{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)}.
ملخص معاني الآية:
يا أيها الذين إن سعيتم إلى نيل السعادة
الكاملة فاتقوا الله، أي ابتعدوا عن معاصيه، وابتغوا قربه بالعمل بأحكامه، خاصة
بالجهاد في سبيله. (والسعادة الكاملة هي حصول مرضاة الله والوقاية من نار جهنم).
الأقوال والمراجع:
(1) في الآيات السابقة ذكر أحوال الذين يحاربون
الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً، ذكر في هذه الآية المؤمنين، الذين يجاهدون
في سبيل الله، ويبتغون إليه الوسيلة. والجهاد من أحد أهم تلك الوسائل الموصّلة إلى
الله والاقتراب منه، لذلك تشمله الوسيلة، وهو الحرب التي أذن الله بها، والتي
تساعد في استتباب الأمن والاستقرار في ربوع الأرض، وتقوية الدين وحماية الشريعة.
كأن الله تعالى بعدما ذكر الصنف المحظور من الحرب ذكر الصنف المسموح منها،
وأفضلها. كما قال الإمام أبو حيان رحمه الله:
ولما كانت الآية {إنما جزاء الذين يحاربون الله
ورسوله} نزلت في العرنيين والكلبيين ، أو في أهل الكتاب اليهود ، أو في المشركين على
الخلاف في سبب النزول ، وكل هؤلاء سعى في الأرض فساداً ، نص على الجهاد ، وإنْ كان
مندرجاً تحت ابتغاء الوسيلة لأن به صلاح الأرض ، وبه قوام الدين ، وحفظ الشريعة ، فهو
مغاير لأم المحاربة ، إذ الجهاد محاربة مأذون فيها ، وبالجهاد يدفع المحاربون . وأيضاً
ففيه تنبيه على أنه يجب أن تكون القوّة والبأس الذي للمحارب مقصوراً على الجهاد في
سبيل الله تعالى ، وأن لا يضع تلك النجدة التي وهبها الله له للمحاربة في معصية الله
تعالى ، وهل الوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ، أو الحاجة ، أو الطاعة ، أو الجنة
، أو أفضل درجاتها ، أقوال للمفسرين . وذكر رجاء الفلاح على تقدير حصول ما أمر به قبل
من التقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله . والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه
، والفوز بالمرجوّ . (البحر المحيط)
(2) في الركوع السابق تناول العقوبة الدنيوية
والأخروية لأولئك الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، وفي هذا
الركوع بعدما خوّف المسلمين من العقوبات المذكورة أرشدهم إلى الجهاد في سبيل الله
كلّما حارب الله ورسوله هؤلاء الأشقياء الغلاظ، وإلى الوقوف بجانب الله ورسوله،
فإن كانوا يسعون إلى الفساد في الأرض فقوموا إلى استتباب الأمن والاستقرار بجهودكم
وعملكم الحسن. (التفسير العثماني)
الجهاد طاعة جامعة:
لقد تناول العديد من أهل العلم نكتة مهمة تحت
الآية الكريمة، وأشاروا إلى أن الأحكام الشرعية على نوعين:
(1) ترك المنهيات (2) فعل المأمورات.
فالمنهيات هي ما نهت عنها الشريعة، والمأمورات
هي ما أمرت الشريعة بها. والآية أمرت المؤمنين بالإثنين. فقال {يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله} ومعنى التقوى ترك المنهيات.
وقوله {وابتغوا إليه الوسيلة} وأراد به فعل
المأمورات، إذ لا يحصل قربه بدونها.
ثم قال بعدما ذكر التقوى والوسيلة: {وجاهدوا في
سبيله} دلّت على أن في الجهاد الوسيلة والتقوى، بل هو من أعلى مراتب التقوى وأفضل
أوجه الوسيلة.
وما من مسلم وفّقه الله تعالى للجهاد في سبيله،
إلا دلّ على سعادته ونجاحه، لذلك قال في آخر الآية {لعلكم تفلحون} ومن هنا عرفنا
أن الجهاد في سبيل الله يشمل التقوى (أي ترك المنهيات) والوسيلة (فعل المأمورات).
(والله أعلم بالصواب)
لا
يجوز استخدام القوة والحرب إلا في الجهاد:
أشار الإمام أبو حيان رحمه الله إلى نكتة مهمة
هنا فقال:
وأيضاً ففيه تنبيه على أنه يجب أن تكون القوة
والبأس الذي للمحارب مقصوراً على الجهاد في سبيل الله تعالى، وأن لا يضع تلك
النجدة التي وهبها الله له للمحاربة في معصية الله تعالى. (البحر المحيط)
(أي أفضل مكان لتوجيه قوة الإنسان الثائرية
والحماسية هو الجهاد في سبيل الله).
القضاء على قطّاع الطرق بالجهاد:
ذكر في الآيات السابقة أولئك الذين يحاربون
الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، وأعقبها ببيان فضل الجهاد، وحكمه. ذكر الإمام
أبو حيّان رحمه الله كلمة (وبالجهاد يدفع المحاربون) قد يكون فيها الإشارة إلى أن
قُطّاع الطرق والقُرصان إذا قاموا بالفساد في الأرض، وجب على المسلمين أن يخرجوا
للجهاد في سبيل الله بُغية حماية الناس من شرهم، ويحظوا بالفوز والسعادة عند ربهم.
ويحسبوا عملية الجهاد هذه وسيلة للتقرب من الله تعالى، ليمكن لهم مزاولته بكل عزم
وهمة وحزم. إن الأمم الأوروبية اتخذت قطع الطريق مهنة، وملأوا الأرض بالظلم
والفساد. يمكن أن تكون الآية قد أشارت إليه. (والله أعلم بالصواب)
وجه الربط بالآية السابقة:
ذكر في الآية السابقة أنه لا يمكن للإنسان أن
يرجو تحقق الفوز والسعادة بدون التقوى والتقرب من الله والجهاد في سبيله، وفي هذه
الآية حذّر من أن الذين أعرضوا عن ذكر الله وأحكامه إن قدّموا ما في الأرض من
الخزائن أو شيء زائد منها ليفتدوا بها من عذاب جهنم، ما قُبلت منهم، إذ السعادة في
الآخرة تعتمد على التقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيل الله، دون الرشاوي
والفدية. (التفسير الحقاني)
أفضل ترجمة:
سعى بعض أهل العلم في تفاسيرهم بالأردية إلى
توسيع نطاق كلمة {وجاهدوا في سبيله} لحملها على مجرد الجهد دون القتال في سبيل
الله، في ظلّ كلمات من مثل (التقوى) و(ابتغاء الوسيلة). وأفضل ترجمة لهذه الكلمة
هي ما ذكرها الشاه عبد القادر رحمه الله:
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا إليه
الوسيلة، وجاهدوا في سبيله، لعلكم تفلحون. (موضح القرآن)
وبها اتضح المعنى الحقيقي لكلمة {وجاهدوا في
سبيله}، والحمد لله رب العالمين.
ملحوظة:
قال اللاهوري رحمه الله:
في الركوعين السابقين تناول أحوال اليهود، أنهم
رغم ما جعل الله فيهم من أنبياء وملوكا خافوا من مواجهة الأعداء، ووجّهوا قوتهم
القتالية إلى الداخل. والآن ينبّه المسلمين بشكل خاص، مع الإشارة إلى علاج المرض
المذكور في هذه الآية، وذلك بسعى كل فرد إلى التقرب إلى الله في حياته الشخصية، بل
في حياته الاجتماعية أيضاً، ولا يختاروا للإمامة إلا من كان أقدر على التضحية في
سبيل الحق، وأبعد عن الشهوات والرذائل. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
