{سورة آل عمران مدنية، الآية 110}


{بسم الله الرحمن الرحيم}

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)}.

ملخص معاني الآية:

إن أمة محمد · من أفضل الأمم، ومن مهامها نشر الخير وتعميمه في العالم، والنهي عن المنكر. وأكبر خير في الدنيا الإسلام، وأكبر منكر الكفر. وقد تقبل الله إيمان هذه الأمة، فإن آمن أهل الكتاب كإيمانها، كان خيرا لهم، فقد آمن بعضهم، وتمسك أكثرهم بذيل الكفر والإنكار.

أقوال أهل العلم:

(1) وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام.
(أي الأفضلية راجعة إلى الجهاد في سبيل الله، وسوف نتناوله بشرح أكثر).
(2) روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون}هم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، تقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب هو أنكر المنكر. (التفسير الكبير)
أي معنى كون هذه الأمة خير أمة: أنها تدعو العالم كله إلى الإيمان بالله، وتقاتل من تنكره، فلا يقدر أحد على منعها منها، ودعوتها تشمل الدنيا كلها.
(3) وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية أن المعنى تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله تعالى، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر. (روح المعاني)
(4) وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وشهدوا بدرا والحديبية. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: من فعل فعلهم كان مثلهم. (القرطبي)
(5) أراد بزيادة قيد الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر والنهي باليد، وهو من أعلى مراتبه. وأهميته في هذه الأمة تبدو من ناحيتين: الأولى مشروعية الجهاد، والغرض منه دفع الكفر والفساد من الأرض. والثانية: عموم دعوة أمة محمد ·، إذ قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ} وكلمة «للناس» تدل على العموم، بخلاف الشرائع السابقة، لم يشمل بعضها الجهاد في سبيل الله، والبعض الآخر كان خاصاً بقوم دون قوم، ولم يكن موجَّهاً إلى البشرية كافة. (بيان القرآن)
أي أفضلية هذه الأمة راجعة إلى أمرين: الأول الجهاد، والثاني عموم الدعوة وشمولها للناس كافة. ولا يمكن إبلاغ الدعوة إلى العالم بأكمله بدون الجهاد، إذ المنكرين يقيمون عراقيل، ولا يمكن دفعها بدون جهاد.
(6) عن أبي حازم عن أبي هريرة {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال تجرون الناس بالسلاسل إلى الإسلام. (القرطبي)
أي تجرونهم إلى الإسلام بالجهاد، ولا يعني ذلك أنكم تجعلون الناس مسلمين بالسيف، لأن من لم يُسلم بقلبه لا يُعتبر مسلماً في الإسلام. فالمعنى إنكم تكسرون شوكة الكفر وقوته بالجهاد، وبعد ظهوره وغلبته تسعون إلى تطبيق نظامه العادل، فيدخل الناس في دين الله أفواجاً. كما يندفع كثير من المشركين إلى الإسلام لمّا يلاحظون بطولات المسلمين وتضحياتهم للدين. وعند انهزام الكفر والشرك وزوال شوكته، وبعد تحوّله إلى وسمة عار في جبين المتمسكين به، يتخلّى كثير منهم عنه. إذ الكفر متعارض مع الفطرة، ولا يتمسك به أحد إلا لقوته وشوكته أو لغفلته، وبعد القضاء عليها بالجهاد يتسارع الناس إلى الدخول في دين الفطرة. هذا هو ملخص معنى جرهم إلى الإسلام بالسلاسل. (والله أعلم بالصواب)

إشكال وجوابه:

من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات كانت حاصلة في سائر الأمم. (التفسير الكبير)
جوابه:
قال القفال رحمه الله : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه، وهو القتال، لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد وأقواها ما يكون بالقتال، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل، وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين محملا لأعظم المضارات لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار. فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات.
وقد يتساءل أحد أن الجهاد كان حاصلا لسائر الأمم، فأجاب عنه بقوله:
ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم. (التفسير الكبير)
أي لاشك أن الجهاد كان قد حصل في الأمم السابقة، لكن الأهمية التي أولته الإسلام، وأكّد عليه رسول الإسلام ·، لم تحصل في الشرائع السابقة، لذلك تُضحّي هذه الأمة بروحها ونفسها في الجهاد لتبليغ الإسلام إلى الآفاق، ومن هنا كان وصفها بخير الأمم.

كلام بركة:

ليست مجرد هذه الآية تحتوي على «مبحث الجهاد» عند إمام التفسير الشاه عبد القادر رحمه الله، بل مبحث الجهاد يبتدئ عنده من الآية 104، ويستمر إلى ما تلتها من الآيات الكثيرة، حيث قال الله تعالى في الآية 104: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} الآية. آل عمران
قال الشاه عبد القادر رحمه الله في تفسيرها: ومن هنا عرفنا وجوب تواجد جماعة بين المسلمين تجاهد في سبيل الله، وتطبّق الشريعة، حتى لا يقدر أحد على مخالفة أمور الدين، ومن قام بالجهاد فقد نجح. أما من يرى منع التعرض للناس، حتى يمكن لهم العمل بما يشاءون من الأديان، فموسى متمسك بدينه، وعيسى متمسك بدينه، ولا يدعو أحداً إلى الإسلام، ولا يجاهد أحد لأجل الإسلام، فهذا ليس منهج المسلم. (موضح القرآن)
ثم قال الله تعالى في الآية 108: {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)}. آل عمران
وفي تفسيرها قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
«ليس فيما أمر الله من الجهاد والأمر بالمعروف شيء من الظلم على الناس، بل الغرض منها تربيتهم وتنشئتهم». (موضح القرآن)
ثم قال الله تعالى في الآية 109: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)} آل عمران.
وفي تفسيرها قال الشاه عبد القادر رحمه الله: إن كان مال المسلم ونفسه تتعرض للتلف في الجهاد، فلا ضير فيه، إذ ذلك كان بأمر الله، والأموال كلها لله. (موضح القرآن)
ثم الآية 110 التي نحن بصدد تفسيرها، وقد كتب في الهامش: هذه الأمة أخير الأمم لأمرين: الأول: لقيامها بواجب الأمر بالمعروف أي الجهاد. والثاني: تقيّدها بالإيمان، وهو التوحيد. وهما لا يوجدان بهذه القوة والصلابة في شيء من الأديان غير الإسلام. (موضح القرآن)

لطيفة:

لقد ورد لفظ الأمر والنهي في الآية، وفيها إشارة إلى ضرورة سعي هذه الأمة إلى نيل القوة والسلطة، والتمكين في الأرض، لكي تقدر على الأمر والنهي. إذ لا يمكن لهم ذلك إن كانوا ضعفاء.
والأمر هو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء افعل. (والله أعلم)

لطيفة:

لا يخلو حكم من أحكام الله تعالى عن الخير، وكل معصية منكر، ولا يمكن أن تتصف أمة بصفة «خير أمة» بدون تبليغ الخير إلى العالم، وقصم ظهر المنكر. ومن الطبيعي أن يعيق طريقها أولياء المنكر كلما سعت خير أمة إلى نشر الخير في العالم، فإن امتنعت الأمة عن الدعوة توقفت الدعوة، واقتصرت الدعوة على أقطار معينة. وإن تقدمت واجهت المقاومة. ومن هنا عرفنا أنه لا سبيل إلى إبلاغ الخير والنفع إلى العالم بدون الجهاد والقوة. (والله أعلم بالصواب)

فائدة:

هذا الجزء من الآية تناول كامل معالم عقيدة وخُلق الأمة وحياتها العملية. والمعنى: أيها المسلمون.. أدركوا مسؤولياتكم حق الإدراك، فقد حمّلكم الله أمانة التوحيد إلى الآفاق، وأنتم خلفاء الله في الأرض، تمثلون شرطته، لم يبعثكم إلا لتطبيق القانون الرباني والمحافظة عليه. ولا غاية لحياتكم إلا تسيير الحكومة الربانية، أصلحوا كافة أجزاء نظام الحق، وأعيقوا طريق الباطل ونظامه. وقد يتحقق الظلم عند عدم سماح هذه الأمة العارفة بمسؤولياتها بالقتال والجدال في سبيل الله. فمعنى إلقاء المسؤوليات على كواهلها بدون الإذن لها بالجهاد والقتال وبدون تطبيق الحدود الشرعية: رميها في البحر مكتوفة الأيدي والأرجل. (التفسير الماجدي)

فائدة:

لقد افتتح الإمام السرخسي رحمه الله مبحث الجهاد والسير في كتابه الشهير بهذه الآية الكريمة، وفيه دلالة على قوة صلتها بالجهاد.
كلمة «أخرجت» في الآية أشارت إلى الخروج والظهور، وفيه إشارة إلى الجهاد. (والله أعلم بالصواب)

قول عمر رضي الله عنه:

لقد أورد معظم المفسرين مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه التالية تحت الآية الكريمة:
«من سرّه أن يكون من تلكم الأمة، فليحقق شرط الله منها». (تفسير الجلالين وغيره) أي يختار الصفات الثلاث التي وردت في الآية.
{ولو آمن أهل الكتاب}
أي إن حقق أهل الكتاب الشروط الثلاثة المذكورة في ضوء أحكام الله تعالى، لوجدوا بشارة عظيمة، لكن الذين آمنوا منهم قليلون، وأكثرهم تمسكوا بأذيال الكفر والعصيان.

دعاء:

اللهم هب لنا فكرة نشر الإسلام في العالم بأسره، وإنقاذ البشرية من براثن الكفر، حتى يقولوا لا إله الله محمد رسول الله فيدخلوا الجنة. اللهم إنّا نسألك التوفيق للدعوة والجهاد، وأن تظهر الإسلام على العالم بحيث يدخل الناس في دين الله أفواجا. آمين يا أرحم الراحمين.