{سورة البقرة مدنية، الآية 154}


{بسم الله الرحمن الرحيم}
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)}.

ملخص معاني الآية:

(1) الموت في سبيل الحق، ليس بموت، إنما هو حياة سامية خالية عن الغم والهم والتكاليف، فيا أيها المسلمون.. أبعدوا عن قلوبكم الخوف من الموت.
(3) لاشك أن الذين قُتلوا في سبيل الله من الشهداء أحياء، ولكنكم لا تشعرون حياتهم، حياتهم قوية وعالية، لا تصل إليها مشاعركم وأحاسيسكم الضعيفة، لذلك أخبركم الله بالوحي أنهم {أحياء}.
(3) لمّا تحولت قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة، لم يقدر اليهود على إخفاء عداءهم للإسلام والمسلمين، كان المسلمون ضعفاء، واليهود أقوياء، إضافة إلى دعم المنافقين لهم. فظلّ المسلمون يساورهم القلق بشأن مصير هذا الدين، الذي أحاطت به البلايا والفتن في معقله وعُقر داره المدينة المنورة. فأراد الله أن يُطمّنهم، ونهاهم عن الغم والهم، وأشار إلى أنه سوف يكمل هذا الدين، فقد أرسل فيكم رسولا منكم، الأمر الذي شقّ على اليهود، فاستعينوا بالصبر والصلاة والشكر، وتقوّوا بها في إسلامكم، واخرجوا في سبيل الله للجهاد، فإن قُتل أحدكم فيه عاش حياة رائعة، ومن اُصيب فيه بجروح، أثابه الله وهداه. هذا هو المنهج الربّاني الذي حوّل المسلمين إلى صخور صلبة، المفدين بأرواحهم وأموالهم، وقد شاهدت الدنيا تراجع اليهودية وتوسع الإسلام في ربوع الأرض فيما بعد. لقد أخرج الله عن قلوب المسلمين خوف الموت بوضع الحياة في الموت، والواقع إن أحداً لا يقدر على مواجهة من لا يبال بالموت، خاصة إن كان يسعى وراءه. والله تعالى أعلم، وعلمه أتم.
الأقوال ومراجعها:
(1) نزلت هذه الآية في شهداء بدر. (روح المعاني)
كانوا أربعة عشر نفرا، ستة منهم من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. وهذه أسماء المهاجرين:
عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، و عمير بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعاقل بن بكير، ومهجع بن صالح، وصفوان بن بيضاء رضي الله عنهم أجمعين.
أسماء الأنصار:
سعد بن خيثمة، مبشر بن عبد المنذر، يزيد بن الحارث، عمير بن الهمام، رافع بن معلّى، حارثة بن سراقة، معوذ بن عفراء، عوف بن عفراء رضي الله عنهم أجمعين.
(2) قال بعض أهل العلم: لمّا ابتدأت المعركة قال الكفار والمنافقون: هؤلاء خرجوا ينتحرون في طلب رضى محمد · بلا جدوى، فنزلت هذه الآية، وأخبرت عن مكانة الشهداء العالية عند ربهم. قال الإمام الرازي:
وعن آخرين إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد · من غير فائدة، فنزلت هذه الآية. (التفسير الكبير)
(3) لمّا قُتل بعض الصحابة يوم بدر، قال الكفار لبلادتهم وسوء فهمهم: لقد أفنوا حياتهم فيما لا يعود بالنفع إليهم، وحرّموا أنفسهم من لذائذ الحياة، فردّ الله عليهم في هذه الآية، وأشار إلى أنهم ليسوا أمواتا بالمعنى الذي تقولون، ولا هم موتى في واقع الأمر، إنما هم أحياء، يتلذذون من الحياة أفضل مما تتلذذون، فالحياة البرزخية لاشك أنها تعم الجميع، لكن للشهداء ميزة ليست لغيرهم، فقد يَفْضُلون على غيرهم في آثار الحياة. (التفسير الماجدي)

ملحوظة:

لقد تناول القرآن مسألة حياة الشهداء في الآية 169 من سورة آل عمران، وسوف نذكر مزيداً من تفاصيلها فيها.

نكتة:

لقد استطاع المسلم أن ينشر هذا الدين في ربوع العالم لمّا تحرّر من خوف الموت، كان يحب الشهادة في سبيل الله ويتمناها، لذلك استطاع أن يواجه جميع العراقيل والإعاقات التي وُضعت في طريقه ببسالة، كان يطارد الموت، فَحَيِيَ دينُه، أما اليهود فقد قعدوا في حصونهم وصياصيهم خوفا من الموت، فتراجع دينهم. لكن الوضع مختلف الآن، فقد بات الكافر يحارب المسلم، والمسلم يقعد في بيته كما كان اليهود يفعلون، فصاروا أقوياء، وتسرب الوهن في المسلمين. هذه الآية تناولت وصفة التغلّب على الضعف المذكور، نسأل الله أن يوفقنا للعمل بها، ونحيى من جديد.
الآيات المماثلة:
هناك العديد من آيات القرآن الكريم التي تناولت فضائل الشهداء، وهي:
البقرة: 207، آل عمران: 140، 157، 158، 169، 170، 171، 195، النساء: 69، 74، التوبة: 111، الحج: 58، 59 الزمر: 68، سورة محمد ·: 4، 5 6، الحديد: 19.

دعاء:

اللهم.. إن القتل في سبيلك لاشك أنه من أسعد الأعمال، اللهم إننا نؤمن بهذه الآية وبكل ما أنزلت من الآيات في كتابك العظيم، اللهم فأكرمنا بهذه السعادة، وأدخلنا في زمرة الشهداء المرضيّين الذين ذكرتَهم في كتابك.
آمين يا رب العالمين.