{سورة محمد مدنية، الآية 36}

{بسم الله الرحمن الرحيم}
{إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36)}.
ملخص معاني الآية:
(1) حب الدنيا أحد موانع الجهاد، فقال: اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو آني لا بقاء لها.
(2) لا يمكن مناداتكم بالصلح وترك القتال إلا إذا دخل حب الدنيا الفانية في قلوبكم، ومن حب الدنيا حب النفس والمال وحب الأهل والعيال. أكّد على أن جميعها فانية زائلة، فلا تحرموا أنفسكم من ثواب الجهاد الأبدي بالميل إلى حب الدنيا الفانية.
(3) إن تؤمنوا بالله وتتقوا يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم.
فائدة:
لاحظوا بعض النصوص قبل استيعاب معاني الآية الكريمة، وفي آخرها نفرد قول الله تعالى: {ولا يسئلكم أموالكم} ببحث مستقل.
ثواب الإنفاق في الجهاد:
«إنما الدنيا مقارنة بالآخرة ليست إلا لعبا ولهوا، وإن تؤمنوا وتتقوا، فتبتعدوا عن اللعب واللهو، يؤتكم الله أجوركم، ولا يسئلكم أموالكم، لأنه ليس بحاجة إليها، إذ هو المعطي وليس الآخذ».
كما قال تعالى: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}.
حتى وإن طلب فإنه هو المالك الحقيقي لكافة الأموال، لكنه إذا أمر بالإنفاق في سبيل الله لا يأمر بإنفاق جميعها، إنما يطالب بجزء بسيط منها، لما يعود إليكم بالنفع في نهاية المطاف.
قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
«لقد فتح الله البلاد على المسلمين، وما بذلوا من الأموال إلا مدة يسيرة، ثم استعادوها أضعافا مضاعفة، وعلى أساسه استقرض الله من المؤمنين». (التفسير العثماني)
لا تتهاونوا في الجهاد للدنيا:
قال الإمام أبو حيّان رحمه الله:
«{إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} وهو تحقير لأثر الدنيا، أي فلا تهنوا في الجهاد، وأخبر عنها بذلك ما يختص بها من ذلك، وأما ما فيها من الطاعة وأمر الآخرة فليس بذلك». (البحر المحيط)
«بما أن المانع من الجهاد عادة لا يكون إلا حب الدنيا، من المال والنفس والأهل والعيال، أشار في هذه الآية الكريمة إلى أنها كلها زائلة لا بقاء لها، فلو استطاع إنقاذها اليوم أليس مصيرها الزوال بالغد؟ لذلك لا تغلبوا حب الدنيا الفانية على نعيم الآخرة الباقي» (معارف القرآن)
«إن السعي إلى المصالحة وتجنب القتال في كل مواجهة وجهاد مع الكفار من علامات حب الدنيا ورغتبها، لذلك يجب أن يترسّخ في القلوب بأن الدنيا زائلة لا دوام لها، وأنها ليست أكثر من لعب ولهو». (معارف القرآن للكاندهلوي)
التحريض على الجهاد بالتزهيد عن الدنيا:
«في الآية السابقة رغّب في الجهاد بالتشجيع عليه، وفي هذه الآية أراد التحريض عليه بالتزهيد في الدنيا، والتجنيب عنها، كما أراد التمهيد لما يأمره  من الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} فإن أردت الاستمتاع فيها بالنفس والمال فإلى متى، إذ مصيرها الزوال. {وإن تؤمنوا وتتقوا} ومنه الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، فإن الله ينفعكم نفعا خاصا من عنده، بأن {يؤتكم أجوركم} ثم لا يطالبكم بفائدة». (بيان القرآن مع تسهيل يسير)
تحريض إضافي على الجهاد:
«زيادة في التسلية يعني كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد، وهو لا تفوتك لكونك منصورا غالبا، وإن فاتتك فعملك غير مؤثر، فكيف وما يفوتك، فإن فات فائت ولم يعوض لا ينبغي لك أن تلتفت إليها لكونها لعبا ولهوا». (التفسير الكبير)
الفرق بين اللعب واللهو:
قال الإمام الرازي رحمه الله:
«اللعب ما تشتغل به ولا يكون فيه ضرورة في الحال ولا منفعة في المآل ، ثم إن استعمله الإنسان ولم يشتغله عن غيره ، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو لهو ، ولهذا يقال ملاهي لآلات الملاهي لأنها مشغلة عن الغير». (التفسير الكبير)
الجهاد ليس إلا منفعة:
«توكلوا على الله، وجاهدوا في سبيله، تنتصرون، وتنالون غايتكم، أو تُقتلون. أما الدنيا فماذا فيها، حتى تغترّوا منها، حياة الدنيا لهو ولعب، ولغو وزائل. آمنوا في هذه الأيام القليلة، واتقوا الله، فتلك زاد الآخرة، خذوها معكم، وسيروا على طريق الآخرة، تنالون جزاءكم، ولا تحتاجون إلى الإنفاق، حتى تخافوا فتبتعدوا عن أعمال الخير. هذا معنى {ولا يسئلكم أموالكم}». (التفسير الحقاني مع تسهيل)
لا يطالبكم الله بأموالكم:
وقال تعالى في آخر الآية: {ولا يسئلكم أموالكم}..
قد يتساءل أحد: لقد رغّب القرآن في مواضع عدة فى الإنفاق في سبيل الله من الزكاة والصدقات والإنفاق في الجهاد وغيرها، فما معنى قوله: {ولا يسئلكم أموالكم}؟ أجاب عنه المفسرون بعدة أجوبة:
(1) لا يسئلكم الله أموالكم لنفعه، إذ هو غني، ونفع إنفاقكم يعود إليكم.
(2) لا يسئلكم الله أموالكم كاملة، إنما يطالبكم بإنفاق جزء منه، أما الكافر فيُسلب منه جميع ماله إن خرج مقاتلا المسلمين.
(3) ما من مال عندكم فهو لله، يأمركم بالإنفاق منه، والمال ليس لكم، فلماذا تتضايقون وتتحرّجون؟
(4) لا يسئلكم الرسول · شيئا من المال على التبليغ والدعوة إلى الله. (القرطبي وروح المعاني).
ولاحظوا الآن ملخص ما قاله الرازي على الموضوع:
(1) لاشك أن الجهاد لا يمكن بدون الإنفاق، أشارت الآية الكريمة إلى أن الله تعالى لا يأمركم إلا بالإنفاق من المال الزائد عن حوائجكم الأصلية.
(2) الأموال لله وهي في أيديكم عارية وقد طلب منكم أو أجاز لكم في صرفها في جهة الجهاد فلا معنى لبخلكم بماله ، وإلى هذا إشارة بقوله تعالى : { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } [ الحديد : 10 ]
(3) لا يسألكم أموالكم كلها ، وإنما يسألكم شيئاً يسيراً منها وهو ربع العشر. (التفسير الكبير)
فائدة:
لاتطوفوا الدنيا حاملين رسالة السلام والمصالحة مع الكفار لهثا على حطام الدنيا ورفاهيتها الفانية، بل جاهدوا بأموالكم وأنفسكم، وبرهنوا على إيمانكم وصدقكم، وادّخروا لآخرتكم، فهذا ما أمركم الله به، وهذه هي رسالة الآية الكريمة الواضحة. لكن العديد من حكام المسلمين اليوم يبرمون اتفاقيات التعاون العسكري مع الكافرين، ثم يذبحون المسلمين، ألا يتدبرون هذه الآيات، أم على قلوبهم أقفالها؟ ... (والله أعلم بالصواب)