{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}.
ملخص معاني الآية:
لا يجوز للمؤمنين أن يتخذوا أعداء الله من
اليهود والنصارى أولياء، فاليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض في الكفر ومعاداة
المسلمين، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين الذين يوالون
اليهود والنصارى.
سبب النزول:
في سبب نزول الآية أقوال عدة:
(1) نزلت في المنافقين الذين كانوا يتولون
اليهود والنصارى، ويُطلعونهم على أسرار المسلمين. (القرطبي)
(2) نزلت في ضعفاء المسلمين الذين رغبوا في
إجراء المحادثات والتودّد إلى الكفار بعد ما أصابتهم من هزيمة ظاهرة يوم اُحد.
(القرطبي)
(3) قال الإمام الغزالي رحمه الله:
وروي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله ·
فتبرّأ من موالاة اليهود، فقال عبد الله بن أبي: لكنى لا أتبرأ منهم، لأني أخاف
الدوائر، فنزلت هذه الآية. (التفسير الكبير)
(4) نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه في قول.
(القرطبي والبحر المحيط)
موضوع الآية:
(1) ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن
موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله. قاتلهم الله. ثم أخبر أن
بعضهم أولياء بعض، ثم تهدّد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}
(ابن كثير).
(2) نزل نهياً عن موالاة أعداء الدين، أي لا
تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم، وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين.
(المدارك)
الأقوال والمراجع:
تذلون
باختيار عادات اليهود والنصارى:
لا تتوددوا إلى اليهود والنصارى، وإلا تسللت
إليكم عاداتهم وأخلاقهم، فتذلون. (حاشية اللاهوري رحمه الله)
(2)
الكفر والشرك من الأمراض المعدية:
بما أن معصية الله والفسق والفجور والكفر بالله
والإشراك نابعة من مرض باطني، وتتعدّى إلى الغير بالاختلاط، لذلك ذكر مساوي اليهود
والنصارى ليمنعهم من مخالطتهم. (التفسير الحقاني)
القدر المباح من العلاقة والمحرم:
أولياء جمع ولي، وهو الصديق والقريب والناصر
والمعين. فباختصار لا يجوز للمسلمين إقامة روابط المودة والمحبة مع اليهود
والنصارى كما صرّح بذلك في سورة النساء. يجب هنا أن نلاحظ أن هناك فرقا بين
الموالات والمروءة والمعاملة الحسنة والصلح معهم والتسامح والتعايش والعدل
والإنصاف. فقد جاز للمسلمين أن يبرموا العهود والمواثيق مع الكفار بالطرق المشروعة
إن كان فيها مصلحة للعامة. كما قال تعالى {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على
الله} (الأنفال - الركوع 8) إن الأمر بالعدل والقسط يشمل الجميع، سواء كان مسلما
أم كافراً، كما يجوز التعامل معهم بالطريقة الحسنة والمرءة والتسامح، إن لم
يقاوموا جماعة المسلمين ولا يعادوهم ولا يتعنتوا معهم، كما صرّح به في سورة
الممتحنة. أما الموالاة والمحبة والمصادقة والمناصرة الأخوية والتعاون والتعاضد
فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يقيمها مع الكفار، أما الموالاة الصورية فلا مانع
منها لقوله تعالى {إلا أن تتقوا منهم تقاة} وكذلك تقديم المساعدات العامة التي لا
تتسبب في إلحاق الأضرار بموقع الإسلام والمسلمين لا مانع منها. (التفسير العثماني)
(4)
لقد اتحدوا ضد المسلمين:
* بعضهم أولياء بعض، وكلهم أعداء المؤمنين،
وفيه دليل أن الكفر ملة واحدة. (المدارك)
* أي رغم انقسامهم على أنفسهم من ناحية الفِرَق
الدينية أو الشحناء والبغضاء التي يملؤون بها قلوبهم، فإن بعضهم أولياء بعض، إذ
يمكن لليهودي أن يتودد إلى اليهودي، وللنصراني أن يتودد إلى نصراني مثله، ويوحّدوا
صفوفهم في مواجهة جماعة المسلمين. (التفسير العثماني)
* والمعنى إن اليهود والنصارى يرتبطون بصلات
المودة والمحبة فيما بينهم، إضافة إلى اتفاقهم على كثير من النقاط، ومن ضمنها
معاداة الإسلام والمسلمين، ولا يستبعد تحالفهم ضدكم للقضاء عليكم، لكن ما سبب
التقارب بينكم وبين أعداءكم، خاصة أنكم تؤمنون بالقرآن وهم يكفرون به. (التفسير
الماجدي)
(5)
ومن يتولهم منكم فإنه منهم:
* قال ابن عباس: فإنه منهم في حكم الكفر، أي
ومن يتولهم في الدين، وقال غيره: ومن يتولهم في الدنيا فإنه منهم في الآخرة.
(البحر المحيط)
* من جملتهم وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من الله
وتشديد في وجوب مجانبة المخالف للدين. (المدارك)
(6)
الصداقة لا تتحقق بدون الإجلال والتقدير:
لا يمكن إقامة علاقة الصداقة والمودة مع
الأجانب، من أعداء الله، بدون الإجلال والتقدير لهم، وبدون التنازل عن بعض
الثوابت. كما تستلزم المحافظة على الهوية القومية والدينية فرض حظر على إقامة
روابط الصداقة والأخوة مع غير المسلمين. ومن الملاحظ يوميا أن ما من مسلم بالغ في
مخاللة الكفار ومخالطتهم إلا حُرم من نعمة الفقه في الدين والتصلّب والنخوة، فما
نهى عنه النبي · من التشبّه مع الأعداء في اللباس لا يستبعد أن يكون من منطلق تلك
الحِكَم والمصالح. (التفسير الماجدي)
(7)
موالاة الكفار سبب الحرمان من الهدي:
ما من مسلم يقيم علاقة المودة والمحبة مع أعداء
الإسلام، إلا ويظلم نفسه وعامة المسلمين، وينتظر هزيمة جماعة المسلمين وتراجعها.
ومن الصعب تعليق الرجا بمثل هؤلاء الأشقياء المعاندين المخادعين بالعودة إلى الهدي
والنور من جديد. (التفسير العثماني)
* لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة.
(المدارك)
ملحوظة:
ما من مسلم قُتل في جهاده ضد أعداء الإسلام إلا
ويسمّيه القرآن شهيداً، كم يسمّي من يوالي الكفار بمن يظلم نفسه. ولا شك أن ما
يقوله القرآن صحيح، اللهم وفّقنا جميعا لوعيه. (آمين يا أرحم الراحمين)
