{سورة الأنفال مدنية، الآيات : 31}


   بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنِا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا اِنْ هَذَا الا اَسَاطِيْرُ الاوَّلِيْنَ}.

ملخص معاني الآية:

أشار فيها إلى أن المشركين يعادون القرآن وينكرونه، ويقولون إذا سمعوا آياته: لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن، ولا يشتمل القرآن إلا على قصص خيالية للأمم السابقة.

ربط الآيات:

1- قبل غزوة بدر أغلب المشركين كانوا يزعمون أنهم على الحق، وأن القرآن ليس إلا مجموعة من القصص الأسطورية الخيالية التي لا أساس لها من الصحة، فلما ابتدأ الجهاد، وباتت وعود القرآن تتحقق، علموا أن زعمهم كان باطلاً. هذا هو الارتباط الذي أشار إليه الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى، كما قال:
أي (إن المشركين كانوا يقولون عن القرآن) دائماً (أنه يحتوى على قصص أسطورية) والآن (في غزوة بدر) شاهدوا أنها لم تكن قصصا أسطورية، فقد جاءهم الوعد بالعذاب كما جاء الأمم السابقة. (موضح القرآن)
2- لقد أكرم الله تعالى المؤمنين بنعمة الفرقان بفضل تقواهم، فهم يعرفون الحق من الباطل، وحُرم منها أولئك الذين أعرضوا عن الإيمان، فلم يعرفوا القرآن، قال اللاهوري بعد بيان هذا الربط:
«عُوقب الكفار على ترك التقوى بعدم التوفيق بمعرفة آيات الله تعالى، وزعموها قصصا أسطورية». (حاشية اللاهوري)
3- لقد نصر الله المؤمنين في مقابلة الكفار والمشركين، فانتصروا عليهم، وأنزل الملائكة لإهلاكهم، لأن الكفار والمشركين يعاندون الله ورسوله، كما قال: {بِاَنَّهُمْ شَآقُّوا اللهَ ورَسُوْلَهُ} والآن يذكر مزيداً من عيوب الكفار، ويقول إنهم ما استحقوا الإذلال المذكور إلا لأنهم كانوا يعاندون القرآن، ويسيئون إليه.
قال العلامة التهانوي رحمه الله مشيرا إلى الربط بين الآيات:
قبل الترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية ذمّهم بقوله: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله..} وقوله: {اِنْ تستفتحوا..} وأسباب استحقاقهم العذاب لذمائمهم، وقد ذكر المضمون المذكور بشيء من التفصيل فيما بعدها حتى نهاية ركوع {هم الخاسرون}. (بيان القرآن)
4- القرآن «كتاب الهدي والرشد» ، والكفار والمشركون يمكرون به، ويدّعون بأنهم قادرون على الإتيان بمثله، فيضللون العامة ويصدونهم عن دعوة القرآن، لذلك يجب قتالهم وجهادهم، لكي تزول المعوقات والعراقيل عن طريق الحق، ويستفيد العوام من نور القرآن، ويهتدوا به. (والله أعلم بالصواب)
5- قال الإمام الرازي حول ربط الآيات:
«اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد · حكى مكرهم في دين محمد ·». (التفسير الكبير)

سبب النزول:

قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
«قائل ذلك هو : النضر بن الحارث واتبعه قائلون كثيرون، وكان من مردة قريش، سافر إلى فارس وحيرة وسمع من قصص الرهبان، والأناجيل، وأخبار رستم، واسفنديار». (البحر المحيط)
هذا النضر بن الحارث كان ممن اُسر يوم بدر، وقد أمر النبي · بضرب عنقه بالسيف أثناء عودته إلى المدينة. (البحر المحيط)

لو شئنا..

كان النضر بن الحارث يقول: لو شئنا لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين، لكن من سنة القرآن أنه يفصل جميع الخلافات بقوله: {فأتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين}. والسؤال هو تقولون: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} لكنكم ما شئتم، فلماذا ما شئتم؟ كمن قال: لو سار فرسي لوصل لندن في يوم، لكنه لا يسير. وعلى كل فالمشركون لمّا سمعوا قصص الأمم السابقة قالوا: إن هي إلا أساطير الأولين. فقد شاهدوا يوم بدر أنها لم تكن كما كانوا يزعمون، وأتاهم العذاب الذي وعدهم كما أتى الذين كانوا قبلهم. (التفسير العثماني)

هذه الآيات وعصرنا الحاضر وإعجاز قرآني مدهش:

لاحظوا الآية السابقة وهذه ثم الآيات التي تليها، تعرفون الترتيبات العسكرية الكاملة للمشركين ضد المسلمين، ففي الآية الثلاثين أشار إلى ما مكر المشركون ضد النبي · من اعتقاله أو إصابته بجروح أو استشهاده. وفي الآية الحادية والثلاثين أشار إلى أنهم يعادون القرآن ويسعون إلى منع تعليماته، وفي الآية الخامسة والثلاثين أشار إلى أنهم يصفّرون ويصفّقون في مواقع العبادة. وفي الآية السادسة والثلاثين أشار إلى أنهم يسعون إلى منع انتشار الإسلام بفتح باب الحرب الاقتصادية ضدهم. وفي الآية السابعة والثلاثين أشار إلى تحالفهم ضد المسلمين، وفي الآية التاسعة والثلاثين أرشد المسلمين إلى أساليب القضاء على ترتيباتهم العسكرية.
ثم لاحظوا أعداء الإسلام اليوم، ففي المرتبة الأولى يسعون إلى القضاء على القيادات الجهادية الإسلامية، ثم يسعون إلى منع الناس من تعاليم الإسلام، وإلا فما معنى تلك الحملات الشرسة التي يقومون بها ضد المدارس الدينية؟ في القديم كان المشركون يصفون القرآن بأساطير الأوّلين، واليوم يصفونه بمقررات الرجعية، ثم يسعون إلى إبعاد المسلمين عن الطاعات والعبادات لكي يشتغلوا بالمكاء والتصدية والمرح، إضافة إلى ذلك فإنهم بدءوا حرباً اقتصادية ضدهم، واستخدموا المال كسلاح، كما أقاموا تحالفات اقتصادية وعسكرية للإضرار بمصالحهم، لذلك يجب على المسلمين في ضوء التوجيهات القرآنية أن يعملوا بمفهوم الآية التاسعة والثلاثين بحيث يقضوا على كافة الترتيبات العسكرية التي اتخذوها، عملاً بقوله تعالى: {وقَاتِلُوْهُمْ حتّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ ويَكُوْنَ الدِّيْنُ كُلُّه للهِ}.
وبالتأمل في الآيات المذكورة ثم بملاحظة أحوال اليوم، وبدراسة الترتيبات العسكرية التي اتخذها الكفار ضد المسلمين، وبالنظر في لفظ «الفتنة» نتوصل إلى الإعجاز القرآني المبهر، ونجد قلوبنا مدفوعة إلى الشهادة بصدقه وإعجازه. فقد صدق الله مولانا العظيم ومن أصدق من الله حديثا. (والله أعلم بالصواب)

عبارة جميلة:

من كان قائل تلك المقولة؟ قال أهل السير والتاريخ: هو النضر بن الحارث بن كلدة، أحد زنادقة قريش، ورحّالة زمانه، وصاحب الفكر المنير، زار الدولة الساسانية البالغة أوج الحضارة والمدنية في ذلك العهد، شأنه شأن الهندي العائد بزيارة وجيزة من بريطانيا. (التفسير الماجدي)
أي مثل الهندي الذي يسافر إلى أوروبا، فتيتأثر بتقدمها المبهر، لتعاسته وحرصه الشديد للمال، ثم يعود إلى الهند، ويظل عبوسا قنطريرا، ينتقد كل دقيق وصغير.