{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}.
ملخص معاني الآية:
واصلوا قتال المشركين حتى يقصم ظهر الشرك،
وتنقضي شوكته، وتزول دولته، ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على
الظالمين.
وجه الارتباط بين الآيات:
معظم المفسرين يسعون إلى ربطها بالآيات الثلاث
التي سبقتها، ويخصونها بجزيرة العرب، ويفسرون الفتنة بالشرك، والمعنى: قاتلوا
المشركين حتى لا يبقى مشرك في جزيرة العرب، وتخلص لعبادة الله تعالى، فلا يشرك
فيها أحد معه، كما قال صاحب التفسير الماجدي:
{قاتلوهم} إلى من يعود الضمير فيه؟ فالظاهر
عودته إلى مطلق الكفار أو مشركي جزيرة العرب، وأكثر التابعين وفقهاء الحنفية
أرادوا منه مشركي جزيرة العرب.
قال القرطبي: ومن رآها غير ناسخة قال المعنى:
قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم فإن قاتلوكم (القرطبي).
وهم كفار مكة والفتنة ههنا الشرك ولا يسن بهم
سنة أهل الكتاب في قبول الجزية، قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسدي. (بحر)
عطف على قاتلوا الذين يقاتلونكم ويؤيده أن
المشركين العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف. (روح)
وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب.
(الجصاص)
الإسلام دين أممي، يستدعي وجود مركز ومستقر
أرضي له، وقطر من أقطار الأرض، طاهرة من دنس الكفر والشرك، تمثل بقعة زكية
للموحّدين، ولا تصلح أرض لهذا الغرض أفضل من مسقط رأس الرسول ومهبط الوحي، فتم
اختيار أرض العرب له، لذلك إن لم يُسلم مواطنوا هذه الأرض من المشركين فلهم السيف،
ولا تُقبل الجزية منهم. (التفسير الماجدي)
القول الثاني:
هذه الآية عام تشمل جميع الكفار، وبه قال بعض
المفسرين، كما قال القرطبي رحمه الله:
{وقاتلوهم} أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع
على من رآها ناسخة.
والفتنة المراد منها الكفر، وفق هذا القول.
(القرطبي)
أي يستمر الجهاد حتى يتم قصم ظهر الكفر والشرك،
والقضاء على دولته وسلطانه، فيكون معناها معنى الآية 39 من سورة الأنفال. قال الله
تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما
يعملون بصير} (الأنفال 39) دلت الآية بشكل واضح وقاطع على مشروعية الجهاد الهجومي
عند المفسرين. كما قال صاحب التفسير العثماني:
«أي لا يبقى سلطان ولا قوة للمشركين بحيث
يقدروا على منع الإيمان، أو يشكّلوا تهديداً لدين الحق، ويشهد له التاريخ، فما من
مناسبة تمكن فيها الكفار من فرض هيمنتهم وبسط نفوذهم على قطر من أقطار الأرض، إلا
وتعرّض إيمان المسلمين ودينهم فيه للخطر، فهذه أسبانيا أمامنا، كم ذاق المسلمون
فيها من ويلات على يد الكفار بعد دحر قوتهم وسلطانهم، وكم ردّوهم عن دينهم إلى
النصرانية. فالغرض الحقيقي للجهاد في سبيل الله حماية المسلمين وتوفير أرضية صالحة
للعبادة وأداء شعائر الدين، وهذا ما روي عن ابن عمر وغيره من الصحابة في معنى
الفتنة، يمكن الرجوع إليها في مظانها من كتب الحديث». (التفسير العثماني)
ثم قال في تفسير {يكون الدين كله لله} :
«وهذا هو الغرض الأول والأخير من الجهاد، حتى
لا تبقى للكفر قوة ولا شوكة، ويضحى الحكم لله، ليظهر دين الحق على الأديان كلها
{ليظهره على الدين كله} سواء في ظل تواجد بقية الأديان، كما كان عهود الخلفاء
الراشدين وغيرهم، أو بالقضاء على كافة الأديان والملل والنحل، كما سيتحقق ذلك عند
نزول المسيح عليه السلام. وباختصار دلت الآية الكريمة على مشروعية الجهاد الهجومي
ما لم يتم تحقيق الهدفين المذكورين». (التفسير العثماني)
فالآية سواء قلنا إنها خاص بمشركي العرب، أو
عام في جميع المشركين، فإنها تؤكّد في الحالات كلها على أهمية الجهاد، كما أكّدت
على أبعاد الجهاد وأهدافه، وسوف نورد تحقيقا شاملا لكلمة الفتنة في سورة الأنفال،
نكتفي هنا بسرد عبارة تحقيقية للإمام الرازي، وفيها ما يكفي للوصول إلى كُنه هذه
الكلمة:
«في المراد بالفتنة ههنا وجوه: أحدها: أنها
الشرك والكفر. قالوا: كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويوذون أصحاب النبي · بمكة
حتى ذهبوا إلى الحبشة، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة، وكان
غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا. فأنزل الله تعالى هذه
الآية، والمعنى قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم، فلا تقعوا في
الشرك». (التفسير الكبير)
ثم ذكر معنى آخر للفتنة بالألفاظ التالية:
«وثانيها قال أبو مسلم: معنى الفتنة ههنا الجرم
قال: لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا بها كان
فتنة على المؤمنين، لما يخافون عنده من أنواع المضار». (التفسير الكبير)
والمعنى: وجوب القضاء على كل قوة تابعة للكفار
من شأنها إلحاق الأضرار بالمسلمين، وحبسهم وتضليلهم وافتتانهم.
فيا سبحان الله... لاحظوا التدابير الاستباقية
التي شرعها الله لعباده لحمايتهم من بطش المشركين واضطهادهم، لكننا نحن المسلمين
لغفلتنا وجبننا وتخاذلنا لم نستفد منها، نشاهد اليوم الكفار والمشركين يتمتعون بكافة
أشكال السلطة والقوة، العسكرية والاقتصادية والثقافية، يؤذون المسلمين، ويعمّمون
الكفر والضلال في صفوفهم، فإلى الله المشتكي.
دعاء:
اللهم يا قوي، يا قادر يا مقتدر يا قيوم، نسألك
الهمة والقوة والتوفيق لنقاتل في سبيلك حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لك.
آمين يا رب العالمين.
