{سورة المائدة مدنية، الآية 11}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)}.

ملخص معاني الآية:

يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيدي الحرب والظلم والدمار، فكفّ أيديهم عنكم، وأظهركم عليهم، فاتقوا الله، أي بالغوا في التقوى، وتوكلوا عليه، أي بالغوا فيه.

قولان لأهل العلم:

لقد عصمكم الله من قوم أن يبسطوا أيديهم إليكم، وفيه قولان لأهل العلم: الأول: ليس فيها إشارة إلى شيء من الحوادث والوقائع، إنما الإشارة فيها إلى عموم أحوال المسلمين في ابتداء الإسلام، عندما كان الكفار يزحفون عليهم من الجهات كلها ليبسطوا أيديهم إليهم، لكن الله عصمهم، ونصر المسلمين على أعداءهم. والثاني: فيها إشارة إلى قصة بعينها. (التفسير الحقاني)
هذا ملخص ما ذكره الرازي تحت الآية. (ارجع إلى التفسير الكبير)

إشارة إلى ماذا؟

لقد ذكروا روايات عديدة في سبب النزول، فيما يلي لاحظوا بعضها:
(1) قال جماعة : نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع. (القرطبي)



 غزوة ذات الرقاع


غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ فَإِنّمَا سُمّيَتْ ذَاتِ الرّقَاعِ لِأَنّهُ جَبَلٌ فِيهِ بُقَعٌ حُمْرٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضٌ . خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةَ السّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا . وَقَدِمَ صِرَارًا يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ وَغَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ .
قال الإمام البخاري في صحيحه:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ قَالَ جَابِرٌ فَنِمْنَا نَوْمَةً ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وذكر الواقدي أن جبريل عليه السلام دفعه في صدره على ما يأتي في المائدة، وسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (من يمنعك مني يا غورث) ؟ فقال: لا أحد.
فقال (تشهد لي بالحق وأعطيك سيفك) ؟ قال: لا، ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدوا، فدفع إليه السيف ونزلت الآية رخصة في وضع السلاح في المطر.
(2) وقال الآلوسي رحمه الله:
والآية إشارة إلى ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر أن المشركين رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعسفان قاموا إلى الظهر معاً فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم ، وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر ، فردّ الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف. (روح المعاني)
(3) قال ابن كثير : وذكر محمد بن إسحاق بن يَسار، ومجاهد وعكْرِمَة، وغير واحد: أنها نزلت في شأن بني النَّضير، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحَى، لما جاءهم يستعينهم في ديَةِ العامرييْن، ووكلوا عمرو بن جَحَّاش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله رسوله على ما تمالؤوا عليه، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله [تعالى] في ذلك: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }.
ثم قال بعدما ذكر الحديث:
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدو إليهم فحاصرهم، حتى أنزلهم فأجلاهم. (روح المعاني، القرطبي، التفسير الكبير، ابن كثير وآخرون)
وقال صاحب التفسير الماجدي في الحوادث المذكورة:
«روايات موقع النزول متعددة، لكن لا تعارض بينها». (التفسير الماجدي)
وفيما يلي تفسير عام وجامع للآية الكريمة:
مرتكزات السياسة الإسلامية .. التقوى والتوكّل
يذكّرهم ببعض النِعَم الخاصة بعد الإشارة إلى النِعَم العامة، بأن قريشاً وأذنابها فعلت ما كان بوسعها لإيذاء الرسول · ومحو الإسلام من الوجود، لكنهم فشلوا في جهودهم بفضل الله تعالى، وهذا الفضل الإلهي يقتضي من المسلمين أن لا يعتدوا عليهم إن مكّنهم الله عليهم، ولا ينفلت العدل من أيديهم لحماسهم المفرط في الانتقام منه، كما أكّدت عليها الآيات السابقة. قد يتساءل هنا أحد أن المرونة المفرطة قد تُخالف مرتكزات السياسة، لأنها قد تشجّع الخبثاء والحاقدين على مزيد من أعمال الشر ضد المسلمين، فدفعه بقوله {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ومعنى تقوى الله تعالى أن لا يخالف باطنهم ظاهرهم، ولا يخونوا العهود والمواثيق التي قطعوها على أنفسهم، إذا فعلوا ذلك وقاهم الله من شر الأعداء. (التفسير العثماني)

ملحوظة:

كيف يصبر على الهزيمة، هذا ما تناولته سورة آل عمران بالتفصيل، وامتد إلى سورة النساء. والآن في سورة المائدة التركيز على كيفية احتواء الفتح والقوة. أي إن فتح الله على المجاهدين البلاد، وحصلت لهم قوة، فكيف يتصرفون؟ لأن الإحباط والرضوح لاملاءات العدو بعد الهزيمة دليل الفشل، كذلك الغدر والخيانة والظلم والتعسف بعد الغلبة دليل الفشل. إذ ليس من شيمة المسلم اليأس بعد الهزيمة، والكبرياء بعد الفتح. فالمسلم مسلم سواء كانت الهزيمة أم النصر، وعبد من عباد الله، هذا فوزه ونجاحه، فالجهاد ليس إلا لغلبة الدين، وليس لغلبة الأفراد. وباختصار تناولت الآيات المذكورة من سورة المائدة أهم وأسمى مباحث الجهاد، وقد سبق بيان معالجة الأمراض التي تصيب عند الهزيمة بالتفصيل، والآن بصدد بيان الأمراض التي تصيب عند الفتح والنصر والقوة. لأن بدون معالجتها يتحول النجاح إلى الفشل، والغلبة إلى المغلوبية، والفتح إلى الهزيمة. وزاد أهل العلم تحت هذه الآية، فقالوا نِعم الله تعالى الدنيوية كالفتح والعصمة تستحق التقدير والإجلال، فجميع نِعَمِه جديرة بالتقدير، ولابد منه، سواء أكانت دينية أم دنيوية. (والله أعلم بالصواب)

فائدة:

قال في التفسير الحقاني: يحتمل أن تكون الإشارة في الآية الكريمة إلى قصة الحديبية التي كادت المعارك تندلع بين الجانبين. (التفسير العثماني)