{بسم الله الرحمن الرحيم}
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ
الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)}.
ملخص معاني الآية:
الغنائم ليست لأحد، إنما هي لله ولرسوله ·،
فاقطعوا صلتكم بها، ولا تطمعوا فيها، واتقوا الله، وأصلحوا روابطكم ومعاملاتكم،
وأطيعوا الله ورسوله، إن كنتم مؤمنين.
فائدة:
وقعت غنائم كثيرة بأيدي المسلمين يوم بدر، وما
كانت لديهم ضوابط بشأن تقسيمها، وكان 313 مجاهدا الذين قطعوا شوطا كبيراً في
ميادين الهجرة والمناصرة بعيدين كل البُعد عن طمع المال، لم يكن يهمهم شيء إلا رضا
الله سبحانه وتعالى، ساعين إلى دار الآخرة، فقد واجهوا جيشا يكبرهم كثيرا من ناحية
العدد والعُدّة، وبما أن الغنائم لم تكن تخلو عن خير وبركة، ونالوها بفضل من الله
ونصره المؤزّر، لذلك وقع اختلاف طفيف في تقسيمها، حتى جاء الإعلان من الله وقال:
{الأنفال لله والرسول} وعلى إثره اقتلعوا عنه، وقطعوا صلتهم بها مرةً ثانية، فأنزل
الله : {واعلموا أنما غنمتم} يحمل ضوابط تقسيمها، ثم أعيدت إليهم. (والله أعلم
بالصواب)
فائدة:
لقد بيّن الله تعالى في هذه الآيات منهج الفتح
والظفر في الجهاد إلى يوم القيامة، وهذا المنهج يحتوي على خمس نقاط تضمن النجاح في
الدنيا والآخرة، والعاملون به من المجاهدين يحالفهم النصر والغلبة دائما، فقد قال
الله تعالى في القرآن الكريم: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} وذكر في الآية
الأمور الخمسة التي هي من مقتضيات الإيمان:
(1) طاعة الله تعالى. (2) طاعة الرسول · (3)
التقوى (4) إصلاح ذات البين (5) قطع الأطماع الدنيوية من الجهاد.
فما من مجاهد، أو جماعة من المجاهدين، تهتم بالأمور
الخمسة إلا وصارت على وتيرة غزوة بدر، تستدعي نصر الله وتأييده، وما من جيش تحلى
بالأمور المذكورة إلا ويصعب على القوى الشيطانية الثبات أمامه. (والله أعلم
بالصواب)
الأقوال
ومراجعها:
{يسألونك عن الأنفال} أي كيف مصرفها ومن
المستحق لها. (التفسير الكبير). أي الغنائم لمن هي. (تفسير الجلالين) {يسألونك عن
الأنفال} أي من الأنفال، والمراد من هذا السؤال الاستعطاء. (التفسير الكبير)
من السائل؟
وهم أقوام من الصحابة. (التفسير الكبير)
وقال الإمام القرطبي رحمه الله:
عن أبي أمامة الباهلي قال سألت عبادة بن الصامت
عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه
أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى الرسول، فقسّمه رسول الله · عن بواء.
(القرطبي)
وفي تفسير الجلالين:
لما اختلف المسلمون في غنائم بدر، فقال الشبان:
هي لنا، لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردءاً لكم تحت الرايات، ولو انكشفتم
لفئتم إلينا فلا تستأثروا بها، نزل : {يسألونك} يا محمد {عن الأنفال}. (تفسير
الجلالين)
فائدة:
لقد تحقق لهم فتح عظيم رغم قلة عددهم وعُدتهم،
فقد نزل جبريل مع الملائكة للمحاربة إلى جانب المؤمنين، وتراكمت جثث أقوى رموز
الكفر والشرك بأرض الحجاز، سقط سبعون منهم أسيرا على أيدي المسلمين، فكان مبعث فرح
وسعادة للمضطهدين من المسلمين، والذي دفعهم إلى المنازعة لبعض الوقت، حتى نزل
الوحي، وأرجعهم إلى الصواب، وأرشدهم إلى ضرورة المحافظة على الإيمان والطاعة
والتقوى وتوحيد الكلمة وإخلاص النية وغيرها من الأمور التي كانت وراء الانتصار،
فلا تركّزوا أنظاركم على حطام الدنيا، انظروا إلى ما أعد الله لكم من جنة عالية،
ومغفرة وعزة ورزق في الآخرة. ولم يكن ليتحقق لكم ما تحقق إلا بفضل بروزكم في ساحة
الشهادة مفعمين بالإخلاص، لم تكونوا تطمعون في حطام الدنيا، فجمع الله لكم بين
الفتح والغنيمة. فالواجب عليكم المحافظة على الإخلاص والتفاني اللَّذَين يستنزلان
نصر الله، إذ لا يتحقق الفتح للمؤمنين إلا بنصر الله تعالى. (والله أعلم بالصواب)
وقال الشاه عبد القادر رحمه الله:
أثناء المعركة باشر القتالَ بعضُ المسلمين،
والبعض الآخر كانوا ردءًا لهم، وعند جمع المغانم قال المباشرون: فتح الله علينا
بجهودنا، وقال الشيوخ: ما كان لكم أن تحاربوا لو لم نكن ردءًا لكم، ولو انكشفتم
لفئتم إلينا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأسكتهم، وأخبرهم أن الفتح كان بنصر الله،
ولم يكن بفضل جهودهم وسواعدهم.
ومن هنا تقرر أن المال لله، ولرسوله · نيابة
عنه، ثم ذكر وبسط الموضوع، وأكّد على أن الفتح لم يكن إلا بفضل الله ونصره
وتأييده. (موضح القرآن)
إصلاح المسلمين بشكل قوي:
{قل الأنفال لله والرسول}..
«فهما المالك والمختار في توجيه الغنائم حيث
شاءا، فكان رداً على من يقول: إن المغانم حق الغزاة والمجاهدين وجنود الجيش
الإسلامي، الذين وعدهم الله بالأجر في الآخرة، وجزاءهم الموعود الجنة ونعيمها، ولا
يقاتلوا في سبيل الله بنية امتلاك الغنائم والتصرف فيها. قبل ظهور الإسلام كانت
القوى العظمى المتحضرة والمتقدمة تحكم الأرض، وتبسط سلطانها فيها، خاضت فيما بينها
معارك طاحنة، كما أنتجت مصر والهند وفارس واليونان والروم عباقرة السياسة
والاقتصاد، وقدّموا نظريات متنوعة في مصارف الغنائم، وهذه أول مرة في تاريخ
البشرية إذ ينزل القرآن ليتحدّى تلك النظريات، فقد أكّد على أن المغانم ليست ملكاً
لمَلِكٍ ولا لضُبّاط الجيش والعسكر، ولا للدولة والشعب، إنما هي لله أصالة وحقيقة.
ولا طريق إلى إنشاء مشاعر الإخلاص في قلوب الناس أفضل منه». (التفسير الماجدي).
أصل اقتصادي إسلامي مهم:
{لله} لاحظوا كم كان الجواب حكيما وبليغا، بأن
المالك للغنائم هو مالك الأرواح والأملاك، كأنه قال: إن كانت الربوبية من صفاته
الخاصة، فكذلك المالكية من صفاته المميزة، فهو مالك كل نفس ومال، وله الحكم في
الدولة الإسلامية، والسلطة العليا، الأرض له، وكذلك الأموال التي استولوا عليها من
العدو، فكل مال له، وله الخيار في التصرف فيها، يقسمه كيف يشاء. (التفسير الماجدي)
فباختصار، ليس من مهام المجاهد إلا الجهاد في
سبيل الله لإعلاء دينه ولنيل رضا ربه، أما ما يتعلق بطعامه وشرابه، فليوكّله إلى
ربه، وليعلم أن المال لله، وليُخلص نيته، وما أصاب من مال فليعلم أنه هبة من ربه،
وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين، فلا يعتبر أحداً مالكاً للمال ورازقا، فكأنه
سبحانه وتعالى أصلح نيةَ المجاهد وفِكْرَه بكلمة واحدة.
وبصلاح النية ينشأ الإخلاص في قلبه، وبصلاح
فكره في المال يستغنى عن الخلائق كافة فيما يتعلق برزقه، ومجاهد مخلص هذه صفاته
يقدر على مواجهة كفار الدنيا كلها.
التقوى والجهاد:
ثم أمرهم بالتقوى بقوله {فاتقوا الله} أي
مكّنوا الإيمان من قلوبكم، واعملوا بمقتضياته، واحذروا معصية الله عمداً، إن
أنشأتم حكم الله في قلوبكم، استخلفكم في الأرض، إن انتهيتم عن المعاصي والذنوب،
فتح عليكم أبواب نعمته، إن فرضتم القيود على أنفسكم طلبا لرضاه فإنه أكرمكم
بالحرية والغلبة. والإيمان من أهم أساسيات نزول نصر الله في الجهاد، كما تجب ملازمة
التقوى، والتقوى أهم عنصر يحوّل حربا إلى جهاد، كما قال الشيخ دريابادي رحمه الله:
{فاتقوا الله} شمل الحقوق كلها، ومن ضمنها
الحرب، التي تبدو مادّية ودنيوية، وهنا لاحظوا القرآن الكريم، فقد حرص على أن تكون
دينية وروحية بفرض القيود المتنوعة عليها، حتى لا تتفرط في جانب منها. (التفسير
الماجدي)
من أحد معاني التقوى الغريب:
التقوى مهم في مراحل الجهاد كلها، حتى لا يحرم
من النصر في شيء من مواقعه، ولا يتم استخدام قواه في موقع خاطئ، لكن التقوى الذي
اُمر به المجاهد هنا هو خاص بذات البين، أمرهم بتقوى الله والحذر من النزاع فيما
بينهم، وأفضل طريق إلى الوقاية من المنازعة: طاعة الأمير.
قال الإمام القرطبي رحمه الله:
{فاتقوا الله وأصلحوا ذاتَ بينكم} أمر بالتقوى
والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللهم أصلح ذات البين، أي
الحال التي يقع بها الاجتماع، فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف، أو مالت
النفوس إلى التشاح. (القرطبي)
وهذا يعني أنه لا سبيل إلى توحيد كلمة المسلمين
وتحلّي قلوبهم بالتقوى إلا بالطاعة، ولا بد من التوافق والتلاحم في الجهاد. كما
قال صاحب الكشاف:
فاتقوا الله في الاختلاف والتخاصم، وكونوا
متحدين متآخين في الله.
وقال الرازي رحمه الله:
معناه : فاتقوا عقاب الله ولا تُقْدِموا على
معصية الله، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال، وارضوا بما حكم به رسول
الله ·.
وقال الإمام أبو حيان رحمه الله:
وأمرهم بالتقوى ليزول عنهم التخاصم. (البحر
المحيط)
أكبر خطر يهدّد الجهاد:
إن سورة الأنفال تُربّي المسلمين على الجهاد،
وتُعلّمهم طُرق الفتح والغلبة، فالجملة الأولى أصلحت نيّاتهم، وأخرجت من قلب
المجاهد حب الدنيا وحطامها ليصبح جنديا يُضحّي لربه بالغالي والنفيس. ومن هنا
عرفنا أن حب الدنيا من أخطر الأشياء بالنسبة للجهاد، لأن حبها تمنعه من الخروج في
سبيل الله، ثم إن خرج فإنه يسير به على طريق الهزيمة والخذلان. لذلك قال الله
تعالى: {قل الأنفال لله والرسول}. ثم إن المال يتسبب في النزاع بين المجاهدين في
أكثر الحالات، كما في غزوة بدر، لذلك خوّفهم الله بعقوبته، وأمرهم بالتقوى، ومنعهم
من النزاع والخصام الذي سببه المال.
قال صاحب المدارك:
{فاتقوا الله} في الاختلاف والتخاصم وكونوا
متآخين في الله. (المدارك)
ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى علّمهم الإخلاص
بقوله {قل الأنفال لله والرسول} ثم بقوله {فاتقوا الله} التقوى. فصلحت النية، واحتفظوا
بالجمع.
قال الآلوسي رحمه الله:
فاتقوه سبحانه وتعالى، واجتنبوا ما أنتم فيه من
المشاجرة فيها، والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى. (روح المعاني)
فوائد التقوى العجيبة:
ما التقوى؟ وما فوائده التي ذكرها القرآن؟ وكيف
يحصل التقوى؟ لمعرفة أجوبتها راجع «أربعون مرضا في اليهود» ص 158.
العلاقات بين المجاهدين:
قال الله تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم}..
(1) قال الإمام النسفي رحمه الله:
يعني ما بينكم من الأحوال التي تكون أحوال ألفة
ومحبة واتفاق. (المدارك)
(2) {وأصلحوا ذات بينكم} أي أصلحوا العلاقات
البينية بينكم بحيث لا تتطرق إليكم مشاعر التحاسد والتباغض، وقوموا بتأدية حقوق
العباد بشكل كامل. (التفسير الماجدي)
(3) أراد به وقاية اللسان. قال الإمام ابن كثير
رحمه الله:
وقال السدي {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} أي
لا تستبوا. (ابن كثير)
وقال الرازي رحمه الله:
{وأصلحوا ذات بينكم} ولا تظالموا ولا تخاصموا
ولا تشاجروا. (ابن كثير)
تسالموا ولا تنازعوا على الأمور التافهة.
(التفسير العثماني)
(5) وقال عدد من المفسرين: معنى قوله تعالى:
{وأصلحوا ذات بينكم} أصلحوا ما وقع بينكم من نزاع وشجار على الغنائم وتقسيمها،
واسعوا إلى تفاديها بردّ ما أخذتم من الأموال، أي أزيلوا بقايا النزاع وآثار
الخلاف.
كما قال الآلوسي رحمه الله:
وعن عطاء كان الإصلاح بينهم أن دعاهم رسول الله
· وقال: اقسموا غنائمكم بالعدل: فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا، فقال عليه الصلاة
والسلام: ليرد بعضكم على بعض. (روح المعاني)
ملخص التقرير:
لا سبيل إلى النصر والغلبة في الجهاد بدون
توحيد الصفوف والتكاتف، فإن أدّى التوافق إلى التآلف كان أدعى إلى تضاعف القوة،
أما التنازع والتخاصم فسبب لذهاب الريح، وضعف القوة. ومن أهم أسباب النزاع في
الجماعة المال، لذلك قال الله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} لكي يلفت انتباه
المجاهدين عن المال إلى غيره. وسبب الاختلاف الثاني هو إعجاب المرء بنفسه، لذلك
أمرهم بالتقوي كي يحذروا اتباع النفس الأمّارة بالسوء. ثم أمرهم بالمبادرة إلى
إصلاح ذات البين بألفاظ صريحة، وإصلاح ما فسدت من العلاقات البينية، والسعي إلى
تفادي ما أصابها من فساد. ثم أشار إلى أن اللسان له دور كبير في توسيع هوّة النزاع
والشقاق، فالكذب والغيبة والنميمة واللمز والسب والإساءة كلها باللسان، وتؤدّي إلى
زعزعة بُنيان الوحدة وغرس بذور النفور والتشتت، فالواجب إصلاح اللسان، وجعله تابعا
للشرع. فإن تغيّبت الغيبة واللمز والتعييب والتبهيت، قويت الجماعة، وقويت أواصر
المودة والمحبة والتآزر والتكاتف، والتآثر والتراحم والتواسي. (والله أعلم
بالصواب)
تحذير:
هذه الأحكام للمجاهدين على وجه الخصوص، ولكافة
المسلمين على وجه العموم.
قال صاحب التفسير الماجدي:
اعلم أن السورة سورة القتال والجهاد، وسوف تأتي
أحكامه، لكن بدأها الله تعالى بعناوين مختلفة، بدأها بالتقوى وإصلاح ذات البين
وطاعة الله والرسول وتقوية الإيمان وغيرها، وأي ارتباط بين الجبابرة وذوي الأطماع
التوسعية وشهوة الملك والسلطان وبين من سبك نفسه في قالب العبودية والربانية من
المجاهدين، أو بينهم وبين القوميين والعرقيين والوطنيين وطمّاعي المال والجاه
والمنصب؟
فهل يمكن أن تتصور الحكومات العلمانية
والمتحضرة اليوم تلك الرافعات والمعالي الروحية؟ (التفسير الماجدي).
ضوابط حماية اللسان:
ما أهمية حماية اللسان؟ وكيف التوصل إليها؟ وما
الفوائد الكامنة فيها؟ لمعرفة المنهج المتكامل لحماية اللسان راجعوا: (أربعون مرضا
في اليهود) ص 307)
طاعة
الله والرسول ·:
ثم قال الله تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله إن
كنتم مؤمنين}.
(1) في كل ما يأمر به وينهى عنه، فإن في ذلك
مصالح لا تعلمونها، إنما يعلمها الله ورسوله ·. (روح المعاني)
(2) فيما أمرتم به من الغنائم وغيرها.
(المدارك)
(3)
الجهاد والطاعة:
هذه الطاعة هي مقياس الإيمان، فطاعة الله
أصالةً، بناءً على أنه هو الحاكم المطلق، وطاعة الرسول نيابةً، بناء على أنه هو
حامل الأحكام الربانية إلى عباده، وشارحها ومبيّنها ومفسرها. ثم بالكلمات المذكورة
أكّد على ضرورة الاهتمام بالآخرة، والزهد في الدنيا، دون الطمع في حطامها، بتقديم
آراء في الغنائم وتقسيمها بغرض الاستيلاء على القدر الأكبر منها. ثم إن الطاعة
المذكورة لا تنحصر في الجهاد وتقسيم الغنائم، بل هي تشمل المسائل كافة، صغيرتها
وكبيرتها. (التفسير الماجدي)
خلاصة التقرير:
أمرهم الله تعالى بتفويض أمر الغنائم إلى الله
تعالى، وبالتحلّي بالتقوى، والابتعاد عن النزاع والجدال، وبإصلاح ذات البين. ولاشك
أنها كلها في غاية الصعوبة، إذ لابد له من اكتساب قُوت أهله وذريته، وكذلك التقوى
ليس بسهل، إن معايير التقوى مختلفة من قوم إلى قوم، إذاً يقي نفسه من ماذا؟ وكيف
يتحقق الصدق في التقوى؟ وبإنجاز أي عمل؟ أما الابتعاد عن النزاع والشجار،
والمحافظة على المودة والمحبة فليست بسهلة، إذ الطبائع والعادات والمشاعر
والأحاسيس والآراء متنوعة. وللرد على هذه الأسئلة أمر بتنحية العقل والرأي في
جانب، والاستسلام لأمر الله ورسوله، ما أمركم الرسول به، فأطيعوه، وما نهاكم عنه
فانتهوا. أحبوا ما أحبه الله، وابغضوا ما أبغضه الله، فإن فعلتموه، تيسر لكم
الابتعاد عن المال، واكتساب الرزق، والتحلّي بالإخلاص والتقوى، والابتعاد عن
النزاع وإصلاح ذات البين.
أي أحيوا في قلوبكم مشاعر الطاعة بحيث تتحول
إلى إيمانكم وعقيدتكم، ويسهل لكم أمور الدين كلها، لعلكم لاحظتم الجنود في الجيش
يعتبرون طاعة قادتهم من مسؤولياتهم الكبيرة، يطيعون أوامرهم مثل جهاز آلي،
ويتحملون كافة الشدائد، ومثلهم إن اعتبر المسلم المجاهد أوامر الله ورسوله · من
أهم مسؤولياته، تيسر له العمل بجميع أحكام الله تعالى. حتى صارت الشريعة أمراً
طبيعيا له، والطاعة رضاه، وكلما نشبت خلافات في الجماعة، توسطت الشريعة لحلها،
فيُذعنون لها وينقادون، أميرهم يفصل بينهم نيابة عن رسول الله ·، فتعُود الجماعة
كما كانت متراصّة متماسكة، وهكذا أول آية من هذه السورة صيّرت المجاهدين مخلصين
منقادين مطيعين ملتزمين، بحيث تبتعد الجماعة عن النزاع والشجار والخصام والتفكك.
فهل هناك ضوابط وقواعد وحِيَلٌ وبرامج أفضل مما ذكرنا؟ لقد عمل بها جماعة الصحابة،
فظهروا على العالم كله. (والله أعلم بالصواب).
الإيمان الكامل:
{إن كنتم مؤمنين} كاملي الإيمان. (المدارك)
أي أطيعوا الله والرسول في الأمور كلها إن كنتم
مؤمنين كاملي الإيمان، فكلما زاد المسلم
طاعةً، زاد إيمانه كيفاً، وترسخت جذوره في قلبه. أكّد هنا على أنكم أهل الإيمان،
ومن أولى مسؤولياتكم طاعة الرسول ·. ومن هنا عرفنا أن فساداً لو تطرّق إلى
المجاهدين وعموم المسلمين، وارتكبوا معصية الله، ذكّروهم بدعواهم بالإيمان، وهو
أكبر نعمة في الدنيا، وأهم منصب، وقالوا لهم: حافظوا عليه، وابذلوا ما بوسعكم
لزيادة أحواله وكيفياته، لأن نعيم الآخرة موقوفة على الإيمان، ولا ينفع عمل فيما
بقي من المراحل بدون الإيمان. (والله أعلم بالصواب)
