{سورة البقرة مدنية، الآية 177}


{بسم الله الرحمن الرحيم}

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)}.

ملخص معاني الآية:

(1) تناولت هذه الآيات بيان ستة عشر حكما من أمهات الأحكام، ومنها الصبر والثبات في الموقف يوم الزحف، وعدم تولي الدبر.
(2) «أبواب البر» لا تكتمل بدون الصبر والثبات في الجهاد.
(3) لا يمكن الانضمام إلى زمرة الصادقين المتقين بدون الصبر والثبات في الجهاد إضافة إلى بقية الصفات.

سبب النزول:

فيها خطاب لليهود والنصارى، الذين نازعوا المسلمين على التوجّه نحو المشرق أو المغرب، كان اليهود يتوجهون نحو المغرب، والنصارى نحو المشرق، وكانوا يعتبرونه دينا كاملا ونجاحا تاما. فأرشدهم الله تعالى إلى أن البر ليس التوجه نحو المشرق أو المغرب، بل البر ما نتج عن الهدي، وضمن المغفرة، وهي جملة عقائد وأعمال وسلوكيات، ثم ذكرها في هذه الآية، بدايتها بالإيمان بالله، ونهايتها بالصبر والثبات يوم الزحف، وبينهما أمور، يصل عددها إلى أربعة عشر.
(2) قال قتادة رضي الله تعالى: سأل رجل النبي · عن البر، فنزلت هذه الآية.

الملخص:

ما من طائفة باطلة إلا وتعتقد أن الدين عبارة عن جملة عادات وتقاليد وشعارات وأماكن، فتغفل عن إصلاح عقيدتها وعملها وخلقها، وهذا ما فعله اليهود والنصارى، ومثلهم الفرق الضالة من المسلمين تحسب زيارة الأماكن والزوايا والأشخاص والتقاليد هي الدين، الذي يضمن النجاح لهم في الآخرة، فهذه الآية الكريمة تمثل أمثل دواء لمثل هذه الضلالات، والواجب على كل مسلم أن يتدبر في كل حكم من أحكام هذه الآية الكريمة، ويحاسب نفسه، ويرى هل فيه تلك العقيدة أو العمل أو الخلق؟

مأخذ الجهاد:

أشار لفظ {وحين البأس} في الآية إلى أهمية الجهاد وفضله، كما هو ظاهر، فيما يلي لاحظوا بعض أقوال أهل العلم:
(1) {وحين البأس} أي وقت الحرب. (القرطبي)
(2) {وحين البأس} وقت شدة القتال في سبيل الله. (تفسير الجلالين)
(3) {وحين البأس} أي في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك وغيرهم. (تفسير ابن كثير)
(4) {وحين البأس} أي وقت القتال وجهاد العدو. (روح المعاني) ثم قال الآلوسي : وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد، لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض. (روح المعاني)

المراجع:

(1) قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل النبي · عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية. (القرطبي)
(2) وقال الربيع وقتادة أيضاً: الخطاب لليهود والنصارى، لأنهم اختلفوا في التوجه والتولّي الخ. (القرطبي)
(3) أي اصبروا واثبتوا أثناء القتال مع الكفار، ولا تهنوا ولا تحزنوا. (بيان القرآن)

فائدة:

{وفي الرقاب} أي في تحرير الرقاب، رقاب المجاهدين المقاتلين الذين وقعوا أسرى بأيدي الأعداء، كما قال القرطبي رحمه الله تعالى:
قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراءهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجماع أيضاً. (القرطبي)
وقال السيوطي: {الرقاب} المكاتبين والأسرى. (تفسير الجلالين)
ولا وجود للعبيد والإماء اليوم، فالواجب على المسلمين إنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الكفار، حتى يكمل منهج أبواب البر، من العمل بالإيمان والطاعة. وسوف يأتي تفصيله في الصفحات اللاحقة.

ملحوظة:

إن الصبر والثبات في الموقف عند حمي وطيس الحرب يبدو أمراً سهلا، لكن وراءه باب كامل من أبواب الإيمان، فالثبات يوم الزحف ليس بهيّن، بل هو صعب ويتطلب الصبر والجَلَد. وقد أيّده الله تعالى في القرآن الكريم في ألفاظ صريحة، اقرءوا الآية 45 من سورة الأنفال، فقد أوعد أولئك الذين يولّون أدبارهم يوم الزحف، اقرءوا الآية 15 و16 من سورة الأنفال، وأنه يحب أولئك الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، لاحظوا سورة الصف، الآية 4. كما ردّ على المنافقين في ألفاظ شديدة، لاحظوا الآية 15، و 16 من سورة الأحزاب، ثم أوضح تفصيلها الشرعي، في الآيات 65 و66 من سورة الأنفال، وذكر تولّي الكفار والمنافقين والشيطان في مواضع عدة، لاحظوا الآية 111 من سورة الحشر، والآيات 12، 14 من سورة الحشر، والآية 48 من سورة الأنفال، والآية 57 من التوبة، والآية 22 من سورة الفتح.
ومن هنا عرفنا أهميته ووجوبه وأنه من الأخبار المؤكدة، وقد تناول القرآن كافة أطرافه، اقرءوا تفسير هذه الآيات وافهموا معانيها، لتدركوا أهميتها وأبعادها، فالواجب على كل مؤمن تقي أن يتخلق بهذه الخلق، ويتعوّذ من الجبن. فيما يلي نسرد بعض الصفات الضرورية للثبات في الميدان 


يوم الزحف:

(1) الاشتياق إلى لقاء الرب.
(2) يُصدِّق بكون الجهاد حكما من أحكام الشريعة الإسلامية وطاعة مهمة.
(3) يتسلح ببعض التدريبات العسكرية المهمة.
(4) أن يكون بعيداً عن حب الدنيا.
(5) أن يستعد للذهاب والإياب في أجواء الحرب.
هذه المسألة بحاجة إلى تفاصيل، لا يتحمله الهامش المختصر هذا، وعلى الراغبين مراجعة أمهات كتب التفسير.

الدعاء:

اللهم وفّقنا للعمل بأبواب البرّ مع صفة الإحسان، وثبّت أقدامنا يوم القتال، وأكثر من الصادقين المتقين من أولياءك الذين لا تتزلزل أقدامهم يوم الزحف.
آمين يا رب العالمين