{سورة محمد مدنية، الآية 35}


{بسم الله الرحمن الرحيم}
{فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)}.
ملخص معاني الآية:
(1) يا أيها الذين آمنوا.. لا تهاونوا ولا تكاسلوا في القتال في سبيل الله (2) لا تتظاهروا بالجبن والمداهنة لتدعوا الكفار إلى المصالحة (3) النصر حليفكم للأبد (4) والله معكم، فينصركم على أعدائكم (5) لن ينقصكم الله شيئا، إذ لا تجدون عنده إلا ما ينفعكم ويفيدكم.
أيها المسلمون.. لا تجبنوا..
«الواجب على المسلمين أن لا يهنوا ولا يتكاسلوا، ولا يجنحوا إلى السِلم فزعا من أهوال الحرب، وإلا تأسّد العدوّ وظلّ يمارس الضغوط، وينتهي على هزيمة جماعة المسلمين وإلحاق العار بها. لكن لا يمانع الإسلام من المصالحة إن كان فيها مصلحة للإسلام ومنفعة لأهله، كما سيأتي ذلك في سورة «الفتح». والمهم أن لا يلجأ المسلمون إلى المصالحة لتهاونهم وتكاسلهم، واعلموا ..أنتم الأعلون على أعدائكم، لأن الله معكم، ولن ينقص من أعمالكم شيئا، فلا داعي إلي الهلع، والمهم أن تصبروا وتثبتوا على الحق وعلى ما أمركم الله به، فإن الله معكم ينصركم ويؤيدكم، وسوف يغلبكم على أعدائكم، فلا تخسرون ولا تنهزمون». (العثماني)
يا أيها الذين آمنوا.. لا تخضعوا للباطل..
«لاشك أن الكافر عدو الإسلام، والعدو يسخّر كافة قواه العقلية والبدنية للتغلب على الخصم، فلن يقصّر الكافر في إلحاق الأضرار بالمسلمين، لذلك يجب على المسلمين أن لا يتوانوا ولا يتكاسلوا ولا يجبنوا في محاربته. يجب عليكم أن لا تَضْعُفوا ولا تخنعوا، ولا تنادوا بالصلح فزعا من شدائد الحرب، وخضوعا لواقع سلطانهم وهيمنتهم، إن فعلتم ذلك اعترفتم بقوتهم وغلبتهم لضعفكم، ولن تقدروا على محاربتهم، ولن تُضعفوا قوتهم وشوكتهم، لأن الكفر إن تمكن من المحافظة على قوته وجبروته، أعاق طريق انتشار الإيمان والهدي في العالم، ولن يتغلب الإسلام عليه، ولا تعلو كلمته. لذلك أيها المؤمنون.. لا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم، أنتم الأعلون، والله معكم، ولن يتركم أعمالكم». (معارف القرآن للكاندهلوي)
المسلم محبوب والكافر مبغوض:
وفي بيان القرآن:
«فلما عرفنا أن المسلم محبوب عند الله، والكافر مبغوض، فأنتم أيها المسلمون لا تهنوا في مقاومة الكفار، ولا تجبنوا فتيملوا إلى الصلح، واعلموا ... أنتم الأعلون، وأنهم منهزمون، لأنكم محبوبون، وهم مبغوضون، والله معكم. هذا في الدنيا أما في الآخرة فإنه لن ينقص من ثواب أعمالكم ومكافاتكم شيئا». (بيان القرآن)
ترويج فكر متميز بين المسلمين:
الغرض من الآية المذكورة ترويج فكرة متميزة بين المسلمين عن الكفار، بأن لا يسمحوا لهم بالتغلب وبسط السلطان والهيمنة عليهم، وذلك بالاستعداد للجهاد دائما، وليعلموا أن الإسلام إنما جاء لينتصر ويتغلب على خصمه، إذ في هزيمته ضياعا للبشرية بأكملها، لذلك كونوا ممن يضحّون بأرواحهم، ولا تكونوا ممن يحافظون عليها، لأن ما من قوم يتصدى للمحافظة على الأرواح إلا ويضطر في مقابلته إلى دفع أثمان باهضة بشكل الذل والعار والندم.
وفي روح المعاني:
واستدل الكيا بهذا النهي على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وعلى تحريم ترك الجهاد إلا عند العجز. (روح المعاني)
نص تقرير الرازي الرائع :
لقد أورد الإمام الرازي رحمه الله في هذا الموضع بيانا إيمانيا رائعا، لاحظوا فيما يلي بعض أجزائه:
الآيات السابقة دلت على:
(1) أعمال الكفار التي تبدو صالحة .. مردودة عليهم.
(2) لا يُغفر جريمة الكفار الكبرى، وهي الكفر بالله، (خاصة إذا ماتوا عليه). فعرفنا أن الكافر لا حرمة له ولا مكانة، في الدنيا ولا في الآخرة.
(3) أمر الله تعالى المسلمين بطاعة الرسول · بلفظ {وأطيعوا الرسول}.
(4) أمرهم بالقتال وقال {فلا تهنوا}.
(5) في الآيات السابقة لمّا أمر بطاعة الله ورسوله أكّد على أهمية الجهاد، لأن الجهاد مما أمر الله به ورسوله.
والمانع من القتال إما أخروي وإما دنيوي ، فذكر الأخروي وهو أن الكافر لا حرمة له في الدنيا والآخرة ، لأنه لا عمل له في الدنيا ولا مغفرة له في الآخرة ، فإذا وجد السبب ولم يوجد المانع ينبغي أن يتحقق المسبب ، ولم يقدم المانع الدنيوي على قوله { فَلاَ تَهِنُواْ } إشارة إلى أن الأمور الدنيوية لا ينبغي أن تكون مانعة من الإتيان ، فلا تهنوا فإن لكم النصر ، أو عليكم بالعزيمة على تقدير الاعتزام للهزيمة . (التفسير الكبير)
حكم المصالحة:
في هذه الآية قال: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} وقال في سورة الأنفال {وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها} والآيتان لا تزالان تحافظان على حكمهما، وقد سبق تفصيل الموضوع بالإحالة إلى التفسير العثماني.
قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
«لا تميلوا إلى الصلح فرارا من الجهد والتعب، إن بدا لكم الصلح لا عيب فيه، كما سيأتي بيانه في سورة الفتح». (موضح القرآن)
تحذير للمؤمنين:
حذّر الله تعالى المؤمنين من التهاون والتكاسل خنوعا لواقع الكفار من القوة المادية والعسكرية وزيادة العدد والعُدّة وما يلحقون المسلمين من أذى، ثم قال: {وتدعوا إلى السلم} أي تنادوا بالصلح مع العدو فراراً من القتال. (معالم العرفان)