{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)}.
ملخص معاني الآية:
لاشك أن الذين آمنوا من أهل الكتاب قليلون،
وأكثرهم يعادونكم، لكن زيادتهم العددية لا تضركم أذى إلا باللسان، (ولا يقدرون على
إعاقة طريقكم في إبلاغ الإسلام إلى العالم) فإن هم أقدموا على قتالكم بعد إلحاق
الأذى بكم باللسان والتهديد، يولّوكم الأدبار ثم لا ينصرون.
سبب النزول:
قال مقاتل إن رؤوس اليهود كعب وعدي والنعمان
وأبو رافع وأبو ياسر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم عبد الله بن سلام
وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى: لن يضروكم .. الآية. (القرطبي)
أذى..
والأذى: الضرر اليسير، كما قال صاحب روح
المعاني.
وعند القرطبي بلفظ: (باللسان) أي يوذونهم
باللسان.
وقال بعض المفسرين: بقول من طعن في الدين أو
تهديد أو نحو ذلك. (الكشاف).
أقوال أهل العلم:
(1) قال العلامة ابن كثير رحمه الله:
{وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} وهكذا وقع، فإن
يوم خيبر أذلهم الله، وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع
كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك
الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل
عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. (تفسير ابن كثير)
(2) أي إن كان أكثر أهل الكتاب عصاة فلا تتخوّفوا
من كثرة عددهم وزيادة عتادهم وسلاحهم، اعلموا يا خير الأمم أن الله قد وعدكم أن
جيش الشيطان لن يضركم شريطة أن تكونوا خير الأمم بكل معنى الكلمة. وليس بإمكان
الأعداء أن يلحقوا بكم أضراراً جسيمة، سوى السب والشتم والإساءة إليكم كعادة
النساء، أو يصيبوكم ضرراً تافهاً عارضا، أما أن يتحقق لهم الغلبة والسلطان عليكم
فلا. إن واجهوكم في القتال ولّوكم الأدبار، ولا يجدوا لهم ناصراً يمنع الهزيمة
عنهم.
هذه البشارة تحققت كما أخبر الله تعالى في عهد
الصحابة رضي الله عنهم، حيث واجه أهل الكتاب المصير المذكور، فقد سعوا على قدم وساق
للقضاء على الإسلام والمسلمين، لكنهم لم يقدروا على إصابتهم بأذى يُذكر، لم
يواجهوا المسلمين في معركة من المعارك إلا كانوا كالحمر المستنفرة، وقد حالف النصر
والتأييد الرباني خير الأمم، وفرّ العدو مقهورا ومخذولا يجر وراءه أذيال العار
والندامة، أو وقعوا أسيرا، أو فضلوا البقاء بصفتهم رعايا الدولة الإسلامية، أو
دخلوا نار جهنم. فلله الحمد والمنة. (التفسير العثماني)
فائدة:
لاشك أن هذه الآية لا تزال بين أيدينا مع
بهجتها ونورها، ويعاني المسلمون من أذيات الأعداء الكلامية، لكنهم متخوّفون من
جهادهم خوفا شديدا، ويستخدمون حكام المسلمين لصد المسلمين عن الجهاد. فإن أثبت
المسلمون بأعمالهم وأقوالهم أنهم خير الأمم، وسعوا إلى تبليغ رسالة الخير إلى
العالم، وأحسوا بمسؤولياتهم تجاه تطبيق الشريعة، ودعوا الناس إلى كلمة لا إله إلا
الله التي وراءها قوة الجهاد، أمكنهم مشاهدة مشاهد هذه الآية بعيون مكشوفة. أما إن
تخلينا عن أهداف خير الأمم، وطعننا في القرآن على أن الكفار لا يولّون الأدبار،
فهذا ليس إلا ضلالا. (والله أعلم بالصواب)
دعاء:
اللهم وفقنا لاستيفاء شروط خير أمة، واربط على
قلوبنا. (آمين يا أكرم الأكرمين)
