{سورة الأنفال مدنية، الآيات : 50، 51}


   بسم الله الرحمن الرحيم

{ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكةُ يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد}.

ملخص معاني الآيتين:

أشار إلى المشهد المُرعِب وقت قبض الملائكة أرواح الكفار والمشركين، يضربونهم بأسواط من النار على وجوههم وأدبارهم، ويقولون: ستذوقون عذاب الحريق بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد.

ربط الآيات:

الأول: ذكر في الآيات السابقة أن المشركين سيُغلبون ويُقتلون، وفي هذه الآيات أشار إلى عقوبتهم المستقبلية بدءاً من البرزخ. (بيان القرآن)
الثاني: هذه الآية مرتبطة بغزوة بدر، فالمسلمون كانوا يضربون المشركين بالسيوف من الجهة الأمامية، وإذا تولّوا ضربهم الملائكة على أدبارهم، وقبضوا أرواحهم بعنف.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:
عن مجاهد قال يوم بدر قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم. (ابن كثير)
قال اللاهوري رحمه الله:
كانت الملائكة تقول ما ذُكر في الآيتين بشأن المشركين الذين أتوا إلى بدر للقضاء على المسلمين، وهو مصير كل من عاش حياة مخالفة لما أمر الله تعالى. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
وقيل: الآية تعم المشركين جميعا، ومن ضمنهم القتلى يوم بدر.
قال العثماني رحمه الله تعالى:
من المفسرين من أدخل هذه الآية في بدر، وقال: كانت الملائكة تتعامل مع أولئك المشركين الذين كانوا يُقتلون يوم بدر بما ذُكر في الآية، لكن لفظ الآية عام يشمل الجميع، فالذي يترجح أن الآية تخص البرزخ. وتوجيه ارتباطها ببدر أن الكفار واجهوا ما واجهوا يوم بدر ثم انتقلوا إلى البرزخ فعَرضَ لهم ما ذُكر في الآية، أما الآخرة ففيها لهم عذاب أليم.
الثالث: كان الله بصدد بيان أحوال بدر وأعمال المشركين السيئة، ليعلموا أسباب محاربتهم، وهنا ذكر عاقبتهم القبيحة بأنهم يعاقبون في البرزخ والآخرة.
فيها إنذار للمشركين كي ينتهوا عما هم فيه، وبشرى للمؤمنين بالعقوبة الشديدة التي أنزلها بساحة أعدائهم. فأعداء الإسلام يُعاقبون في الدنيا بأيدي المجاهدين، وفي البرزخ بأيدي الملائكة. وفيها إشارة إلى حكمة من حِكم الجهاد. (والله أعلم بالصواب)

مشهد مُرعب عند وفاة المشركين:

قال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى:
يقول تعالى: ولو عاينت يا محمد (·) حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا منكراً. (ابن كثير)
وبما ذكر ابن كثير عرفنا التركيب النحوي أيضاً للآية.

الملائكة تضرب أبا جهل:

أورد ابن كثير والقرطبي ما روي عن الحسن البصري:
«إن رجلا قال لرسول الله · يا رسول الله! إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك قال ذلك ضرب الملائكة». (القرطبي)

سياط من نار:

قال العلامة أبو حيان رحمه الله تعالى:
فإن كان ذلك عند الموت ضربتهم الملائكة بسياط من نار. (البحر المحيط)

نكتة رازية:

{يضربون وجوههم وأدبارهم}
استنبط الرازي فائدة مهمة من الضرب على الوجوه والأدبار، فقال: يحزن المشرك عندما يفارق روحه الدنيا، ثم ينظر إلى الآخرة فلا يرى فيها إلا الظلمات، فكأنه يَلقى الضربات من الجهتين الأمامية والخلفية. (التفسير الماجدي والتفسير الكبير)