناً لقلوبكم، إذ النصر الحقيقي من الله تعالى العزيز الحكيم. (لذلك قوّوا صلتكم بربكم، ولا تثقوا في الملائكة وغيرهم من الأسباب الظاهرة، لأن الغلبة الحقيقية لا تكون إلا بإذن الله، وبالطريقة التي يختارها، فالنصر الحقيقي لا يكون إلا من الله، ولا يتعين عليه شيء، فقد ينصر بواسطة الأسباب الظاهرة، وقد ينصر بدونها).

سبب نزول الآية:

أما ما يتعلق بسبب نزول الآية الكريمة، فقد أورد فيها المفسرون حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وقبل سرد لفظ الحديث نلاحظ العبارة التالية التي ذكرها صاحب التفسير الحقاني في تفسيرها:
كلمة «الغوث» تدل على المناصرة والمساعدة، وكلمة «الاستغاثة» تدل على طلب المناصرة والمساعدة. ولمّا وصل النبي · مع أصحابه إلى بدر، واجه حرارة شديدة، ووجد أن الماء قد انفلت من يديه، إذ سبق إليه المشركون، ثم اطلع على أعداد المشركين، فعرف أنهم بثلاثة أضعاف عدد المسلمين، إذ كانوا ألف مقاتل مدجّجين بالسلاح، وأن أصحابه لا يتجاوزون على ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، إضافة إلى الجوع والعطش اللذين كادا يقضيان عليهم، فرفعوا أيديهم إلى السماء وتضرعوا إلى ربهم مبتهلين سائلين نصره وتأييده، كما قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي · توجه إلى العريش ومعه أبو بكر، فاستقبل القبلة، ثم رفع يديه يدعو ربه متضرعا متكسرا، وقال: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم ائتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فمازال يدعو ربه حتى سقط رداءه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه: وقال يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: {إذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم أنِّي مُمِدُّكُم بِألْف مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِيْن} نزل بها جبريل، فقال النبي · هذا جبريل آخذ زمام فرسه متشحاً بقوسه.
ومعنى كلمة «مردفين» متتابعين، حيث وعد الله بالنصر بألف من الملائكة، ثم زاد، فصاروا ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف، كما في سورة آل عمران. وقد أجمع المفسرون على نزول الملائكة من السماء ومعهم السلاح لمساعدة المسلمين، لكنهم اختلفوا في: هل هم باشروا القتال أم لا؟
وقد ثبت بما أخرجه أهل الحديث في كتبهم أنهم باشروا القتال، ففيما أخرجه مسلم أن رجلا من المسلمين تقدم إلى مشرك ليقتله، فوجده صريعا بين يديه، وعلى فمه أثر وقع السوط، وقد سمع صوتا يقول: «أقدم حيزوم».
وقيل: إن الملائكة لم يباشروا القتال، بل كان نزولهم للربط على قلوب المؤمنين وتقويتهم، كما قال الله تعالى: {وما جعله الله إلا بُشرى..} الخ. أي كان نزولهم لمجرد تطمينكم، إذ النصر من الله تعالى.
وهو لا يتعارض إن سلّمنا أنهم باشروا القتال. (التفسير الحقاني)

قال القرطبي رحمه الله:

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
لما كان يوم بدر نظر رسول الله · إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله · القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم ائتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم} الآية. فأمده الله بالملائكة. (القرطبي)
والغرض من سرد الحديث هنا تحريض أهل العلم على الدعاء للمجاهدين بالهيئة التي دعا النبي · للمجاهدين يوم بدر، ويجب على المجاهدين أن يدعوا لأنفسهم خاشعين متضرعين مبتهلين منيبين إلى الله تعالى.

الدعاء إثر تكوّن جوّ القتال:

واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لابد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون أي ربنا انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا. (المدارك)
دلَّ على وجوب التوجّه إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع بدلاً من الفرار يوم الزحف لكثرة أعداد العدوّ وعُدّته.

لينظر المجاهدون إلى الله:

قال القرطبي رحمه الله:
{ومَا النَّصْرُ إلاّ من عِنْدِ اللهِ} نبّه على أن النصر من عنده جل وعزّ لا من الملائكة، أي لو لا نصره لما أغناهم كثرة أعداد الملائكة.

 وقال النسفي رحمه الله تعالى:

ولا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة. (المدارك)
ومن هنا عرفنا أن الاتكال على الملائكة إن لم يكن صحيحاً فمِن الأولى أن لا يصح على غيرهم من البشر والأسباب المادية، فالمسلم لا يجاهد إلا لله، ولا ينصره إلا الله، الذي يُظهره على أعدائه، فيفوز بسعادة الدنيا والآخرة. وسعياً إلى المحافظة على هذه النكتة المهمة من عقيدة المسلم عزل عمر بن الخطاب خالداً عن القيادة، حتى لا يزعم أحد أن الانتصارات التي تحققت للمسلمين كانت بسبب خالد بن الوليد. ولاشك أن للزعامة والقيادة دوراً في الحروب، لكنه تابع لمشيئة الله وإرادته، ويجب على المجاهد أن لا ينظر إلا إلى الله، فلا ينطلق إلا من باب الثقة بالله والاتكال عليه. وقد تخلى اليوم كثير من الناس عن الجهاد في سبيل الله في انتظار الإمام المهدي رضي الله عنه، ويجب على هؤلاء أن يتدبروا هذه الآية.

عزيز حكيم:

عزيز أي قوي وقادر على النصر مباشرة بدون استخدام وسائط. حكيم أي حكمته تقتضي مراعاة الأسباب، لذلك ينصر المؤمنين بالوسائل والوسائط. (التفسير الماجدي)

دروس مستفادة من الآية:

تزخر غزوة بدر بأعداد هائلة من الدروس والعبر للمؤمنين، أحدها أن لا يفقد المسلم معنوياته نظراً إلى كثرة عدد العدو وعُدّته، بل يجب عليه أن يتضرع إلى ربه بالخشوع والخضوع والتكسر والثقة بوعده بالنصر والظفر.
ومنها أنه يجب على خواص الأمة من أهل العلم والذكر والتقوى أن يبالغوا في الدعاء لإخوانهم الذين يجاهدون في سبيل الله.
ومنها أن الجهاد من أحد الأعمال التي ينزل فيها الملائكة المقربون.
وهناك درس مهم توصلنا إليه، وهو أن النصر الحقيقي لا يكون إلا من الله تعالى، ولا يتعين عليه شيء من وجوه النصر، فيلزم على المؤمن أن لا ينظر إلا إلى الناصر الحقيقي، ولا ينظر إلى أسباب النصر.