{سورة البقرة مدنية، الآية 244}


{بسم الله الرحمن الرحيم}

{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}.

ملخص معاني الآية:

يا أيها الذين آمنوا، تأملوا القصة الماضية، وقاتلوا في سبيل الله، واعلموا أن الله سميع عليم. فلا تخافوا الموت، وقوموا بواجب الأمر بالجهاد حق القيام مع شجاعة متفانية.

الأقوال والمراجع:

(1) هذا خطاب لهذه الأمة بالجهاد في سبيل الله، وتقدمت تلك القصة كما قلنا تنبيها لهذه الأمة أن لا تفر من الموت كفرار هؤلاء، وتشجيعا لها وتثبيتاً. (البحر المحيط)
(2) هذا خطاب لأمة محمد · بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور، وهو الذي ينوي به أن تكون كلمة الله هي العليا. (القرطبي)
(3) أن هذا الخطاب للذين أحيوا، قال الضحاك رحمه الله: أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد. (التفسير الكبير)
وهذا القول ضعّفه المفسرون. (القرطبي والبحر المحيط)

قولان رائعان في تفسير الآية:

(1) قال العلامة ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:
وقوله: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى: { الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [آل عمران:168] وقال تعالى: { وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } [النساء:77، 78] .
وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه، أنه قال : - وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير!! فلا نامت أعين الجبناء يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلا في الحرب ويتأسف على ذلك ويتألم أن يموت على فراشه. (تفسير ابن كثير)
(2) يؤكّد الله تعالى على أهمية التضحية بالنفس والمال في سبيل الله بعد ذكر المسائل المذكورة، لأن من الصعب المحافظة على كيّان أمة بدون حماية دينها وعقيدتها ومقدساتها، خاصة إن كان دينه مما أنزله الله لينتشر في العالم كله، والتوحيد الذي يدعو إليه، والأحكام التي شرعها لهم، إن كانت مما تأباها النفوس الشريرة، وبات من المؤكّد أن معارضتها تبدو أول ما تبدو من عُقر دارها، كما كان ذلك واضحا، فما بال العالم لا يعارضه؟ لذلك جاء الأمر بالقتال في سبيل الله، وبإزالة كافة العوائق والعراقيل التي توضع في طريقه بحد السيف، لكن بنية صادقة وإخلاص قلبي، بحيث لا تهدفون من وراء إراقة الدماء وضرب الأعناق إلا إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، مثل المريض يتعرض لعملية الفصد والحقنة لإزالة المواد الفاسدة من جسده، ومناسبة كهذه تستدعي صدق النية وإخلاص القلب أكثر من غيرها، لذلك قال: {واعلموا أن الله سميع عليم}. (التفسير الحقاني)
{واعلموا أن الله سميع عليم}..
(1) أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد وفي تنفير الغير عنه، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض، وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا. (التفسير الكبير)
(2) بما أن الموت والحياة ليست في قبضة أحد إلا الله، وأن الموت ليس بمؤكّد في الجهاد، فقوموا لإعلاء الأحكام الربانية بواجب الجهاد حتى يظهر الله دينه ويُعلي كلمته، ويبسط سلطانه على ظهر البسيطة، ولتتمتع بنعمة الأمن والسلام والاستقرار. وبما أنكم لا تجاهدون إلا طلبا لمرضاة الله تعالى، لذلك هو يسمع دعاءكم بفضله ومنّه، ويستجيب له، وينصركم على أعداءكم. (تفسير الفرقان)

الربط بين الآيات:

قال الآلوسي رحمه الله:
والجهاد لما كان ذروة سنام الدين وكان من أشق التكاليف، حرضهم عليه من طرق شتى مبتدئاً من قوله سبحانه: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} (البقرة 154) منتهيا إلى هذا المقال الكريم، مختتماً بذكر إنفاق في سبيله للتتميم. (روح المعاني)

دعاء:

اللهم إنك أمرتنا بالقتال في سبيلك، ولقد سمعنا وأطعنا، اللهم فوفّقنا للعمل به.
آمين يا رب العالمين.