‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورة المائدة مدنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورة المائدة مدنية. إظهار كافة الرسائل
10:34 م

{سورة المائدة مدنية، الآيات 20، 21}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)}.

ملخص معاني الآيات:

أي تذكّروا الوقت الذي قال فيه موسى لقومه من باب التمهيد قبل دعوتهم إلى الجهاد: يا قومِ اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وملوكا، وأكرمكم بالحرية والحكم، وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين، (كفلق البحر، وإغراق العدو بطريق غريب) يا قومِ (إن من مقتضيات تلك النِعَم أن تقاتلوا العمالقة، ولا تعصوا أمر الله) وياقومِ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، (أي ما أن دخلتم فيها حتى تحقق لكم الفتح) ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين. (تُحرمون من هذه الأرض المقدسة المباركة أرض الشام في الدنيا، وفي الآخرة تؤاخذون على ترك فريضة الجهاد). (مفهوم بيان القرآن)

وجه الارتباط بين الآيات:

وفي السابق ذكر نقض اليهود والنصارى للمواثيق، والآن يتناول قصة خاصة تتعلق باليهود من قصص غدرهم وخيانتهم وإنكارهم فريضة الجهاد. (بيان القرآن)

كلام بركة:

لقد أحاط الشاه عبد القادر رحمه الله بالقصة بأكملها في تعبيره الجامع التالي:
لقد خرج في سبيل الله نبي الله إبراهيم عليه السلام من أرض أبيه، وأقام في بلاد الشام مدة، لكنه لم يُرزق بمولود، ثم بشّره الله تعالى أنه يبسط أولاده في الأرض ويوسعهم، ويمنحهم أرض الشام، ويجعل فيهم الدين والكتاب والحكم، تحقق ذلك في عهد موسى عليه السلام. فقد أنقذ بني إسرائيل من العبودية والرق بيد فرعون، ثم أغرق فرعون في البحر، ثم أمر بني إسرائيل بمحاربة العمالقة، وإنقاذ أرض الشام من أيديهم، فإنها تبقى دولتكم إلى الأبد. فاختار موسى اثني عشر نقيبا من قومه للاطلاع على أحوال العدو، فذهبوا ثم رجعوا بأخبار أرض الشام وخيراتها، وأخبر عن العمالقة وقوتهم، وكان موسى عليه السلام أمرهم أن يبيّنوا للناس خيرات أرض الشام، ويمتنعوا عن ذكر قوة العمالقة، فتقيّد رجلان بما أمرهم موسى، والبقية أخبروهم عن قوة القوم، فخافوا وضعفوا واستكانوا وأرادوا العودة إلى مصر. فأجّل الله فتح الشام مدة أربعين سنة، وكانوا يتيهون في البرّية، حتى مات جميع من كانوا في ذلك القرن، ثم فتح الله عليهم أرض الشام بأيدي الرجلين اللذين أطاعا موسى، وآلت الخلافة إليهما بعد وفاة موسى عليه السلام.

فائدة:

لقد ذكر أهل العلم العديد من المباحث تحت الآية الكريمة:
(1) {وجعلكم ملوكا} ما معناه؟ ذكروا أقوالا كثيرة، وخلاصتها أنكم يا بني إسرائيل يكرمكم الله بالحرية والاستقلال والحكم في الأيام القادمة.
(2) {وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} وما هي؟ وهل هي تدل على زيادة فضلهم على أمة محمد ·؟ فالجواب باختصار: إنها لا تدل على زيادة فضلهم على أمة محمد ·، إذ هو أمر متفق عليه.
(3) {الأرض المقدسة} وما هي؟ ذكروا فيها أقوالا كثيرة متقاربة، وخلاصتها أنها أرض الشام أو كنعان أو فلسطين. وللتوسع في المباحث الرائعة الثلاثة ارجعوا إلى تفسير القرطبي والتفسير الكبير وغيرهما.

الدعوة إلى الجهاد:

لقد أنقذ الله بني إسرائيل من ظلم وبطش فرعون بدون قتال، لكنه سبحانه وتعالى لم يعطهم أرض الشام بدون جهاد. فقد دعاهم موسى إلى القتال بتذكير نِعَم الله عليهم، وبتذكير فضائلهم وما خصهم الله بمنح أشياء لم يعط أحداً من العالمين، ثم أبلغهم عن الوعيد عند ترك الجهاد، وقال: {ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}.
أي لا ترتدوا إلى العبودية والرق بالضعف والجبن في الجهاد. (التفسير العثماني)
فالآيتان شملتا الدعوة إلى الجهاد بأكملها، بأن مقتضى نِعَمِ الله تعالى على الإنسان أن يخرج للجهاد في سبيله، ويطهر الأرض من دنس الكفر والشرك. وكل من كانت نِعَمُ الله عليه كثيرة، كان ألزم عليه أن يجتهد في القتال أكثر. لكن بني إسرائيل تولّت عن الجهاد رغم قوّة الدعوة وتأثيرها، فظلوا يتيهون في الأرض ويفارقون حياتهم فيها، وخَلَفَهُم جيل جديد، فجاهدوا في سبيل الله مع نبي الله في عصرهم، ففتح الله عليهم أرض الشام. (والله أعلم بالصواب)

  نفسية العبودية:

إذا عانت أمة من الذل والعبودية لفترة، فقدت كفاءتها للسعي إلى المهمات العالية، وقنعت بما لديها من أمن مع الذل والخيبة والعبودية، تتخوّف من السعي للمهام، رُغم السعادة والنجاح الذي كُتب لهم فيها، وهذا ما كانت عليه بنو إسرائيل. فقد فقدوا العزيمة والهمة للمعالي، وطوّق بهم الضعف والجبن، وكان قد أمرهم نبي الله موسى عليه السلام بدخول أرض كنعان التي كتب الله لهم، فقالوا إن فيها قوما جبارين وإنّا لن ندخلها ما داموا فيها. وقد جاء في التوراة أنهم من فرط جبنهم كانوا يبكون ويقولون: يا رب لِمَ أخرجتنا من أرض مصر؟ هل أخرجتنا منها ليقتلنا الكنعانيون بسيوفهم. وكانوا قد عزموا على العودة إلى مصر، ويتركوا موسى. (العدد 13-14) فرد الله عليهم بتركهم في سيناء يتيهون في الأرض أربعين سنة، وكانت الحكمة فيها أن خلال هذه المدة يموت الجيل الأول الذي أهملته حياة العبودية في مصر، ويخلفه جيل جديد، نشأ في برّ الحرية والاستقلال، بعيدا عن الرق وسمومه، وبعد أربعين سنة ظهر جيل جديد وتقدّم نحو الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وجاهدوا في سبيل الله، ففتحها الله عليهم. (ترجمان القرآن)

ولتهيج الغيرة فيهم..

أراد موسى عليه السلام أن يثير غيرتهم فقال: أنتم أبناء الأنبياء وأبناء الملوك، فلتهج غيرتكم، أنقذوا بلد آباءكم من أيدي الأعداء. وبما أنهم قد لُعنوا بما نقضوا الميثاق من قبل، وأدّت إلى جبنهم وضُعفهم، لذلك لم ينفعلوا بمقولة موسى عليه السلام. (حاشية اللاهوري رحمه الله)


12:31 ص

{سورة المائدة مدنية، الآية 2}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)}.

ملخص معاني الآية:

يا أيها الذين آمنوا.. لا تنتهكوا شعائر الله، ولا تنتهكوا حرمة الأشهر الحُرم الأربعة، (كان الابتداء بالقتال حراماً في الأشهر الحُرم الأربعة في أول الإسلام، والآن رُغم الإذن بالقتال فيها إن كان المشركون يحافظون على حرمتها وعظمتها، فأنتم كذلك حافظوا عليها، ولا تبدؤوهم بالقتال. لكن الاجتناب عن المعاصي فيها آكد من غيرها) ولا تنتهكوا حرمة البهائم التي وُجّهت إلى الحرم لتُذبح فيها، سواء في عنقها القلائد أم لا.
كما ابتعدوا عن انتهاك حرمة أولئك الذين يقصدون البيت الحرام، يطلبون فضلاً من الله ورضوانا. واصطياد صيد البر محظور إن كان مُحرِما، وبعد التحلل يجوز خارج الحرم. ولا يحملنّكم عداء أولئك الذين صدّوكم عن المسجد الحرام يوم الحديبية على مجاوزة الحدود الشرعية. أي التزموا بالضوابط الشرعية في المناسبات كلها، حتى في الجهاد، فلا تعتدوا مندفعين بحماس الثأر، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله، إن الله شديد العقاب.

مباحث الجهاد:

لقد تناولت الآية الكريمة العديد من مباحث الجهاد، منها:
(1) الجهاد في الأشهر الحرم. وقد سبق بيانه بالتفصيل. ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في هذا الموضع مبحثا جيداً، ارجعوا إليه.
(2) دخول المشركين في حدود الحرم. اُذن لهم بذلك ثم نُسخ. {ولا آمين البيت الحرام} استدل به كثير من المفسرين على عدم جواز منع المشركين المتوجهين إلى الكعبة بنية صادقة ثأراً منهم على ما منعوا المسلمين من دخول الحرم يوم الحديبية. ثم ذكر ضابطه الشرعي في سورة البراءة. {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}.
(3) لا تعتدوا في عداءهم. وهذا من أهم المباحث، والواجب على المجاهدين أن يختاروا طريقا وسطاً بين الإفراط والتفريط، ولا يتغافلوا عن الهدف الأسمى للجهاد. فلا ينتهجوا نهج العداء المُضاد، والثأر المضاد، ولا يُحرموا الأعداء من العدل الإسلامي.
(4) التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. وهذا يجب أن يحل محل أهم ضوابط جماعة المسلمين وجماعة المجاهدين، إذ لا مجال للمصالح الذاتية فيها، فلا يستخدموا قوة الإسلام إلا لرفع كلمة الإسلام ونصر الإسلام. إضافة إلى المباحث الأربعة المذكورة فقد شمل البيان شرح كلمة شعائر الله التي من ضمنها الجهاد. فالجهاد مما أمر الله به، وهو جزء دينه وعَلَمه وحكمه، فلا يحل انتهاك حرمة الجهاد. كما في لفظ {أن صدّوكم عن المسجد الحرام} إشارة إلى قصة الحديبية. (والله أعلم بالصواب)
فيما يلي لاحظوا بعض النصوص في تأييد ما ذكرنا.

الأقوال والمراجع:

(1) الأشهر الحرم:
{ولا الشهر الحرام} بالقتال فيه. (جلالين)
(2) حج المشركين وعمرتهم:
{ولا آمين البيت الحرام} ..
قال صاحب التفسير العثماني:
يبدو أنه بيان لأحوال المسلمين، أي عظّموا من توجّه إلى مكة من المسلمين لأداء مناسك الحج والعمرة، ولا تضعوا عوائق في طريقهم. أما إن قلنا بشمول الآية لكافة الناس الذين يقصدون البيت، سواء كانوا مشركين أو مسلمين، لأن المشركين يطلبون الفضل من الله ورضاه وقربه في زعمهم، فنقول: هذا الحكم كان قبل نزول قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}. (التفسير العثماني)
وقال الشيخ التهانوي رحمه الله:
هذه الأحكام تتعلق بزمان سفرهم إلى مكة للحج والعمرة، والآن لا يُسمح لهم به، لأنه نُسخ. نقله البيضاوي عن أبي حنيفة رحمه الله في قوله تعالى {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}. (بيان القرآن)
(3) التعدي في العداء لا يجوز:
لقد انتهك المشركون سنة ست من الهجرة الحرمات التي عظّمها الله تعالى، فقد صدّوا النبي · والذين كانوا معه من المسلمين وعددهم ألف وخمسمائة من أداء مناسك العمرة بالحديبية في ذي القعدة، فما رعوا حرمة الإحرام ولا الكعبة ولا الشهر الحرام ولا الهدي والقلائد، فجميع مظاهر الغضب والبغيضة والعداء التي يمكن للمسلمين أن يبدوها في وجه هؤلاء المشركين الظالمين المتوحشين كانوا فيها على الحق، وكافة الاجراءات التي يتخدونها ثائرين على تصرف المشركين الخاطيء كانوا صائبين فيها. لكن الإسلام قد وضع ضوابط وقواعد لكل من العداء والحب، والمرء لا يتعد الحد إلا منفعلاً بالحب المفرط أو العداء المفرط، لذلك أكّد على أنه لا يحملنّكم شنآن قوم وعداءهم الشديد على التعدي، بل اعدلوا، والتزموا به. (التفسير العثماني)
* أراد بهم كفار قريش الذين صدّوا المسلمين بالحديبية سنة ست من الهجرة عن المسجد الحرام لأداء العمرة فيه، وأرشد إلى ضرورة التقيّد بالعدل والإنصاف في التعامل مع هؤلاء الأعداء الألداء رغم تصرفاتهم المثيرة والمحبطة. فما أعظم رحابة صدر الإسلام؟ (التفسير الماجدي)
* ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله · والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم. (المدارك)
(4) شعائر الله:
بما أنه سبحانه وتعالى بصدد بيان أحكام الحج والأضحية، لذلك أراد أكثر من المفسرين من كلمة {شعائر الله} تلك المعالم التي تتعلق بالحج. والبعض أراد عموم الشعائر.
* قال الحسن: دين الله كله. (البحر المحيط)
وقال عطاء: معالم حدود الله تعالى وأمره ونهيه وفرضه. (روح المعاني)
وهذا المعنى يشمل كافة شعائر الله ومن ضمنها الجهاد. (والله أعلم بالصواب)
12:30 ص

{سورة المائدة مدنية، الآية 3}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)}.

ملخص معاني الآية:

اليوم يئس الذين كفروا من مغلوبية دينكم وانهزامه، لذلك لا تخشوهم واخشونِ، فقد أكمل لكم اليوم دينكم بالأحكام والقوة، وأتمّ عليكم نعمته، ورضي لكم الإسلام دينا.

الأقوال والمراجع:

{اليوم يئس الذين كفروا من دينكم}..يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفاراً. (القرطبي)
قال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة.
وذلك أن رسول الله · فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ويقال سنة ثمان ودخلها ونادى منادي رسول الله · ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. (القرطبي)
(2) يئسوا بناءً على قوّتكم:
أن ترتدوا عنه، بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته. (تفسير الجلالين)
(3) إظهار الدين:
أو يئسوا من دينكم أن يغلبوه، لأن الله تعالى وفى بوعده من إظهاره على الدين كله. (المدارك)
(4) إكمال الدين:
{اليوم أكملت لكم دينكم} بأن أهلكت لكم عدوكم وأظهرت دينكم على الدين كله. (القرطبي)
* بأن كفيتم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم. (المدارك)
* هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم. (التفسير الكبير)
* هو باعتبار القوة، وباعتبار الأحكام والضوابط. (التفسير الماجدي، ومفهوم بيان القرآن)
(5) نعمة فتح مكة:
{وأتممت عليكم نعمتي} بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين. (المدارك)

فائدة:

بما سردنا من نصوص تتضح مباحث الجهاد بالآية. {اليوم} أراد به يوم عرفة يوم حجة الوداع. وهذه الآية جامعة لكثير من الأحكام والمعاني، ولم نسرد هنا من المراجع إلا ما كانت مرتبطة بثمرات الجهاد، ولمعرفة تفسيرها الكامل يُرجى مراجعة أمهات التفاسير.

فائدة:

قال القرطبي رحمه الله:
{فلا تخشوهم واخشوني} أي لا تخافوهم، وخافون. فإني أنا القادر على نصركم. (القرطبي)

ذكر المفسرون عدة أقوال في تحديده، قال الإمام الرازي رحمه الله:

معناه أوامر من عنده، لا يكون للناس فيه فعل ألبتة، كبنى النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب، فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر.
وقيل: معناه إظهار أسماء المنافقين بالوحي. (كما في بيان القرآن)
12:29 ص

{سورة المائدة مدنية، الآية 11}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)}.

ملخص معاني الآية:

يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيدي الحرب والظلم والدمار، فكفّ أيديهم عنكم، وأظهركم عليهم، فاتقوا الله، أي بالغوا في التقوى، وتوكلوا عليه، أي بالغوا فيه.

قولان لأهل العلم:

لقد عصمكم الله من قوم أن يبسطوا أيديهم إليكم، وفيه قولان لأهل العلم: الأول: ليس فيها إشارة إلى شيء من الحوادث والوقائع، إنما الإشارة فيها إلى عموم أحوال المسلمين في ابتداء الإسلام، عندما كان الكفار يزحفون عليهم من الجهات كلها ليبسطوا أيديهم إليهم، لكن الله عصمهم، ونصر المسلمين على أعداءهم. والثاني: فيها إشارة إلى قصة بعينها. (التفسير الحقاني)
هذا ملخص ما ذكره الرازي تحت الآية. (ارجع إلى التفسير الكبير)

إشارة إلى ماذا؟

لقد ذكروا روايات عديدة في سبب النزول، فيما يلي لاحظوا بعضها:
(1) قال جماعة : نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع. (القرطبي)



 غزوة ذات الرقاع


غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ فَإِنّمَا سُمّيَتْ ذَاتِ الرّقَاعِ لِأَنّهُ جَبَلٌ فِيهِ بُقَعٌ حُمْرٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضٌ . خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةَ السّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا . وَقَدِمَ صِرَارًا يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ وَغَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ .
قال الإمام البخاري في صحيحه:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ قَالَ جَابِرٌ فَنِمْنَا نَوْمَةً ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قُلْتُ اللَّهُ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وذكر الواقدي أن جبريل عليه السلام دفعه في صدره على ما يأتي في المائدة، وسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (من يمنعك مني يا غورث) ؟ فقال: لا أحد.
فقال (تشهد لي بالحق وأعطيك سيفك) ؟ قال: لا، ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدوا، فدفع إليه السيف ونزلت الآية رخصة في وضع السلاح في المطر.
(2) وقال الآلوسي رحمه الله:
والآية إشارة إلى ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر أن المشركين رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعسفان قاموا إلى الظهر معاً فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم ، وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى صلاة العصر ، فردّ الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف. (روح المعاني)
(3) قال ابن كثير : وذكر محمد بن إسحاق بن يَسار، ومجاهد وعكْرِمَة، وغير واحد: أنها نزلت في شأن بني النَّضير، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحَى، لما جاءهم يستعينهم في ديَةِ العامرييْن، ووكلوا عمرو بن جَحَّاش بن كعب بذلك، وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله رسوله على ما تمالؤوا عليه، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه، فأنزل الله [تعالى] في ذلك: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }.
ثم قال بعدما ذكر الحديث:
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدو إليهم فحاصرهم، حتى أنزلهم فأجلاهم. (روح المعاني، القرطبي، التفسير الكبير، ابن كثير وآخرون)
وقال صاحب التفسير الماجدي في الحوادث المذكورة:
«روايات موقع النزول متعددة، لكن لا تعارض بينها». (التفسير الماجدي)
وفيما يلي تفسير عام وجامع للآية الكريمة:
مرتكزات السياسة الإسلامية .. التقوى والتوكّل
يذكّرهم ببعض النِعَم الخاصة بعد الإشارة إلى النِعَم العامة، بأن قريشاً وأذنابها فعلت ما كان بوسعها لإيذاء الرسول · ومحو الإسلام من الوجود، لكنهم فشلوا في جهودهم بفضل الله تعالى، وهذا الفضل الإلهي يقتضي من المسلمين أن لا يعتدوا عليهم إن مكّنهم الله عليهم، ولا ينفلت العدل من أيديهم لحماسهم المفرط في الانتقام منه، كما أكّدت عليها الآيات السابقة. قد يتساءل هنا أحد أن المرونة المفرطة قد تُخالف مرتكزات السياسة، لأنها قد تشجّع الخبثاء والحاقدين على مزيد من أعمال الشر ضد المسلمين، فدفعه بقوله {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ومعنى تقوى الله تعالى أن لا يخالف باطنهم ظاهرهم، ولا يخونوا العهود والمواثيق التي قطعوها على أنفسهم، إذا فعلوا ذلك وقاهم الله من شر الأعداء. (التفسير العثماني)

ملحوظة:

كيف يصبر على الهزيمة، هذا ما تناولته سورة آل عمران بالتفصيل، وامتد إلى سورة النساء. والآن في سورة المائدة التركيز على كيفية احتواء الفتح والقوة. أي إن فتح الله على المجاهدين البلاد، وحصلت لهم قوة، فكيف يتصرفون؟ لأن الإحباط والرضوح لاملاءات العدو بعد الهزيمة دليل الفشل، كذلك الغدر والخيانة والظلم والتعسف بعد الغلبة دليل الفشل. إذ ليس من شيمة المسلم اليأس بعد الهزيمة، والكبرياء بعد الفتح. فالمسلم مسلم سواء كانت الهزيمة أم النصر، وعبد من عباد الله، هذا فوزه ونجاحه، فالجهاد ليس إلا لغلبة الدين، وليس لغلبة الأفراد. وباختصار تناولت الآيات المذكورة من سورة المائدة أهم وأسمى مباحث الجهاد، وقد سبق بيان معالجة الأمراض التي تصيب عند الهزيمة بالتفصيل، والآن بصدد بيان الأمراض التي تصيب عند الفتح والنصر والقوة. لأن بدون معالجتها يتحول النجاح إلى الفشل، والغلبة إلى المغلوبية، والفتح إلى الهزيمة. وزاد أهل العلم تحت هذه الآية، فقالوا نِعم الله تعالى الدنيوية كالفتح والعصمة تستحق التقدير والإجلال، فجميع نِعَمِه جديرة بالتقدير، ولابد منه، سواء أكانت دينية أم دنيوية. (والله أعلم بالصواب)

فائدة:

قال في التفسير الحقاني: يحتمل أن تكون الإشارة في الآية الكريمة إلى قصة الحديبية التي كادت المعارك تندلع بين الجانبين. (التفسير العثماني)



12:27 ص

{سورة المائدة مدنية، الآيات 12، 13}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)}.

ملخص معاني الآية:

لقد أخذ الله من بني إسرائيل الميثاق، ثم تمّ تعيين اثني عشر نقيبا لمراقبته، (ومهمتهم رصد تحركات العدو في الجهاد) فقال الله لهم: إني معكم، لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ما عدا الصدقات الواجبة، لأكفّرن عنكم سيئآتكم، ولأدخلنّكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل، فبما نقضهم ميثاقهم، لعنهم الله، وجعل قلوبهم قاسية، يحرّفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذُكّروا به، ولا يزال رسول الله يطلع على خائنة منهم، إلا قليلاً منهم، فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين.

مباحث الجهاد:

(1) اُمر بنو إسرائيل بالجهاد، وأخذ الله منهم ميثاق المشاركة في الجهاد، كما أشارت إليه كلمة {وعزّرتموهم}.
(2) كما أشارت الآية إلى قصة عصيان بني إسرائيل، وتولّيهم عن الجهاد، فظلوا يتيهون في الأرض أربعين سنة، وفَنِيَ جيل منهم في الفلوات بالأوبئة وسيوف الأعداء.
(3) أشارت إلى ضرورة إنشاء منظومة استخباراتية قبل خوض المعركة، إذ النقباء الذين ذكرهم الله تعالى في الآية كانت مهمتهم رصد تحركات العدو.
(4) إن من الأعمال التي وعدهم الله تعالى أنه معهم منها الجهاد في سبيله.
(5) كما أشارت الآية إلى أنه سيؤذن للمسلمين بقتال أهل الكتاب، وقد تحقق ذلك بعد فترة.

الأقوال والمراجع:

(1) ميثاق الجهاد:
كأنه قيل: لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وجاهدتم في سبيل الله. (روح المعاني)
(2) مقاومة العدو:
عزّرتموهم أي ردتم عنهم أعدائهم. (القرطبي)
{آمنتم برسلي وعزّرتموهم} أي الذين أبعثهم فيما بعد، تصدّقونهم، وتساعدونهم في مقاومة أعدائهم. (التفسير الماجدي)

النقباء الاثني عشر:

هذه قصة تتعلق بعهد موسى عليه السلام، إذ كان يتيه ومعه قومه في التيه، أمره الله تعالى باتخاذ اثني عشر نقيبا لتجسس أحوال أرض كنعان التي وعدكم الله بها، فاختار موسى من كل سبط زعيماً، ثم أرسلهم إلى أرض كنعان. (التفسير الحقاني)

النقيب:

قال الزجاج : وأصله من النقب وهو الثقب الواسع والطريق في الجبل ، ويقال : فلان حسن النقيبة أي جميل الخليقة ، ونقاب : للعالم بالأشياء الذكي القلب الكثير البحث عن الأمور ، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عمق ، ومن ذلك نقبت الحائط أي بلغت في النقب آخره .
الدليل على جواز اتخاذ الجاسوس في الجهاد:
قال الإمام القرطبي رحمه الله:
وفيها أيضاً دليل على اتخاذ الجاسوس، والتجسّس التبحّث، وقد بعث رسول الله · بسبسة عيناً، أخرجه مسلم. وسيأتي حكم الجاسوس في الممتحنة إن شاء الله تعالى. (القرطبي)

تحذير:

لقد سبق في تفسير قوله تعالى {خذوا حذركم} أن الواجب على المسلمين التيقّظ والتدبر ووضع استراتيجية محكمة، ولا يتحقق ذلك بدون شبكة تجسسية قوية، لمراقبة أحوال العدو وقوته ومؤامراته. فهذا قسم مهم وفضيل من أقسام الجهاد، فقد كان النبي · يختار لهذه المهمة المقربين منه. وفي عالمنا اليوم نلاحظ الدول الطموحة الطامعة في أراضي الغير تقدّر مكانة شبكاتها التجسسية، أما المسلمون فكلمة التجسس عندهم قد ضيّعت سُمعتها، لذلك قد نجد البعض يتحرّج منها، أرجو منهم أن يتدبروا قصص الجهاد النبوية بتمّعن. (والله أعلم بالصواب)

فائدة:

لقد تناول العلامة ابن كثير رحمه الله في تفسيره مبحث النقباء الذين اختارهم النبي · من الأنصار، وذكر من الروايات ما تتحدث عن تناوب اثني عشر خلفاء في هذه الأمة، ومن هم؟ وجعل الإمام المهدي منهم، كما ردّ على عقيدة الإمامة عند الروافض. وللتوسع في الباب يُرجى مراجعة تفسير ابن كثير.

أراد موسى عليه السلام أن يثير غيرتهم فقال: أنتم أبناء الأنبياء وأبناء الملوك، فلتهج غيرتكم، أنقذوا بلد آباءكم من أيدي الأعداء. وبما أنهم قد لُعنوا بما نقضوا الميثاق من قبل، وأدّت إلى جبنهم وضُعفهم، لذلك لم ينفعلوا بمقولة موسى عليه السلام. (حاشية اللاهوري رحمه الله)

12:23 ص

{سورة المائدة مدنية، الآية 22}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)}.

ملخص معاني الآية:

لمّا دعاهم موسى عليه السلام إلى الجهاد قالوا: إن فيها قوما جبّارين، لا طاقة لنا بهم، وإنّا ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون.

كانوا عمالقة:

وكانوا عمالقة، جبابرة متقاتلة، أعداء بني إسرائيل اللدودين، صبغت صفحات التوراة وتاريخ بني إسرائيل بقصصهم الدامية. (التفسير الماجدي)

المبالغة عن العمالقة:

لقد ذكر الإسرائيليون قصصا أسطورية وهمية عن العمالقة، نقل الآلوسي بعضها في كتابه روح المعاني، ثم رَدَّ عليها، وأثبت بطلانها بأدلة عقلية ونقلية. لقد تعوَّد اليهود على الكذب منذ القِدم، قعد رؤساءهم عن الجهاد لجبنهم، ثم الذين جاءوا بعدهم بالغوا في وصف العمالقة للتستّر على عيوب آباءهم، فقالوا إنهم كانوا أطول من الجبال. وكيف المقارنة بين صحابة رسول الله · الذين طاردوا المشركين الفاتحين يوم اُحد إلى حمراء الأسد رُغم ما كانوا يعانون منه من إصابات، وبين بني إسرائيل الذين أرادوا العودة إلى مصر رُغم الوعد بالفتح. (والله أعلم بالصواب)

يفزعوا من قوة الكفار وشوكتهم.

خطابهما:

قالا لبني إسرائيل: لا يهولنّكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة. (القرطبي)

الخروج للجهاد توكّل:

أي تشجّعوا قليلا حتى تخرجوا إلى باب المدينة، وعندئذ تغلبون على أعدائكم، ولا ينصر الله إلا من ينصره. وفيها دلالة على أن ترك الأسباب المشروعة ليس من التوكل. إنما التوكل أن يسخر كافة قواه البدنية والمالية لتحقيق غرض سامي، ويفوّض النتيجة والثمرة إلى الله تعالى، ولا يختال بجهده. أما عقد الرجاء المجرد عن الأسباب المشروعة فتعطُّل وليس بتوكُّلٍ. (التفسير العثماني)

هلك الناجون:

رفضت بنو إسرائيل الجهاد خوفا من الموت، فقد هيمن عليهم رعب العدو وقوته، وكانوا يزعمون أنهم إن هاجموا عليهم قُتلوا عن آخرهم، فلم يستعد للجهاد أحد من القوم سوى موسى وهارون والرجلين المذكورين، ودعوا قومهما إلى الجهاد، هنا انظروا عجائب قدرة الله تعالى أن كل من كان عمره أكثر من عشرين سنة مات في التيه، سوى الرجلين المذكورين اللذين استعدّا للجهاد. والمعنى أن الذين أرادوا الحياة ماتوا، والذين استعدوا للتضحية بالنفس والروح نجوا منه، ودخلوا في المدينة فاتحين. لقد كان في هذه القصة عبرة للمسلمين. (والله أعلم بالصواب)
11:59 م

{سورة المائدة مدنية، الآية 23}



{بسم الله الرحمن الرحيم}


{قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)}.

ملخص معاني الآية:

قام رجلان لتأييد موسى عليه السلام فيما دعا إليه قومه من الجهاد في سبيل الله، ممن يخاف الله تعالى، وقد أنعم الله عليهما بنعمة الإيمان والوفاء بالعهد.
قالوا لبني إسرائيل (ما أجبنكم وما أضعفكم) ازحفوا عليهم حتى الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.

مؤمنان قويان:

قال ابن عباس وغيره: هما يوشع وكالب بن يوقنا، وكانا من الاثني عشر نقيبا. (القرطبي)
واسم أحدهما يوشع بن نون والثاني كالب بن يوقنا، ويوشع كان سيد بني افرائيم، وكالب سيد بني يهودا. (التفسير الماجدي)
النعمة عدم الفزع من الكفار:
{أنعم الله عليهما} وهل هناك نعمة أكبر من أنه وفّقهم للنطق بالحق واتباعه، ولم يفزعوا من قوة الكفار وشوكتهم.

خطابهما:

قالا لبني إسرائيل: لا يهولنّكم عظم أجسامهم، فقلوبهم ملئت رعبا منكم، فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة. (القرطبي)

الخروج للجهاد توكّل:

أي تشجّعوا قليلا حتى تخرجوا إلى باب المدينة، وعندئذ تغلبون على أعدائكم، ولا ينصر الله إلا من ينصره. وفيها دلالة على أن ترك الأسباب المشروعة ليس من التوكل. إنما التوكل أن يسخر كافة قواه البدنية والمالية لتحقيق غرض سامي، ويفوّض النتيجة والثمرة إلى الله تعالى، ولا يختال بجهده. أما عقد الرجاء المجرد عن الأسباب المشروعة فتعطُّل وليس بتوكُّلٍ. (التفسير العثماني)

هلك الناجون:

رفضت بنو إسرائيل الجهاد خوفا من الموت، فقد هيمن عليهم رعب العدو وقوته، وكانوا يزعمون أنهم إن هاجموا عليهم قُتلوا عن آخرهم، فلم يستعد للجهاد أحد من القوم سوى موسى وهارون والرجلين المذكورين، ودعوا قومهما إلى الجهاد، هنا انظروا عجائب قدرة الله تعالى أن كل من كان عمره أكثر من عشرين سنة مات في التيه، سوى الرجلين المذكورين اللذين استعدّا للجهاد. والمعنى أن الذين أرادوا الحياة ماتوا، والذين استعدوا للتضحية بالنفس والروح نجوا منه، ودخلوا في المدينة فاتحين. لقد كان في هذه القصة عبرة للمسلمين. (والله أعلم بالصواب)
11:58 م

{سورة المائدة مدنية، الآية 24}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)}.

ملخص معاني الآية:

لم تستجب بنو إسرائيل لمقال الرجلان، وزادوا عناداً وطغيانا وتعنتاً حتى قالوا: يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون.
شرك أم إساءة؟
مقولة الإسرائليين المذكورة لاشك أن جانب الإساءة فيها والتطاول واضح، لكن يحتمل أن يكونوا قد تأثروا بالأمم المشركة، إذ من عادة المشركين أنهم يحملون معهم أصنامهم إذا خرجوا للقتال، ويؤمنون بأنها معهم تساعدهم. (التفسير الماجدي)
والمعنى إن بني إسرائيل حسمت القضية بكامل الإساءة والتضجّر، وقالوا لن نخرج للجهاد، حتى اغتمّ نبي الله موسى كثيرا، ودعا عليهم بما ذُكر في الآية اللاحقة.
11:57 م

{سورة المائدة مدنية، الآية 25}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)}.

ملخص معاني الآية:

وتضرع موسى عليه السلام مبتهلا إلى الله بعدما سمع من القوم ما قالوا:
ربِّ لا أملك إلا نفسي وأخي فافرُق بيننا وبين القوم الفاسقين.

نحن حاضران يا رب:

وبعدما يئس من القوم قال موسى : يا رب أنا وأخي حاضر لامتثال أمرك، لا نريد البقاء مع هؤلاء الفاسقين. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
ويوشع وكالب كانا من ضمن من دعا:
وكان دعاء موسى هذا بعد ما مُني بالإحباط الشديد، على ما سمع من القوم نتيجة جبنهم، ولم يُدخل في الدعاء إلا نفسه وأخاه، لكونهما نبيّين معصومين، ولم يذكر أحدا غيرهما، أما يوشع وكالب فكانا من ضمنهما، لذلك لم يُفردهما بالذكر. (التفسير العثماني)

قال الإمام الرازي رحمه الله:

وأيضاً يجوز أن يكون المراد بالأخ من يواخيه في الدين، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله {وأخي}. (التفسير الكبير)
11:56 م

{سورة المائدة مدنية، الآية 26}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}.

ملخص معاني الآية:

فهذا ما قضى الله به على بني إسرائيل عقب دعاء موسى عليه السلام، فقال إنها محرّمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين.

اُجيبت دعوة موسى:

(1) استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. (القرطبي)
(2) لقد تناول الرازي مبحث بقاء موسى وهارون مع القوم في التيه، ونقل أقوال أهل العلم المتنوعة وأدلة الفريقين، وكتب أن البعض قال: فتح يوشع بن نون أرض الشام، وكان ابن أخت موسى، ووصيه وخلفه بعده، وقيل: بل نبي الله موسى عليه السلام فتح أرض الشام. (ارجع إلى التفسير الكبير للتفاصيل)
(3) ما اُجيبت دعوة الفُرقة بينهما وبين القوم بشكل حسّي ظاهري، لكنها تحققت بشكل معنوي، بأن العذاب شمل القوم فظلوا يتيهون في الأرض حيرانين، وبقي موسى وهارون باعتبارهما نبيّين يقومان بواجبهما إلى القوم من التوجيه والتعليم والتربية والإصلاح، شأنهما شأن بعض الأصحّاء بين المصابين بأوبئة، لا شغل له إلا مساعدتهم في علاجهم وتفقد أحوالهم. ويتضح المعنى أكثر إذا قلنا بأن كلمة {فافرق} بمعنى فاقض بيننا وبينهم. (التفسير العثماني)
حرّم الله الأرض عليهم لتركهم الجهاد:
والمراد بقوله كتب الله لكم أي بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلمّا أبو الجهاد قيل {فإنها محرّمة} عليهم. (المدارك)
فيما سبق قال {كتب الله لكم} أي إن جاهدتم في سبيل الله، كتب الله لكم هذه الأرض، لكنهم لمّا تركوا الجهاد قال {فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة}. فلا تعارض بينهما.

مغزى الكلام:

لقد تناولت الآيات السبع المذكورة كيفية الجهاد، وفضله وبركته والوبال على تركه بالتفصيل والترتيب. والواجب على المسلمين أن يتدبروها. وقد ذكر العلامة شبير أحمد العثماني رحمه الله كلاما رائعا في الباب، لاحظوه فيما يلي:
قال الشاه عبد القادر رحمه الله: لقد أسمع الله تعالى أهل الكتاب هذه القصة بكاملها بناءً على أنهم لا يتبعون نبي آخر الزمان · كما لم يتبع آباءهم نبي الله موسى عليه السلام، وقعدوا عن الجهاد. وسوف يحظى بهذه النعمة العظيمة غيرهم، فكان كما قال. أعيدوا النظر على الآيات المذكورة منطلقين من أحوال أمة محمد ·، لقد أكرمهم الله بنِعَم لم يكرم بها أحداً من العالمين، ولن يكرم بها أحداً إلى يوم القيامة، فقد أرسل الله رسوله · بالشريعة الأبدية، وخلق في أمته من العلماء والأئمة الذين يقومون بعمل الأنبياء رغم عدم نبوتهم ورسالتهم، وقد قادوا الأمة بعد نبيها، وأخذوا بيد البشرية إلى معالي الأخلاق وضوابط السياسة، وقد أمرها الله تعالى بالجهاد، لكن ليس مع العمالقة، بل جبابرة الأرض كلهم، وما أمروا بفتح أرض الشام فقط، إنما اُمروا بفتح العالم كله في مشارق الأرض ومغاربها، لإعلاء كلمة الله، ولاستيصال الفتن من جذورها. كان الله قد وعد بني إسرائيل بالأرض المقدسة، أما هذه الأمة فقد وعدها ب:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}. (النور-55)
إن كان موسى عليه السلام نهى قومه عن الإعراض عن الجهاد، فقد خاطب الله هذه الأمة بخطاب مماثل، فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}. (الأنفال - 15)
أما رد فعل أصحاب موسى عليه السلام فكما قال الله تعالى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة - 25).
أما أصحاب رسول الله · فقد قالوا كما روى الواقدي في كتابه:
.. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَشِيرُوا عَلَيّ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَنَا أُجِيبُ عَنْ الْأَنْصَارِ ; كَأَنّك يَا رَسُولَ اللّهِ تُرِيدُنَا قَالَ أَجَلْ . قَالَ إنّك عَسَى أَنْ تَكُونَ خَرَجْت عَنْ أَمْرٍ قَدْ أُوحِيَ إلَيْك فِي غَيْرِهِ وَإِنّا قَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ كُلّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك مَوَاثِيقَنَا وَعُهُودَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فَامْضِ يَا نَبِيّ اللّهِ فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا بَقِيَ مِنّا رَجُلٌ وَصِلْ مَنْ شِئْت ، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْت ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْت ، وَمَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِنَا أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْت . وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا سَلَكْت هَذَا الطّرِيقَ قَطّ ، وَمَا لِي بِهَا مِنْ عِلْمٍ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ يَلْقَانَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ صُدُقٌ عِنْدَ اللّقَاءِ لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك .
ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ امْضِ لِأَمْرِ اللّهِ فَنَحْنُ مَعَك ، وَاَللّهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِنَبِيّهَا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك - وَبِرْكُ الْغِمَادِ مِنْ وَرَاءِ مَكّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ وَرَاءِ السّاحِلِ مِمّا يَلِي الْبَحْرَ وَهُوَ عَلَى ثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ مَكّةَ إلَى الْيَمَنِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا ، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ .
وكان نتيجة جهادهم هذا أنهم في مدة أقل من بقاء بني إسرائيل في التيه رفعوا رايات الهدي والنور في شرق الأرض وغربها. (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه). (التفسير العثماني)

وادي التيه:

لمعرفة التفاصيل عن وادي التيه الذي كان بنو إسرائيل يتيهون فيه، وكم كانت مسافته، وأين موقعه؟ وكيف كانوا يعودون في المساء إلى الموضع الذي ساروا منه في الصباح؟ وكيف لم يتقدموا منه إلى غيره أربعين سنة بعد مقولتهم {إنا ههنا قاعدون} وغيرها من الأمور العجيبة والغريبة .. ارجعوا إلى البحر المحيط.
{فلا تأس على القوم الفاسقين} فلا تحزن عليهم، لأنهم فاسقون. (المدارك)
قيل: تأسف موسى عليه السلام على ما دعا، لذلك قال الله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين}. (البحر المحيط)
لعلكم لاحظتم الآن عَظَمَ معصية ترك الجهاد، إذ مُنع من الحزن على أحوالهم. (والعياذ بالله)

نكتة مهمة:

لقد سبق أن نقلنا عن الشاه عبد القادر رحمه الله أن الله تعالى نبّه أهل الكتاب بهذه الآية على أن لا يعيدوا خطأ آباءهم، وأن يؤمنوا الآن برسول الله ·، وإلا عادوا يتيهون في متاهات الكفر والضلال مثل آباءهم، أما الذين يؤيّدون رسول الله · ويؤمنون به فهم ينجحون. لم يكفر اليهود من أهل الكتاب برسول الله · إلا حسداً من عند أنفسهم بعدما تبين لهم الحق، لذلك ألحق الله تعالى بهذه الآيات قصة في الحسد. ثم قال الشاه عبد القادر رحمه الله: ثم ذكر الله تعالى قصة قابيل وهابيل المبنية على الحسد، ونهاهم عن التحاسد. (موضح القرآن)

وقفت الشمس ساعة للمجاهدين:

وفي تفسير الجلالين:
روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدأوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين ، قيل وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذاباً لأولئك (وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر فأدناه) كما في الحديث ، ونبِّىء يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم ، وروى أحمد في مسنده حديث «إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس».

وفي رواية:

وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه قوله · إن نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال: أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار قال: فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة. (قرة العينين)

فائدة:

بالجهاد تتطهر الأرض من دنس الكفر والشرك والظلم، وتعلو كلمة الله، لذلك جميع الخلائق من الشمس والبحر والفلاة والجبل وغيرها تساعد المجاهدين بإذن الله، كما حدث ذلك في كل زمان، وسوف يحدث في الأزمنة كلها بإذن الله. (والله أعلم بالصواب)
11:54 م

{سورة المائدة مدنية، الآية 35}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)}.

ملخص معاني الآية:

يا أيها الذين إن سعيتم إلى نيل السعادة الكاملة فاتقوا الله، أي ابتعدوا عن معاصيه، وابتغوا قربه بالعمل بأحكامه، خاصة بالجهاد في سبيله. (والسعادة الكاملة هي حصول مرضاة الله والوقاية من نار جهنم).

الأقوال والمراجع:

(1) في الآيات السابقة ذكر أحوال الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً، ذكر في هذه الآية المؤمنين، الذين يجاهدون في سبيل الله، ويبتغون إليه الوسيلة. والجهاد من أحد أهم تلك الوسائل الموصّلة إلى الله والاقتراب منه، لذلك تشمله الوسيلة، وهو الحرب التي أذن الله بها، والتي تساعد في استتباب الأمن والاستقرار في ربوع الأرض، وتقوية الدين وحماية الشريعة. كأن الله تعالى بعدما ذكر الصنف المحظور من الحرب ذكر الصنف المسموح منها، وأفضلها. كما قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
ولما كانت الآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} نزلت في العرنيين والكلبيين ، أو في أهل الكتاب اليهود ، أو في المشركين على الخلاف في سبب النزول ، وكل هؤلاء سعى في الأرض فساداً ، نص على الجهاد ، وإنْ كان مندرجاً تحت ابتغاء الوسيلة لأن به صلاح الأرض ، وبه قوام الدين ، وحفظ الشريعة ، فهو مغاير لأم المحاربة ، إذ الجهاد محاربة مأذون فيها ، وبالجهاد يدفع المحاربون . وأيضاً ففيه تنبيه على أنه يجب أن تكون القوّة والبأس الذي للمحارب مقصوراً على الجهاد في سبيل الله تعالى ، وأن لا يضع تلك النجدة التي وهبها الله له للمحاربة في معصية الله تعالى ، وهل الوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ، أو الحاجة ، أو الطاعة ، أو الجنة ، أو أفضل درجاتها ، أقوال للمفسرين . وذكر رجاء الفلاح على تقدير حصول ما أمر به قبل من التقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله . والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه ، والفوز بالمرجوّ . (البحر المحيط)
(2) في الركوع السابق تناول العقوبة الدنيوية والأخروية لأولئك الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، وفي هذا الركوع بعدما خوّف المسلمين من العقوبات المذكورة أرشدهم إلى الجهاد في سبيل الله كلّما حارب الله ورسوله هؤلاء الأشقياء الغلاظ، وإلى الوقوف بجانب الله ورسوله، فإن كانوا يسعون إلى الفساد في الأرض فقوموا إلى استتباب الأمن والاستقرار بجهودكم وعملكم الحسن. (التفسير العثماني)

الجهاد طاعة جامعة:

لقد تناول العديد من أهل العلم نكتة مهمة تحت الآية الكريمة، وأشاروا إلى أن الأحكام الشرعية على نوعين:
(1) ترك المنهيات (2) فعل المأمورات.
فالمنهيات هي ما نهت عنها الشريعة، والمأمورات هي ما أمرت الشريعة بها. والآية أمرت المؤمنين بالإثنين. فقال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ومعنى التقوى ترك المنهيات.
وقوله {وابتغوا إليه الوسيلة} وأراد به فعل المأمورات، إذ لا يحصل قربه بدونها.
ثم قال بعدما ذكر التقوى والوسيلة: {وجاهدوا في سبيله} دلّت على أن في الجهاد الوسيلة والتقوى، بل هو من أعلى مراتب التقوى وأفضل أوجه الوسيلة.
وما من مسلم وفّقه الله تعالى للجهاد في سبيله، إلا دلّ على سعادته ونجاحه، لذلك قال في آخر الآية {لعلكم تفلحون} ومن هنا عرفنا أن الجهاد في سبيل الله يشمل التقوى (أي ترك المنهيات) والوسيلة (فعل المأمورات). (والله أعلم بالصواب)
لا يجوز استخدام القوة والحرب إلا في الجهاد:
أشار الإمام أبو حيان رحمه الله إلى نكتة مهمة هنا فقال:
وأيضاً ففيه تنبيه على أنه يجب أن تكون القوة والبأس الذي للمحارب مقصوراً على الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن لا يضع تلك النجدة التي وهبها الله له للمحاربة في معصية الله تعالى. (البحر المحيط)
(أي أفضل مكان لتوجيه قوة الإنسان الثائرية والحماسية هو الجهاد في سبيل الله).

القضاء على قطّاع الطرق بالجهاد:

ذكر في الآيات السابقة أولئك الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، وأعقبها ببيان فضل الجهاد، وحكمه. ذكر الإمام أبو حيّان رحمه الله كلمة (وبالجهاد يدفع المحاربون) قد يكون فيها الإشارة إلى أن قُطّاع الطرق والقُرصان إذا قاموا بالفساد في الأرض، وجب على المسلمين أن يخرجوا للجهاد في سبيل الله بُغية حماية الناس من شرهم، ويحظوا بالفوز والسعادة عند ربهم. ويحسبوا عملية الجهاد هذه وسيلة للتقرب من الله تعالى، ليمكن لهم مزاولته بكل عزم وهمة وحزم. إن الأمم الأوروبية اتخذت قطع الطريق مهنة، وملأوا الأرض بالظلم والفساد. يمكن أن تكون الآية قد أشارت إليه. (والله أعلم بالصواب)

وجه الربط بالآية السابقة:

ذكر في الآية السابقة أنه لا يمكن للإنسان أن يرجو تحقق الفوز والسعادة بدون التقوى والتقرب من الله والجهاد في سبيله، وفي هذه الآية حذّر من أن الذين أعرضوا عن ذكر الله وأحكامه إن قدّموا ما في الأرض من الخزائن أو شيء زائد منها ليفتدوا بها من عذاب جهنم، ما قُبلت منهم، إذ السعادة في الآخرة تعتمد على التقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيل الله، دون الرشاوي والفدية. (التفسير الحقاني)

أفضل ترجمة:

سعى بعض أهل العلم في تفاسيرهم بالأردية إلى توسيع نطاق كلمة {وجاهدوا في سبيله} لحملها على مجرد الجهد دون القتال في سبيل الله، في ظلّ كلمات من مثل (التقوى) و(ابتغاء الوسيلة). وأفضل ترجمة لهذه الكلمة هي ما ذكرها الشاه عبد القادر رحمه الله:
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله، لعلكم تفلحون. (موضح القرآن)
وبها اتضح المعنى الحقيقي لكلمة {وجاهدوا في سبيله}، والحمد لله رب العالمين.

ملحوظة:

قال اللاهوري رحمه الله:
في الركوعين السابقين تناول أحوال اليهود، أنهم رغم ما جعل الله فيهم من أنبياء وملوكا خافوا من مواجهة الأعداء، ووجّهوا قوتهم القتالية إلى الداخل. والآن ينبّه المسلمين بشكل خاص، مع الإشارة إلى علاج المرض المذكور في هذه الآية، وذلك بسعى كل فرد إلى التقرب إلى الله في حياته الشخصية، بل في حياته الاجتماعية أيضاً، ولا يختاروا للإمامة إلا من كان أقدر على التضحية في سبيل الحق، وأبعد عن الشهوات والرذائل. (حاشية اللاهوري رحمه الله)