بسم
الله الرحمن الرحيم
{يَايُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إنْ تَتَّقُوْا اللهَ يَجْعَلْ لََّكُمْ فُرْقَانًا
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ . واللهُ ذُوْ الفَضْلِ الْعَظِيْمِ}.
ملخص معاني الآية الكريمة:
إن خاف المسلم ربه، فلم يخن في أموال الناس لأجل
الأولاد والمال، ولم يجعلهما يعرقلان طريق الجهاد، منحهم الله تعالى الفرقان، أي
يغلبهم على أعداءهم، فيقدرون على تقرير مصيرهم، ويميّزهم عن غيرهم، ويجعل في
قلوبهم النور، ويكفّر عنهم سيّاتهم برحمته ومغفرته، ويزيدهم من فضله.
أقوال المفسرين
أراد بالفرقان البشارة بالتمكين:
المراد بلفظ «فرقانا» في الآية تمكين المسلمين
على المشركين عند الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى، والربط بين الآيات في هذا
الوجه: يا أيها الذين آمنوا، لا تتولّوا الكفار لحماية أولادكم وأموالكم، ولا
تخونوا الله، وجاهدوا في سبيل الله، تغلبون عليهم بفضل الله، فلا يقدرون على الإضرار
بكم في أموالكم وأولادكم. فالمحافظة على الأموال والأولاد لا يمكن إلا بالإخلاص مع
الله وبالثبات في الجهاد في سبيله، كما قال الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى:
«لعل المسلمين ظنّوا أن الفتح يوم بدر كان من
باب المفاجاءات، لذلك أرادوا البر إلى المشركين والإحسان إليهم لكي يمتنعوا عن
الإضرار بأهلهم وذويهم المقيمين بين أظهرهم، ففي الآية الأولى منع عن خيانة كهذه، وفي
الآية الثانية طمّنهم على أن الله سوف يفصل بينكم وبينهم، فلا يبقى أهلكم وذويكم
مأسورين عندهم». (موضح القرآن)
وإلى هذا المعنى أشار لفظ تفسير الجلالين:
{يجعل لكم فرقانا} بينكم وبين ما تخافون
فتنجوا. (جلالين)
الفرقان على ثلاثة معان:
1- التمكين في الدنيا 2- الفوز في الآخرة 3-
نور القلب
قال شيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني:
«أي إن خشيتم الله تعالى وسرتم على طريق
التقوى، قضى الله بينكم وبين أعداءكم، فيكرمكم في الدنيا والآخرة، ويهلك أعداءكم
أو يُخزيهم، كما فعل في بدر، ويُكرمكم في الآخرة حيث تعيشون في نِعَمِه الدائمة،
أما أعداءكم فمصيرهم النار. كما قال الله تعالى: {وامْتَازُواْ اليَومَ اَيُّهَا
المُجْرِمُونَ} (ياسين 59) {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} (المرسلات 38). ثانياً: جعل
الله تعالى في قلوبكم نوراً بفضل خشيتكم لله، فتقدرون على التمييز بين الحق
والباطل ذوقاً ووجداناً». (التفسير العثماني)
وإليه مال الشيخ اللاهوري رحمه الله تعالى، فقد
قال:
«إن خشيتم الله تعالى فإن الله يُكرمكم بنعمة التمييز
الذي يدلكم على الخير والشر في جميع شؤونكم». (حاشية اللاهوري رحمه الله)
والعبارة التالية توضّح المعنى المذكور أكثر:
«إن تقيّدتم بأوامر الله تعالى، وخشيتموه، ترتبت
عليها النتائج التالية:
(أ)
{يَجْعَلُ لَكُمْ فُرْقَاناً} أي يُنعم عليكم بنعمة الفرقان، فتقدرون على التمييز
بين الخير والشر، والغث والسمين، والطيب والقبيح، والصديق والعدو، والحق والباطل.
والحاجة إلى هذه النعمة تشتد في المعارك لكي تفشل تدابير العدو ومكره. (التفسير
الفرقان)
جاء في كثير من آيات القرآن الكريم بيان ذلك
النور القلبي الذي يُكرم الله تعالى به عباده المؤمنين، كما في الآية 22 من سورة
الزمر، والآية 28 من سورة الحديد، والآية 122 من سورة الأنعام.
وهذا المعنى الذي اختاره صاحب التفسير الماجدي،
حيث قال:
«فسّر أهل العلم كلمة الفرقان كلٌ حسبَ ذوقِه،
والأولى أن نفسرها بالنور الباطني الذي ينشأ في المؤمن عند اختياره التقوى، والذي
يميّز بين الحق والباطل بنفسه».
أي نوراً وتوفيقاً على قلوبكم، يفرّق به بين
الحق والباطل، فكان الفرقان ههنا كالسكينة والروح في غيره (راغب). أي هدايةً
ونوراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل كما روي عن ابن جريج وابن زيد (روح).
(التفسير الماجدي)
قال صاحب ترجمان القرآن:
فعلمنا أن ما من جماعة تخشى الله تعالى إلا
وتكوّنت فيها قوة تقدر على التمييز بين الحق والباطل والخير والشر بحيث لا تُقدم
على الباطل أو الشر. وقد رأت الدنيا ذلك في المسلمين في صدر الإسلام، كانوا يقطنون
في الصحراء، ويرعون الإبل، فما لبثوا أن صاروا يقرّرون مصير الأمم المتحضرة من الفُرس
والرومان، فكانوا حائزين على قوة تمكّنهم من التمييز بين الخير والشر، حتى إن
العدل والحق والخير والسعادة لم تكن تنفلت منهم مهما عملوا وبأي طريق عملوا.
(ترجمان القرآن)
لم نجمع هنا تعبيرات المفسرين المتنوعة إلا
لأنها تحتوي على بيان معارف الجهاد المختلفة، رغم اتفاقهم على تفسير كلمة
«الفرقان» بنور القلب وقوة التمييز.
معنى الفرقان القرار العلمي
والعملي:
هذه الآية مؤكدة لمضمون الآيات السابقة، وهو
الطاعة (ومنها الجهاد على وجه الخصوص) عند العلامة أشرف علي التهانوي رحمه الله
تعالى، وأراد بالفرقان القرار العلمي والعملي، ومعنى القرار العلمي الهداية والنور
القلبي، ومعنى القرار العملي غلبة المسلمين على أعدائهم والنجاة في الآخرة. حيث
قال:
«اسمعوا مزيداً من بركات الطاعة، إن اتقيتم الله
وأطعتموه، أكرمكم بقوة التمييز، وهي تشمل الهداية ونور القلب، وهما عبارة عن
التمييز العلمي بين الحق والباطل، كما تشمل الغلبة على الأعداء والنجاة في الآخرة،
وهما عبارة عن التمييز العملي بين الحق والباطل، إضافة إلى ذلك فإنه يغفر لكم ذنوبكم
ويطهركم من خطاياكم، والله ذو الفضل العظيم، فكم يعطي بفضله؟ لا يمكننا تقديره».
(بيان القرآن)
وبناء على عبارة بيان القرآن هذه، يمكن لنا
بيان ارتباط هذه الآية بالركوع السابق بما يلي:
كان مدلول الآيات السابقة هو: يايها الذين
آمنوا أطيعوا الله والرسول، ولا تقعدوا عن المساعدة في الجهاد إذا دُعيتم إليها، ولا
تكونوا كالذين قالوا سمعنا بآذانهم، ولا يسمعون سمع قبول، واعلموا أن الله جعل حياتكم
في طاعته وطاعة رسوله، فيما يأمركم من الجهاد وغيره. فإن أعرضتم ضعفت همتكم، وإن امتنعتم
عن توظيف غيركم في الجهاد، لما سلمتم من وبال ترك الجهاد وترك النهي عن المنكر. لا
تتخلفوا عن الجهاد لقلة العدد والعُدّة، فقد كنتم ضعفاء فيما مضت من الأيام، لكن
الله نصركم، وأكرم عليكم بقناطير المغانم. فإن أردتم أن يتتابع نصره لكم فاحذروا الخيانة،
ولا تفتتنوا بأولادكم وأموالكم فتتركوا الجهاد، فإن امتنعتم عن تغليب حب الأولاد
والمال على طاعة الله والجهاد في سبيله، جعل الله لكم فرقاناً.
أي الغلبة، والمحافظة، وقوة التمييز، والنور
القلبي، والتميّز الخاص، والسعادة في الآخرة. (والله أعلم بالصواب)
ربط آخر بين الآيات:
{اِسْتَجِيْبُواْ لله وللرَّسُوْلِ إذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيْكُمْ} أي إذا دعاكم الرسول للجهاد فبادروا إليه، لأن فيه
حياة لكم، ولا تعتذروا لقلة عددكم وعُدّتِكم، فالله ينصركم بتأييده، شريطة أن لا
تخونوا، ولا تخونون إلا لأولادكم وأموالكم، فمن ابتعد عن الخيانة، وشارك في الجهاد
بتضحية الأهل والمال، فهو من المتقين، وسوف يكرمه الله تعالى بالفرقان. فكأنّ الله
تعالى أشار إلى نصاب الجهاد بدءاً بالخروج للجهاد وانتهاءاً على الفتح والنصر، فحياة
المسلمين في الجهاد، والظفر في الجهاد بسبب التقوى، والتقوى في ترجيح حب الله على
حب المال والأهل، بتضحية حبهما لله. (والله أعلم بالصواب)
المراد من الفرقان غزوة بدر:
قال صاحب التفسير الحقاني:
أراد بالفرقان هنا يوم بدر، لأن من أسمائه يوم
الفرقان. (التفسير الحقاني)
وفي هذا التفسير العجيب بشارة عظيمة للمجاهدين
إن اتقوا الخيانة، ومنعوا الأهل والمال من إعاقة طريق الجهاد وخَلق الفتنة لهم،
واتقوا الله تعالى، فإن الله سوف يكرمهم بأجواء مثل أجواء بدر، وانتصارات مثل
انتصارات بدر. (والله أعلم بالصواب)
وهناك تفسير آخر لهذه الآية الكريمة في التفسير
الحقاني، وهو كما يلي:
«ثم يخاطب الله تعالى المؤمنين، فيقول: إن
اتقيتم الله، وابتعدتم عن الكفر والشرك والكبائر، فإننا نعمل لكم ثلاثة أشياء: أحدها:
نميّز بينكم وبين أعداءكم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ينوّر قلوبكم، ويضيء
وجوهكم، ويزيّنكم بمكارم الأخلاق والفتح والظفر، وفي الآخرة بالنجاة من النار
والفوز بالجنة، أما الكفّار فبضدها. ذكر مجاهد رحمه الله أن الفرقان بمعنى الصدق
في الدنيا والآخرة، وذكر مقاتل بن حيان أنه بمعنى التخلّص من الشبهات الدينية،
وذكر عكرمة أنه بمعنى النجاة من المكروهات العظيمة. (التفسير الحقاني)
المراد بالفرقان نصر الله:
«قد تُطلق كلمة الفرقان على نصر الله تعالى،
لأن بنصر الله تعالى يتغلب أهل الحق على أعدائهم، فيتميّز الحق عن الباطل، ومن هذا
الباب جاء تسمية يوم بدر بيوم الفرقان، وهذا هو معنى إكرام المتقين بالفرقان في
الآية الكريمة عند أكثر المفسرين من الصحابة، حيث ينصرهم الله تعالى ويؤيدهم
ويمنعهم من أعداءهم، فلا يقدر العدو على إلحاق الضرر بهم، وأن النصر يحالفهم في
جميع مقاصدهم». (معارف القرآن)
معنى الفرقان المخرج:
قال القرطبي رحمه الله:
قال ابن وهب: سألت مالكاً عن قوله سبحانه
وتعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} قال: مخرجا. (القرطبي)
معنى الفرقان الفتح والنصر:
عند الفرّاء فتحاً ونصراً. (والنصر بمعنى
الغلبة) القرطبي.
تحقيق الإمام الرازي في معنى
الفرقان:
قال الإمام الرازي:
ولمّا كان اللفظ مطلقا وجب حمله على جميع
الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين الكفار.
ثم كتب ما ملخصه:
الأحوال على نوعين: 1- أحوال دنيوية 2- أحوال
أخروية.
والأحوال الدنيوية على نوعين: 1- الأحوال
القلبية 2- الأحوال الظاهرة.
يُكرم الله تعالى أهل الإيمان بميزات ثلاثة في
الأحوال الدنيوية القلبية:
1- بالهداية والمعرفة 2- بنعمة شرح الصدر 3- بإبعاد
الحقد والضغينة والحسد عن قلوبهم، وتطهيرها من المكر والدسيسة.
كما يُكرم الله تعالى أهل الإيمان بميزات ثلاثة
في الأحوال الدنيوية الظاهرة:
1- الغلبة 2- الفتح 3- الظفر.
أما في الأحوال الأخروية فيُكرمهم بالميزات
الآتية:
1- بالأجر والثواب 2- النِعَم الدائمة 3-
يعاملهم اللهُ تعالى والملائكةُ بالكرم. (التفسير الكبير)
بمعنى أن المؤمنين إن اتقو الله تعالى فإن الله
أنعم عليهم بالفرقان الجامع المذكور في الدنيا والآخرة. ذكر النسفي رحمه الله
تعالى معنى الفرقان الجامع المذكور بألفاظ مختصرة، والغالب الراجح عنده أن المراد
من الفرقان انتصار الإسلام والمسلمين، وانتشار الإسلام في العالم كله، وخذلان
الكفر وأهله. كما قال:
فرقانا نصراً، لأنه يفرق بين الحق والباطل وبين
الكفر بإذلال حزبه والإسلام بإعزاز أهله أو بياناً وظهوراً يشهر أمركم ويبث صيتكم
وآثاركم في أقطار الأرض من قولهم «سطع الفرقان» أي طلع الفجر أو مخرجا من الشبهات
وشرحاً للصدور، أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان وفضلا ومزية في الدنيا
والآخرة. (المدارك- كشاف)
درس وعبرة:
فيه إشارة إلى أن المسلمين إذا جاهدوا في سبيل
الله، واتقوه، انتصر الإسلام وجرّ الكفر والشرك أذيال الهزيمة بفضل شهامته ورُعبه.
نكتة مهمة:
قال بعض كبار أهل العلم (مثل الشيخ أبي الحسن
علي الندوي رحمه الله وغيره): الآية الكريمة تُشير إلى أن الله سبحانه وتعالى يحب
أن تكون لعباده ميزة خاصة، والواجب على المسلمين العمل بالشريعة والمحافظة على
ميزتهم الخاصة، وعدم الذوبان في المجتمعات الكافرة. (والله أعلم بالصواب)
كفارة المعاصي والعفو عنها:
في الآية الكريمة تأكيد على أن الله تعالى يَهَبُ
المؤمنين الفرقان ببركة تقواهم، ويمحو ذنوبهم، ويعفو عنهم، كما قال العلامة ابن
كثير رحمه الله تعالى:
وتكفير ذنوبه وهو محوها وغفرها سترها عن الناس.
(وعكسه في روح المعاني) (ابن كثير)
وأشار بعض المفسرين إلى المراد بالفرقان أن
الله سبحانه وتعالى يقيهم من آثار ذنوبهم المدمرة، كما يقي جماعتهم وحركتهم منها.
«لاشك أن ما من رجل يقوم بعمل إلا وتصدر عنه
بعض الأخطاء، أما تفاديها فيعتمد على تأييد الله تعالى له، وإليه أشار في الآية
الكريمة أن أخطاءكم لا تُعيق طريقكم». (تفسير الفرقان)
«لا يصير الرجل بالتقوى معصوما عن الخطأ، تصدر
منه السيئات، لكنها تنجبر بتقواه». (التفسير الماجدي)
اللهم وفِّق أمة الإسلام للجهاد والتقوى، وأكْرمهم
بالفرقان، فالأمة بأشد الحاجة إليها اليوم. (آمين يا أرحم الراحمين)
دروس:
لقد جعل الله تعالى القرآن الكريم فرقانا، وجعل
يوم بدر «يوم فرقان». فما من نعمة يكرم الله تعالى المجاهد بها بفضل تقواه إلا وهي
فرقان. والقرآن يفرّق بين الحق والباطل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فرّق الله تعالى يوم بدر بين الحق والباطل بحيث ظهر الحق للجميع. ومن هنا عرفنا أن
ما من مؤمن أكرمه الله تعالى بنعمة الفرقان إلا وصار علامة للحق، به يُعرف الحق،
ويبتعد عنه الباطل، كما يكرمه الله تعالى بإرادة قوية، وصفة مميزة، ونصرة وتأييد،
وينور قلبه. فإن ازداد أعداد هؤلاء الموصوفين بالصفات المذكورة بين المسلمين،
تكاثرت الفتوحات والانتصارات والميزات الخاصة بينهم. فالواجب على المؤمنين التضحية
بالأهل والمال لتحصيل نعمة الفرقان، فلا يألون يتقون الله ويجاهدون في سبيله، ويواصلون
جهادهم ونضالهم، ويجعلون مصالحهم الشخصية وراء ظهورهم، لتحصل لهم نعمة الفرقان.
(والله أعلم بالصواب)
