{سورة البقرة مدنية، الآية 109}


{بسم الله الرحمن الرحيم}
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}.

ملخص معاني الآية:

(1) فيها تحذير للمسلمين وإنذارهم عما يسعى إليه اليهود والنصارى لرد المسلمين على أعقابهم، وأخبرهم أنهم أعداءهم في الظاهر والباطن، وأنهم يحسدونهم.
(2) كما أمرهم بالصبر في الظروف الراهنة، وأمرهم بتقوية صلتهم مع الله بالصلاة والزكاة، وتقوية جماعاتهم بهما.
(3) معاقبة المتآمرين على الإسلام والمسلمين بالجهاد الذي سوف يؤمرون به وهو الدستور الذي يضمن للعالم أمنه وسلامه.
(4) لا يقلق المسلمون لضعفهم وقوة أعداءهم، إذ تحصل لهم القوة بعدما يؤمرون بالجهاد، فيباشرونه، والله معهم، وسينصرهم على أعداءهم، ويغلّبهم عليهم، لأنه قادر عليه.
(5) الله أمر بالجهاد.

أقوال أهل العلم:

(1) هذه الآية نزلت في اليهود.
(2) نزلت في كعب بن الأشرف، من اليهود.
(3) نزلت في حيي بن الأخطب وأبي ياسر بن الأخطب.
(4) انتقد اليهودُ المسلمين بعدما نزلت بهم هزيمة ظاهرة يوم اُحد، ودعوهم إلى الارتداد عن دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
(5) فيها بشارة بالنصر والغلبة للمستضعفين المضطهدين من المسلمين.
المراجع:
(1) حذّر الله تعالى في هذه الآيات عبادَه المؤمنين من أنشطة بعض اليهود الساعية إلى ردّ المسلمين على أعقابهم بتدابير وحيلٍ متنوعة مستخدمين في ذلك لساناً معسولاً وكلاماً فاتنا، ثم ما كانوا يتناهون عنها رغم فشلهم. (بيان القرآن)
(2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان حُيَي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشدّ اليهود للعرب حسداً إذ خصهم الله برسوله ·، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما. (ابن كثير)
(3) كان سبب نزول هذه الآية قصة تتعلق باليهود، لذلك فسّر معظم المفسرين  لفظ {ودّ كثير} بـ : أهل الكتاب أو أحبار اليهود. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وعموم اللفظ يشمل الطائفتين: اليهود والنصارى. ومن مظاهر هذه الحقيقة ما نلاحظ من أنشطة مكشوفة ومنتظمة ومعادية للإسلام والمسلمين تقوم بها أطراف نصرانية بعدوانية وشراسة، وأطراف يهودية بتعبئة الرأي العام بشكل سرّي وبقدر أخف من سابقتها، في كافة الميادين من السياسة والاجتماع والتاريخ والجغرافية والكتابات. والهدف منها حمل المسلمين على أن يكرهوا دينهم إن لم يكونوا يدخلون في اليهودية أو النصرانية. ومثله ما قال المتقدمون من أهل العلم، فقد أكّدوا على أن الآية تُنبّههم على عداوات المشركين. (التفسير الماجدي)
(4) عن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو النبي · وفيه أنزل الله: {حتى يأتي الله بأمره}. (ابن كثير)
وأراد {بأمره} الأمر بالجهاد عند أكثر المفسرين، وأشار فيها إلى غزوة بني النضير وغزوة بني قريظة.
فيما يلي لاحظوا بعض الإحالات:
{حتى يأتي الله بأمره} أي قتل بني قريظة وإجلاء بني نضير. (القرطبي)
هو واحد الأوامر والمراد به الأمر بالقتال. (روح المعاني)
وهو قول أكثر الصحابة والتابعين أنه الأمر بالقتال. (التفسير الكبير)
{بأمره} فيهم من القتال. (تفسير الجلالين).
الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني نضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم. (الكشاف)
أشار فيها إلى أننا سوف نبين لكم طريقة معاقبة خبث هؤلاء اليهود بالأمر بالقتال والجزية الذي يمثّل «قانون تنظيم أمن العالم». (بيان القرآن)
{إن الله على كل شيء قدير} وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد المؤمنين بالنصرة والتمكين. (روح المعاني)

فائدة:

{فاعفوا واصفحوا} قال القرطبي رحمه الله: هذه الآية منسوخة بقول الله عزوجل {قاتلوا الذين لا يؤمنون} إلى قوله {وهم صاغرون}. وقد بسط الكلام فيه الرازي في التفسير الكبير والآلوسي في روح المعاني. والرجاء من طلبة العلم مراجعتها.
نكتة:
في الآية اللاحقة أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. فهي تشير إلى أن لكثرة الأعمال الصالحة أثراً على النفوس، أي بإكثار الصلاة والزكاة وغيرهما من الأعمال الصالحة سوف تنتصرون على أعداءكم في الجهاد. كما قال صاحب ترجمان القرآن:
إن الصلاة والزكاة اللتان تمثّلان تنشيط الطاعة البدنية والمالية تساعدان في تنمية قدرة الجماعة المعنوية وتقويتها، وما من جماعة تهتم بهذا الجانب إلا وحافظت على دينها وقدرتها الجماعية. (ترجمان القرآن)
بعض الآيات المماثلة:
البقرة 120، 217، آل عمران 69، 72، 100 المائدة 51 التوبة 29.

دعاء:

مساعي اليهود والنصارى مستمرة اليوم على قدم وساق لتضليل المسلمين عن دينهم، وقد نزل أمر الله بالقتال. نسأل الله التوفيق للجميع، واليقظة والشعور بالمسئولية.
آمين يا رب العالمين