{سورة آل عمران مدنية، الآية 128}



{بسم الله الرحمن الرحيم}

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)}.

ملخص معاني الآية:

إن صلاحيات قبول التوبة أو التعذيب خاصة بذات الله سبحانه وتعالى، وما على المسلمين إلا الصبر والثبات على الجهاد، أما توبة الكفار أو تعذيبهم فيفوّضوه إلى الله تعالى.

سبب النزول:

(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلب الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى) فأنزل الله تعالى: (ليس لك من الامر شئ).
(2) الضحاك: هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين فأنزل الله تعالى: { ليس لك من الامر شئ }.
(3) وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الاية علم أن منهم من سيسلم وقد آمن كثير منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم.
وروى الترمذي عن ابن عامر قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر فأنزل الله عزوجل: { ليس لك من الامر شئ } فهداهم الله للاسلام.
وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.

وعقب ذكر الأقوال الأربعة سرد القرطبي من الروايات ما تؤكّد على أن النبي · لم يدع على أحد.. فقد قال:

وقوله تعالى: { ليس لك من الامر شئ } تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أطمع في ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الانبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
(4) وعن مقاتل أنها نزلت في أهل بئر معونة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أربعين وقيل : سبعين رجلاً من قراء أصحابه وأمّر عليهم المنذر بن عمرو إلى بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم فاستصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من سليم من عصية ورعل وذكوان فأحاطوا بهم في رحالهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني النجار فإنهم تركوه وبه رمق فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد وجداً شديداً وقنت عليهم شهراً يلعنهم فنزلت هذه الآية فترك ذلك ، والمعنى ليس لك من أمر هؤلاء شيء وإن قل .

فائدة:

وإليه مال الرازي رحمه الله، بأنها نزلت فيما يتعلق بغزوة اُحد، أما عن الوقعة التي نزلت فيها، فقد سرد عدداً من الأقوال، ثم قال في آخرها:
«قال القفال رحمه الله: وكل هذه الأشياء حصلت يوم اُحد، فنزلت هذه الآية عند الكل، فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات». (التفسير الكبير)

معنى الآية الكريمة:

«لقد قُتل يوم اُحد سبعون من أصحاب رسول الله ·، منهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم النبي ·، وقد مثل بهم المشركون بكل وقاحة، (جدعوا الأذن والأنف وغيرها) وبقروا بطونهم، حتى إن هند بنت عتبة أخرجت كبد حمزة وأرادت مضغه، وسوف تأتي التفاصيل. فباختصار إن النبي · اُصيب بجروح، كُسرت رباعيته، وشجّوا رأسه، دخلت حلقات مغفره في وجهه، حتى سالت الدماء، وأدمى جسده المبارك، فسقط على الأرض واُغمي عليه بعدما تعثرت قدماه، فنادى المشركون: (إن محمداً قد قتل). ففقد الناس وعيهم، ثم اُفيق النبي · فانطلق لسانه بقوله: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى) كما أنه · لما شاهد ما تعرّض له أصحابه على أيدي المشركين وجد نفسه تندفع نحو الدعاء على المشركين حتى همّ بذلك، بل بدأ يدعو عليهم، وكان الحق معه فيما أراد، لكن ذلك لم يكن يُعجب الله تعالى نظراً إلى منصبه الجليل الذي يقتضي أن يصبر على أذى المشركين، وما عليه إلا القيام بما يؤمر من الدعوة والجهاد، ويسلّم عواقبها إلى الله سبحانه، كي يتعامل معهم بما هو الأصلح لهم، لأن النبي · إن دعا عليهم ماتوا جميعا، ألم يكن من الأولى بحالهم أن يتم تحويلهم إلى حُماة الدين وأنصار الرسول · الذين يضحّون بالنفس والغالي له؟ فقد كان أولئك الذين دعا النبي · عليهم سقطوا على قدميه خلال أيام، وقبلوا الإسلام ثم صاروا يدافعون عنه بأنفسهم وأموالهم. فباختصار أشار الله تعالى بقوله : {ليس لك من الأمر شيء} إلى أن الأمور كلها بيد الله، وأن علمه أحاط بكل شيء، وأنه يفعل ما يريد، يقدر على أن يهدي المشركين رُغم معاداتهم وتعدّيهم أو يعذبهم، فلا تدعو عليهم». (التفسير العثماني)

كلام بركة:

أراد الله تعالى أن يعلّم نبيه ويربّيه، فقال {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} رغم عدائهم واعتدائهم عليكم، إما يعذبهم أو يتوب عليهم، فلا تدعو عليهم. (موضح القرآن)

لطيفة:

ومن هنا عرفنا أن الغرض من الجهاد القضاء على الكفر وليس على الكفار، والأولى أن يؤمنوا ويدخلوا في دين الله. والله أعلم بالصواب