{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)}.
ملخص معاني الآية:
أخبروا الكفار أعداء الإسلام أنهم سيُغلبون
ويُساقون إلى جهنم. سيظهر الإسلام في الدنيا، الذي يكفل النجاح في الآخرة، لذلك
اجتمعوا تحت راية الإسلام المباركة.
تنبؤ
رائع:
«هذا كان تنبؤاً بأمر مستحيل، إذ المسلمون
بالمدينة كانوا بشكل جماعة صغيرة، وظهورهم على قريش مكة وبقية قبائل العرب الأبطال
الشجعان كان محالا. (إضافة إلى قبائل اليهود الثلاثة القوية بالمدينة) وبجانبها
دولتان عظيمتان الروم وفارس الباهرتين المهيمنتين على العالم، إحداها دولة كسرى
المجوسية الإيرانية التي فرضت سلطانها على الهند وتركستان وغيرها من البلاد،
والثانية دولة قيصر النصرانية التي فرضت سلطانها على كافة بلاد أوروبا وآسيا
الصغرى والشام وبعض دول القارة الإفريقية.
في مثل هذا الوقت كان الإسلام يعلن على الملأ استناداً
إلى التأييد السماوي {ستُغلبون} فلم يمض قرن واحد حتى تحقق ما تنبأ به القرآن، إن
لم يكن هذا دليلاً على أن محمداً نبي الله الصادق، فعلى ماذا يدل؟ (ملخص ما ورد في
التفسير الحقاني)
سبب النزول:
(1) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يهود أهل
المدينة قالوا لما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر : هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا
به موسى عليه الصلاة والسلام ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا يرد له راية وأرادوا
تصديقه واتباعه ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى فلما كان
يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا وقالوا : لا والله ما هو به
وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى
مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه
فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا : لتكونن كلمتنا واحدة ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله
تعالى فيهم هذه الآية . (روح المعاني، البحر المحيط)
(2) عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني
قَيْنُقَاع وقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشًا. فقالوا:
يا محمد، لا يغرّنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال،
إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك من
قولهم: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ
الْمِهَادُ } إلى قوله: { لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ } .
وقال الآلوسي رحمه الله بعدما ذكر رواية ابن
عباس هذه:
وقد صدق الله تعالى وعده رسوله صلى الله عليه وسلم
فقتل كما قيل من بني قريظة في يوم واحد ستمائة جمعهم في سوق بني قينقاع وأمر السياف
بضرب أعناقه وأمر بحفر حفيرة ورميهم فيها وأجلى بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم
وهذا من أوضح شواهد النبوة. (روح المعاني)
(3) وفي رواية أبي صالح عنه أن اليهود لما
فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد نزلت. (القرطبي)
(4) وقيل نزلت في قريش قبل بدر بسنتين، فحقق
الله ذلك. (البحر المحيط)
(5) وقيل في أبي سفيان وقومه جمعوا لرسول الله
· بعد بدر فنزلت. (البحر المحيط).
الأقوال
ومراجعها:
(1) والأولى تعميم اللفظ ليشمل اليهود
والمشركين، وكل من خضعت أعناقهم في عهد الرسول · بأيدي المسلمين. (التفسير
الماجدي)
(2) الذين عارضوا القرآن عناداً وتكبراً، هؤلاء
ساروا على النهج الذي سار عليه آل فرعون في معارضة نبي الله موسى عليه السلام،
وسوف يواجهون المصير الذي واجهه فرعون وقومه، وسوف ترى الدنيا لمن النصر والعز؟
(ترجمان القرآن)
(3) أي حان الوقت الذي ستُغلبون فيه، أنتم
واليهود والنصارى وبقية المشركين، هذا خزيكم وعاركم في الحياة الدنيا، أما في
الآخرة فقد أعد الله لكم عذاباً أليما. ففي بعض الروايات لمّا عاد النبي · من بدر
منتصرا قال لليهود يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشًا. فقالوا:
يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال،
إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك من
قولهم: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ
الْمِهَادُ } إلى قوله: { لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ }.
وقيل: إن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم الله تعالى
المشركين يوم بدر : هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى عليه الصلاة والسلام
ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا يرد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه ثم قال بعضهم
لبعض : لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له أخرى فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم شكوا وقالوا : لا والله ما هو به وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا
وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق
كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم
وقالوا : لتكونن كلمتنا واحدة ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية
. (والله أعلم)
وعلى كل حال، أراهم الله خلال مدة يسيرة أن
الجزيرة العربية قد تطهرت من وجود المشرك الآثم، وبنو قريظة الذين خفروا الذمة
حُصدوا عن آخرهم، واُجلي بنو النضير، وذَلَّ نصارى نجران، فوافقوا على دفع الجزية،
وكان هذا حالهم قرابة ألف سنة، وظلّت الأمم المتجبرة المتكبرة تعترف بسمو المسلمين
ورفع شأنهم. فالحمد لله على ذلك. (التفسير العثماني)
(4) قل لليهود والنصارى وأعداء الإسلام
الآخرين: إنكم تخليتم عن تعاليم الحق، فلا يدوم لكم ملك ولا سلطان، ستُغلبون
وتعيشون في ذُل وهوان في الحكم الإسلامي، وبعد وفاتكم تدخلون نار جهنم. (تفسير
الفرقان)
فائدة:
بالتأمل في هذه الآية والتي سبقتها يتضح
الترتيب الكامل، ولا يبقى إشكال أن الكفار لا يُغلبون في زماننا هذا. في الآيات
السابقة ذكر أن القرآن كتاب محكم، وقد صدّق به المؤمنون تصديقا كاملاً. وتطابقت
عقيدتهم وعملهم مع القرآن، لا يهمهم إلا الثبات عليها، ويسألون الله تعالى التوفيق
له. أما الذين كفروا بهذا الكتاب فلا يهمهم إلا الدنيا والمال والأولاد، لكنها لا
تغنيهم من الله شيئا، كما لم تنفع آل فرعون. وهنا تواجه جماعة المؤمنين جماعة
الكافرين، فينتصر المؤمنون وينهزم الكافرون. فتساءل البعض وقال: لماذا ينهزم
الكفار رغم عددهم الكبير وعُدتهم الحربية الفائقة، ولماذا ينتصر المسلمون عليهم؟
أجيب عنه أن الكافر لا يهمه إلا شهوات الدنيا وملذاتها، وتطورات الدنيا ومتاعها،
والمسلم لا يهمه إلا السعادة في الآخرة ولا يطلب إلا الجنة، فلا بقاء لطالب الدنيا
أمام طالب الآخرة. راجعوا الآيات من 7 إلى 15 من سورة آل عمران، سيتضح لكم هذا
الربط. كما تعلمون أسرار النصر والهزيمة. لقد هجر أكثر المسلمين اليوم القرآن،
وجعلوا المال والأهل وتطورات الدنيا أكبر همهم، لذلك حُرموا من الغلبة على
أعدائهم. إن عاد المسلمون اليوم إلى القرآن، وأصلحوا عقيدتهم وعملهم وفق القرآن،
وأخرجوا حب الدنيا من قلوبهم، ظهر لهم مشهد هذه الآية الكريمة بسرعة عجيبة. أما إن
كانت أعمالهم وأفكارهم مثل الكفار، فالذل والهوان لا يفارقهم. (نسأل الله العافية)
وبناء على هذا الربط فقد وصل العديد من المفسرين الآية التي سبقت هذه الآية والتي
تلتها بالجهاد. (والله تعالى أعلم بالصواب)
دعاء:
اللهم وفقنا للإيمان بالقرآن والعمل به، اللهم
اجعلنا جماعة قرآنية، وأنزل الهزيمة في ساحة الكفار أعداء الإسلام. (آمين يا أول
الأولين)
