{سورة المائدة مدنية، الآية 26}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}.

ملخص معاني الآية:

فهذا ما قضى الله به على بني إسرائيل عقب دعاء موسى عليه السلام، فقال إنها محرّمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين.

اُجيبت دعوة موسى:

(1) استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة. (القرطبي)
(2) لقد تناول الرازي مبحث بقاء موسى وهارون مع القوم في التيه، ونقل أقوال أهل العلم المتنوعة وأدلة الفريقين، وكتب أن البعض قال: فتح يوشع بن نون أرض الشام، وكان ابن أخت موسى، ووصيه وخلفه بعده، وقيل: بل نبي الله موسى عليه السلام فتح أرض الشام. (ارجع إلى التفسير الكبير للتفاصيل)
(3) ما اُجيبت دعوة الفُرقة بينهما وبين القوم بشكل حسّي ظاهري، لكنها تحققت بشكل معنوي، بأن العذاب شمل القوم فظلوا يتيهون في الأرض حيرانين، وبقي موسى وهارون باعتبارهما نبيّين يقومان بواجبهما إلى القوم من التوجيه والتعليم والتربية والإصلاح، شأنهما شأن بعض الأصحّاء بين المصابين بأوبئة، لا شغل له إلا مساعدتهم في علاجهم وتفقد أحوالهم. ويتضح المعنى أكثر إذا قلنا بأن كلمة {فافرق} بمعنى فاقض بيننا وبينهم. (التفسير العثماني)
حرّم الله الأرض عليهم لتركهم الجهاد:
والمراد بقوله كتب الله لكم أي بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلمّا أبو الجهاد قيل {فإنها محرّمة} عليهم. (المدارك)
فيما سبق قال {كتب الله لكم} أي إن جاهدتم في سبيل الله، كتب الله لكم هذه الأرض، لكنهم لمّا تركوا الجهاد قال {فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة}. فلا تعارض بينهما.

مغزى الكلام:

لقد تناولت الآيات السبع المذكورة كيفية الجهاد، وفضله وبركته والوبال على تركه بالتفصيل والترتيب. والواجب على المسلمين أن يتدبروها. وقد ذكر العلامة شبير أحمد العثماني رحمه الله كلاما رائعا في الباب، لاحظوه فيما يلي:
قال الشاه عبد القادر رحمه الله: لقد أسمع الله تعالى أهل الكتاب هذه القصة بكاملها بناءً على أنهم لا يتبعون نبي آخر الزمان · كما لم يتبع آباءهم نبي الله موسى عليه السلام، وقعدوا عن الجهاد. وسوف يحظى بهذه النعمة العظيمة غيرهم، فكان كما قال. أعيدوا النظر على الآيات المذكورة منطلقين من أحوال أمة محمد ·، لقد أكرمهم الله بنِعَم لم يكرم بها أحداً من العالمين، ولن يكرم بها أحداً إلى يوم القيامة، فقد أرسل الله رسوله · بالشريعة الأبدية، وخلق في أمته من العلماء والأئمة الذين يقومون بعمل الأنبياء رغم عدم نبوتهم ورسالتهم، وقد قادوا الأمة بعد نبيها، وأخذوا بيد البشرية إلى معالي الأخلاق وضوابط السياسة، وقد أمرها الله تعالى بالجهاد، لكن ليس مع العمالقة، بل جبابرة الأرض كلهم، وما أمروا بفتح أرض الشام فقط، إنما اُمروا بفتح العالم كله في مشارق الأرض ومغاربها، لإعلاء كلمة الله، ولاستيصال الفتن من جذورها. كان الله قد وعد بني إسرائيل بالأرض المقدسة، أما هذه الأمة فقد وعدها ب:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}. (النور-55)
إن كان موسى عليه السلام نهى قومه عن الإعراض عن الجهاد، فقد خاطب الله هذه الأمة بخطاب مماثل، فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}. (الأنفال - 15)
أما رد فعل أصحاب موسى عليه السلام فكما قال الله تعالى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة - 25).
أما أصحاب رسول الله · فقد قالوا كما روى الواقدي في كتابه:
.. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَشِيرُوا عَلَيّ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَنَا أُجِيبُ عَنْ الْأَنْصَارِ ; كَأَنّك يَا رَسُولَ اللّهِ تُرِيدُنَا قَالَ أَجَلْ . قَالَ إنّك عَسَى أَنْ تَكُونَ خَرَجْت عَنْ أَمْرٍ قَدْ أُوحِيَ إلَيْك فِي غَيْرِهِ وَإِنّا قَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ كُلّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك مَوَاثِيقَنَا وَعُهُودَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فَامْضِ يَا نَبِيّ اللّهِ فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا بَقِيَ مِنّا رَجُلٌ وَصِلْ مَنْ شِئْت ، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْت ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْت ، وَمَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِنَا أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْت . وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا سَلَكْت هَذَا الطّرِيقَ قَطّ ، وَمَا لِي بِهَا مِنْ عِلْمٍ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ يَلْقَانَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ صُدُقٌ عِنْدَ اللّقَاءِ لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك .
ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ امْضِ لِأَمْرِ اللّهِ فَنَحْنُ مَعَك ، وَاَللّهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِنَبِيّهَا : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك - وَبِرْكُ الْغِمَادِ مِنْ وَرَاءِ مَكّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ وَرَاءِ السّاحِلِ مِمّا يَلِي الْبَحْرَ وَهُوَ عَلَى ثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ مَكّةَ إلَى الْيَمَنِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا ، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ .
وكان نتيجة جهادهم هذا أنهم في مدة أقل من بقاء بني إسرائيل في التيه رفعوا رايات الهدي والنور في شرق الأرض وغربها. (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه). (التفسير العثماني)

وادي التيه:

لمعرفة التفاصيل عن وادي التيه الذي كان بنو إسرائيل يتيهون فيه، وكم كانت مسافته، وأين موقعه؟ وكيف كانوا يعودون في المساء إلى الموضع الذي ساروا منه في الصباح؟ وكيف لم يتقدموا منه إلى غيره أربعين سنة بعد مقولتهم {إنا ههنا قاعدون} وغيرها من الأمور العجيبة والغريبة .. ارجعوا إلى البحر المحيط.
{فلا تأس على القوم الفاسقين} فلا تحزن عليهم، لأنهم فاسقون. (المدارك)
قيل: تأسف موسى عليه السلام على ما دعا، لذلك قال الله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين}. (البحر المحيط)
لعلكم لاحظتم الآن عَظَمَ معصية ترك الجهاد، إذ مُنع من الحزن على أحوالهم. (والعياذ بالله)

نكتة مهمة:

لقد سبق أن نقلنا عن الشاه عبد القادر رحمه الله أن الله تعالى نبّه أهل الكتاب بهذه الآية على أن لا يعيدوا خطأ آباءهم، وأن يؤمنوا الآن برسول الله ·، وإلا عادوا يتيهون في متاهات الكفر والضلال مثل آباءهم، أما الذين يؤيّدون رسول الله · ويؤمنون به فهم ينجحون. لم يكفر اليهود من أهل الكتاب برسول الله · إلا حسداً من عند أنفسهم بعدما تبين لهم الحق، لذلك ألحق الله تعالى بهذه الآيات قصة في الحسد. ثم قال الشاه عبد القادر رحمه الله: ثم ذكر الله تعالى قصة قابيل وهابيل المبنية على الحسد، ونهاهم عن التحاسد. (موضح القرآن)

وقفت الشمس ساعة للمجاهدين:

وفي تفسير الجلالين:
روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدأوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين ، قيل وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان رحمة لهما وعذاباً لأولئك (وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر فأدناه) كما في الحديث ، ونبِّىء يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم ، وروى أحمد في مسنده حديث «إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس».

وفي رواية:

وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه قوله · إن نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال: أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار قال: فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة. (قرة العينين)

فائدة:

بالجهاد تتطهر الأرض من دنس الكفر والشرك والظلم، وتعلو كلمة الله، لذلك جميع الخلائق من الشمس والبحر والفلاة والجبل وغيرها تساعد المجاهدين بإذن الله، كما حدث ذلك في كل زمان، وسوف يحدث في الأزمنة كلها بإذن الله. (والله أعلم بالصواب)