{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)}.
ملخص معاني الآية:
(1) كانوا قد منعوكم بالعام الماضي من الدخول
في المسجد الحرام في ذي القعدة الشهر الحرام سنة ست من الهجرة، والآن أدخلكم الله
في المسجد الحرام في ذي القعدة سنة سبع، فصار الشهر الحرام بالشهر الحرام.
(2) كان المشركون يدركون أن المسلمين لا
يبادرون بالقتال في الأشهر الحُرُم، لذلك خطّطوا لمهاجمتهم أثناء تأدية مناسك
العمرة، وأقلق ذلك المسلمين، فأرشدهم الله تعالى في هذه الآية إلى أن المشركين إن
أقدموا على انتهاك حرمات الحرم، فلا مانع لكم من محاربتهم في الأشهر الحُرُم.
(3) المشركون يشركون بالله في البلد الحرام،
وقد انتهكوا حرمة شهر الله ذي القعدة المحرم، فحاربوكم فيه، فلا ضير في محاربتهم
فيه. (التفسير الكبير)
قولان لأهل العلم:
إن حرمة الأشهر الحُرُم وهي محرم ورجب
وذوالقعدة وذوالحجة قد زالت الآن عند أكثر علماء الأمة، حيث قال الشيخ أشرف علي
التهانوي رحمه الله:
أجمع جمهور أئمة الدين أن القتال جائز الآن في
الأشهر الحُرُم، والآيات التي تنهى عنه قد نُسخت، لكن الأولى عدم البدء بالقتال
فيها. (بيان القرآن)
(2) وقيل بعدم نسخها كما في العبارة التالية:
«المشهور أن النهي عن القتال في الأشهر الحُرُم
منسوخ، وهذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن حرمتها باقية، فقد حُرمت ثلاثة أشهر للحج،
وشهر رجب للعمرة. فمن أقدم على تحطيم حرماتنا، جاز لنا تحطيم حرماتهم». (حاشية
اللاهوري رحمه الله) وفي التفسير الكبير أنه مروي عن عطاء بن أبي رباح.
{والحرمات قصاص} فإن حافظ عليها العدو، حافظنا
عليها، وإن اعتدى علينا فيها، اعتدينا عليهم كما اعتدوا علينا، إن هم اعتدوا علينا
فيها رغم تمسكهم بالباطل، كان أحرى بنا أن نردّ عليهم بالمثل ونحن على الحق، كما
قال الشاه عبد القادر رحمه الله:
إن عظّم مشرك الأشهر الحرم، بأن امتنع عن
القتال فيها، فامتنعوا عن قتاله، وكان المشركون من أهل مكة يعتدون على المسلمين في
تلك الأشهر، فلماذا يقّصر المسلمون في الدفاع عن أنفسهم. كان المسلمون قد خرجوا
يوم الحديبية للعمرة مع النبي ·، فتعرض لهم المشركون ومنعوهم عن المسجد الحرام،
فنزلت هذه الآية، وكان المسلمون يدركون أن المشركين سوف يتعرضون لهم إن ذهبوا
لأداء مناسك العمرة، وكانوا يتحيرون في كيفية الرد عليهم، حتى أنزل الله تعالى هذه
الآية، وأباح لهم القتال فيها. (موضح القرآن)
{فمن اعتدى عليكم} هنا سمّى الله تعالى الرد
بالمثل اعتداءً، مع أنه عدل، وذلك من باب المشاكلة، إذ هو من أحد الأساليب العربية
في التحاور، فرد المكر بالمثل يسمّى مكراً، ورد الخداع بالمثل يسمّى خداعا، وردّ
الكيد بالمثل يسمّى كيداً، ورد السيئة بالمثل يسمّى سيئة، وردّ الاعتداء بالمثل
يسمى اعتداءً.
ملاحظة مهمة:
دلت الآيات السابقة على أن شيئا من الأماكن لا
يُستثنى من الجهاد، ولا أحد من المسلمين يُستثنى منه، ما عدا أولئك الذين عذّرهم
الله، أما هذه الآية فدلت على أن شيئا من الأوقات لا يُستثنى من الجهاد، والجهاد
لا يتوقف عند مكان أو زمان، (مستفاد من تفسير الفرقان). والجهاد في الواقع درع لحماية
الإسلام، وكيف يمكن إيقاف أو توقف عملية حماية أمةٍ بحجم المسلمين؟
فائدة:
الآيات الأربع السابقة نزلت قُبيل فتح مكة
بأيام، وهي تحوي في طياتها الإشارة إلى أن الجزيرة العربية بصفة عامة، ومكة
المكرمة بصفة خاصة، على وشك التطهر من دنس الشرك ووجود المشركين الآثم. كما أنها
أشارت إلى عظيم مكانة البيت وحرمة الأشهر الحرم والإحرام في قلوب المسلمين
ونفوسهم، وكانوا يتحاشون القتال في تلك الأمكنة والأزمنة، فإن تُرك الوضع على
حاله، صعُب فتح مكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتهيئة نفوسهم للقتال فيها،
وأكّدت على أن طريق التعظيم الحقيقي للأمكنة والأزمنة يمر فوق تبرئة ساحة الحرم
وتطهير مكة من دنس الشرك ووجود المشركين الآثم. ولا مانع من القتال في المسجد
الحرام وفي الأشهر الحرم إن كان الغرض منه استعادة حرمة البيت. فباختصار لما
استعدت نفوسهم وقلوبهم للقتال فيها، وأخذوا عُدة الحرب لفتح مكة، لم يفسح الله
المجال لإراقة دماء كثيرة، وفتحهها عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب وعلمه أتم.
{واعلموا أن الله مع المتقين}.
«إن أول نعمة على عباده هي ربط قلوبهم وتقوية
عزائمهم للقيام بمهمة، إذ ما من أمة قويت همتها، وتقوت عزيمتها، إلا وثبتت أمام
العدو، فالله معكم أيها المؤمنون، أي يقوّى هممكم وعزائمكم. والله تعالى أعلم.
(حاشية اللاهوري رحمه الله)
