{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)}.
ملخص معاني الآية:
ومن خرج مهاجرا في سبيل الله وجد في الأرض
مواقع كثيرة للإقامة وتوسعا في الرزق، ومن خرج مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم مات قبل
أن يصل إلى غايته، فقد وقع أجره على الله. (إضافة إلى المغفرة والرحمة) لأن الله
غفور رحيم.
الأقوال ومراجع:
خوفان
ووعدان:
ملخص ما كتبه الرازي أن الأشياء التي تمنع
المرء من الهجرة اثنان، الأول: يسايره خوف من ضيق العيش والمكان في دار الهجرة.
والثاني عدم تيقنه من وصوله إلى غايته. ففي الجزء الأول من الآية وعد المهاجر في سبيل
الله بسعة الرزق والمكان، وفي الثاني أكّد على أن الأجر ناجز، سواء تمكن من الوصول
إلى غايته أو لم يتمكن. (التفسير الكبير)
الأجر
على العمل أم النية؟
لقد بحث الرازي هذه المسألة، وقال من بدأ عملاً
ثم وافته المنية قبل إتمامه، فهل له أجر كامل العمل أم النية؟ ثم كتب في آخره:
واعلم أن القول الأول أولى، لأنه تعالى إنما
ذكر هذه الآية ههنا في معرض الترغيب في الجهاد. (التفسير الكبير)
قصة إيمانية رائعة:
أخرج ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن
ضمرة ، وكان بلغه قوله تعالى : { إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ظالمى أَنفُسِهِمْ }
[ النساء : 97 ] الآية وهو بمكة حين بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلميها
فقال لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدي الطريق ، وإني لا أبيت
الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم
ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله؛ ويقول : اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى
الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسولك ، ولما بلغ خبر موته الصحابة رضي الله
تعالى عنهم قالوا : ليته مات بالمدينة فنزلت { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ
وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}. (روح المعاني)
فائدة:
وبهذه الآية استنبط فقهاء المدينة المسألة
التالية:
إن الغازي إذا مات في الطريق، وجب سهمه في
الغنيمة.
قال الآلوسي رحمه الله:
والصحيح ثبوت الأخروي فقط. (روح المعاني)
الهجرة والجهاد:
«دلت الآيات على أن للهجرة والجهاد أهميتهما في
الشريعة الإسلامية، ولهما بركاتهما، كما دلت على أن من خرج من بيته مهاجرا، فقد
وجد مأوى في مكان مّا من الأرض، وسعة في الأرض، قد يواجه صعوبات في أول الأمر
لغربته في الوطن الجديد، وما إن استقر فيه حتى تفتحت عليه أبواب الرحمة والبركة.
ونال المنافع الظاهرة والباطنة، إضافة إلى وفرة المعاش. هاجر صحابة رسول الله · من
مكة إلى المدينة، وبعد سنوات فتح الله عليهم مكة، وخيبر، وغيرها كثيرا من المناطق،
وأحرزوا كثيرا من الأراضي والمغانم، ثم فتح الله عليهم الشام ومصر والعراق، ونال
المستضعفون بمكة أموالا طائلة. يشهد التاريخ أن الهجرة والجهاد يغيران مسار
الحياة، فالمسلم لا يحرز ثواب الآخرة فقط، (ولا شيء يوازيه) لكنه ببركة الهجرة
والجهاد ينال العز والشرف والنصر على الكفار والعبيد والجواري والخدم. (أنوار
البيان)
كلام بركة:
لاحظوا فيما يلي تسهيلا لطيفا لنص الشاه عبد القادر
في ألفاظ العلامة ظفر أحمد العثماني:
«في الآية ترغيب في الهجرة، يُطمّن الله
المهاجر أنه إن هاجر لله، وترك داره ووطنه، فإنه يجد كثيرا من الأماكن للعيش، ووجد
سعة في المال والرزق، لذلك لا تخافوا من الهجرة، لا يسايركم الخوف بشأن الأكل
والشرب والسكن، أو أن يدرككم الموت في الطريق، وأنتم في وسط الطريق، لا إلى هؤلاء
ولا إلى هؤلاء، إذ تنالون أجر الهجرة كاملا، أما الموت فلاشك أن له وقتا محدّداً،
لا يتقدمه ولا يتأخره». (التفسير العثماني)
اذكروا الله تعالى في جميع الحالات، حتى أثناء
الهجوم والقتال. (التفسير الحقاني)
