{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)}.
ملخص معاني الآية الكريمة:
إن الظروف التي تَعَرَّضَ لها المسلمون يوم
اُحد، فإن لله فيها مصالح وحِكَم، منها: أن الله يداول النصر والهزيمة بين الناس،
إن كان المشركون قد مُنوا بهزيمة بالعام الماضي يوم بدر ففي هذا العام مُنيتم بها.
والثانية: يُعرف المخلص من المنافق عند البلية، فأراد الله تعالى التمييز بينهما
يوم اُحد. والثالثة: أراد الله تعالى أن يُبويّ بعضكم مراتب الشهادة ومنازلها
العالية، (وبيان الحكمتين الباقيتين في الآية القادمة) وأن الله لا يحب الظالمين
الكافرين المشركين. (لذلك عليهم أن لا يغترّوا بما تحقق لهم من انتصار ظاهر على
المسلمين حتى يزعموا أنهم على الحق، وأنهم مرضيون عند الله).
أقوال أهل العلم:
(1) واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن
الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى الكافرين، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف
وإعزاز عظيم، فلا يليق بالكافر. (التفسير الكبير)
بل المعنى أن الله قد يُشدّد على الكفار، وقد
يُشدّد على المؤمنين لابتلائهم وامتحانهم، لأن ما من معركة يخوضها المسلمون إلا
ويخرجون منها منتصرين على أعدائهم، فأين الخيرة للناس في قبول الإيمان وعدم قبوله؟
والناس يدخلون في دين الله بمجرد مشاهدة ما يتحقق للمسلمين من نصر وفتح. (التفسير
الكبير، بيان القرآن)
(2) لقد تألّم المسلمون كثيرا بما أصيبوا في
أنفسهم يوم اُحد، وزاد في ألمهم ما سمعوا من المنافقين من انتقادات، لأنهم قالوا:
إن كان محمد · نبيا بحق فلماذا أصابهم ما أصابهم؟ ولماذا انهزموا، ولو بشكل موقت؟
فأراد الله تعالى في هذه الآيات تطمين المؤمنين، وقال: إن يمسسكم قرح فقد مسّ
القوم قرح مثله، إن كان قُتل منكم سبعون يوم اُحد، واُصيب آخرون بجروح، فإنهم يوم
بدر قُتل منهم سبعون، واُسر سبعون، وجُرح كثيرون. ثم يوم اُحد قُتل منهم عدد في
بداية المعركة، كما يبدو من لفظ {لقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه}. ثم إن
سبعين رجلاً منهم وقعوا أسيرا بأيدي المسلمين، وتذوقوا مذلة الأسر والندم، أما
منكم فلم يقع أحد أسيراً بأيديهم، وعلى كل حال إن قارنتم خسارتكم بخسارتهم فلا تعادل
بينهما، ولا مساغ للغمّ والهمّ، ولا يسعهم أن يختالوا ويتبختروا. أما سنتنا في
البشر منذ القِدم فهي أننا نداول بينهم الشدة واللين، الراحة والمشقة، والتي لا
تخلو عن كثير من المصالح والحِكم. ثم إنهم إن كانوا لا يتوانون في الدفاع عن
الباطل رُغم ما عانوا من قتل وإصابة فلماذا تضعفون أنتم عن مناصرة الحق والدفاع
عنه؟
{وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء
والله لا يحب الظالمين}..
إن أراد بالظالمين المشركين الذين قاتلوا
المسلمين يوم بدر، فالمعنى أن سبب انتصارهم لبعض الوقت ليس لأن الله يحبهم، إنما
هناك أسباب أخرى. وإن أراد بالظالمين المنافقين الذين انفصلوا عن المؤمنين يوم اُحد،
فقد أشار هنا إلى أنهم ممن غضب الله عليهم، لذلك أبعدهم عن مراتب الإيمان
والشهادة. (التفسير العثماني)
(3) إن كان قد لحقت بكم أضرار بسبب الهزيمة،
فإن المشركين كذلك انهزموا شر هزيمة، فالنصر والهزيمة من الأمور التي لابد منها،
سواء كان النصر لبعض الأسباب الموجبة له، أو الهزيمة لبعض التقصيرات، لكنها تساعد
في التمييز بين الصادق والكاذب، المؤمن والمنافق، وقد يريد الله تعالى إنزال
الهزيمة واتخاذ شهداء، حتى تسخن دماء المسلمين، فيصحوا بعد الهزيمة والإصابات من
سبات عميق. (حاشية اللاهوري)
كلام بركة:
والمعنى أن النصر والهزيمة من الأمور التي لا
تثبت على حالة واحدة، والغرض منها التمييز بين المؤمن والمنافق، وإصلاح أحوال
المسلمين، لذلك كانت الهزيمة بالقدر المذكور، إذ لا يرضى الله بالكافرين. (موضح
القرآن)
{والله لا يحب الظالمين} والله لا يحب من لا
يكون ثابتا على الإيمان صابرا على الجهاد. (التفسير الكبير)
فائدة:
لقد أورد القرطبي وصاحب التفسير الكبير فضائل
ومناقب الشهداء وسبب تسمية الشهيد بالشهيد تحت هذه الآية الكريمة، وعلى الراغبين
مراجعتهما.
لطيفة:
{ويتخذ منكم شهداء} الحقول بحاجة إلى أشعة
الشمس والمياه، وبدونهما تفسد، ومثلها حياة الأمم تعتمد على الشهداء، ولا يمكن سقي
حقول الأمة إلا بدماء القلوب الطيبة وعقولها، لأن بُسط طرق الحرية لا تُجهّز إلا
بأجساد البشر، وبدون التضحيات المفرطة لا تتحقق الحياة للأمة، وكلما نُحرت
الشخصيات البارزة في الملة، ظهرت آثار الحياة في الأمة، وذَكّ الحماس في قلوبها،
ولا تهدأ حتى تنال ثأرها. (تفسير الفرقان)