{سورة آل عمران مدنية، الآية 142}


{بسم الله الرحمن الرحيم}

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)}.

ملخص معاني الآية:

يريد الله تعالى أن يبلّغكم مراتب الجنة العالية ومنازلها الرفيعة، فهل حسبتم أن تبلغوها بدون تعب وجهد وبدون تضحيات؟ ألا يريد الله أن يعلم المجاهدين منكم والصابرين في الموقف؟ لا ينال المراتب العالية إلا من استعد لتحمّل الشدائد كافة في سبيله، واستعد لتقديم الغالي والنفيس. (مستقاة من التفسير العثماني)

أقوال أهل العلم:

(1) والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم اُحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وصبروا على ألم الجراح والقتل من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا. (القرطبي)
(2) أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء. (ابن كثير)
(3) اعلموا.. أحسبتم أن تدخلوا الجنة بصفة خاصة، ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم جهادا كبيراً بشكل ظاهر، ويعلم الذين صبروا. ومعنى دخولهم بصفة خاصة : الدخول الأوّلي، والوصول إلى المراتب العالية بدون مشقة وتعب، دلت عليه نصوص كثيرة. أما نفس الدخول لبعض المؤمنين فقد يتحقق ذلك بفضل الله وكرمه، كما استدلوا عليه بلفظ {يغفر لمن يشاء}. وأما قيد جهادا كبيرا فلأنهم جاهدوا قليلا، وصبروا صبرا ناقصا. ومعنى الآية : لم يتحقق منكم الجهاد والصبر حتى الآن، والدخول الأوّلي في الجنة موقوف عليه، فلا تقصّروا فيه في الأيام القادمة. (بيان القرآن)
الأدلة على وجوب الجهاد وفرضيته:
لا تتوقعوا إمكانية دخول الجنة بدون الجهاد والصبر عند مقاومة العدو، وهذا دليل على وجوب الجهاد والصبر ولزومهما، كما قال الإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله:
وفي إنكار الله تعالى على من ظنّ أن دخول الجنة مع انتفاء الجهاد والصبر عند لقاء العدو دليل على فرضية الجهاد، إذ ذاك والثبات للعدو، وقد ذكر في الحديث أن التولي عند الزحف من السبع الموبقات. (البحر المحيط)

فائدة:

لقد حشد العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى مجموعة طيبة من الآيات المشابهة لها، وعلى الراغبين مراجعته.

تقرير عجيب:

أشار الإمام الرازي رحمه الله تعالى إلى لطيفة غريبة عند تفسير الآية الكريمة، فقال:
واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر. وذلك أن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله، وهذان الأمران مما لا يجتمعان. فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية على اجتماعهما. وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى، فليس كل من أقر بدين الله صادقا، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات.
فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء، ولا يزاد بالوفاء، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء، ظهر أن ذلك الحب كان حقيقيا، فلهذه الحكمة قال {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة، والله أعلم. (التفسير الكبير)
وكلام الرازي هذا فيه من الحكمةً والمعرفة ما لا تخفى، والواجب على المؤمنين أن يتدبروها، ويصدقوا مع الله في حبهم، الذي لا يزول عند نزول المحن والبلايا.

دعاء:

اللهم وفّقنا لحبك الصادق والصبر والثبات، اللهم أدخلنا جنتك دخولا أوّليا بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين.