بسم
الله الرحمن الرحيم
{إنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ
يُنْفِقُوْنَ اَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُوْنَهَا
ثُمَّ تَكُوْنُ عَلَيْهِمْ حَسْرةً ثُمَّ يُغْلَبُوْنَ وَالَّذِيْنَ كَفَرُوا إلى
جَهَنَّمَ يُحْشَروْنَ}.
ملخص معاني الآية الكريمة:
أشار فيها إلى أن هؤلاء الكفار والمشركين
ينفقون أموالهم ليمنعوا المسلمين عن سبيل الله، فسينفقون مزيدا منها، ثم تكون تلك
الأموال حسرة عليهم، ثم يُغلبون بيد المسلمين، فمن مات منهم كافرا يُحشر إلى جهنم.
سبب النزول:
1- قال مقاتل والكلبي رحمهما الله: نزلت في
المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا من صناديد قريش. (التفسير الكبير)
2- نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد
ألفين من الأحابيش يقاتل بهم النبي ·.
3- لما رجع فل قريش إلى مكة من بدر إلى آخره.
(البحر المحيط)
لمّا رجعت فلول المشركين إلى مكة من بدر، ووصل
أبو سفيان مع العير بمكة، أجمعوا على أنهم لا يوجهون هذه الأموال إلا لأخذ الثأر
من المسلمين، فنزلت هذه الآية.
تفسير موجز:
«لقد تكفل اثنا عشر زعيما من المشركين كل واحد
منهم يُطعم الجيش يوما من أيام بدر، فكانت عشرة جزور ينحرها أحد هؤلاء الزعماء كل
يوم، فلما تلقوا هزيمة نكراء، ورجعوا إلى مكة قالوا لأبي سفيان وغيره: لا نصرف هذه
الأموال إلا في الانتقام من المسلمين، فاتفقوا عليه، فهذا هو الإنفاق الذي ذكره
الله تعالى في الآية الكريمة، يقول الله تعالى إن هؤلاء الكفار والمشركين لمّا
يُغلبون ويُقهرون في الدنيا، ويُعذّبون في الآخرة، تحسّروا وتندموا على ما أسلفوا
في الدنيا من ضياع المال وفلتان النصر، وفي الآخرة من الخزي والعار. فقد وجّهوا ما
كانوا يملكونه من قوى مالية وبدنية إلى محاربة الرسول والإسلام بدايةً من بدر ثم
اُحد وغيرهما، لكنهم لم ينالوا شيئا، وقُتلوا على يد المسلمين واُهلكوا، أو ندموا
ورجعوا عن كفرهم وتابوا وأسلموا». (التفسير العثماني)
ينفقون الأموال لمنع انتصار
الإسلام:
«والمعنى أن الكفار يقصدون بنفقتهم الصد عن
سبيل الله وغلبة المؤمنين». (البحر المحيط)
فائدة:
في ثنايا الترغيب في الجهاد أشار الله تعالى
إلى وتيرة المشركين حيال المسلمين وعدائهم وظلمهم واستخدامهم الأموال للقضاء على
الإسلام والمسلمين، لذلك وجب محاربتهم وتدمير أموالهم لحماية الإسلام والمسلمين.
(والله أعلم بالصواب)
الحرب الاقتصادية:
أشارت الآية الكريمة إلى الحرب الاقتصادية مع
الكفار الذين كانوا يستخدمون أموالهم لإلحاق الضرر بالإسلام والمسلمين، ولا يزالون
يحاربونهم، وفي عصرنا الحاضر بلغت هذه الحروب أوجها في الضراوة والشدة والفظيعة.
(والله أعلم بالصواب)
نكتة مهمة جداً:
كان النبي · قد خرج من المدينة المنورة للقاء
عير قريش القادمة من الشام بزعامة أبي سفيان، وهنا يشعر بعض المؤرخين المسلمين
بالخجل، ويوردون تأويلات مختلفة، لكن الله سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية الكريمة
السبب الرئيسي الذي لأجله كان خروج النبي ·، وهو أن المال كان عنصراً مهما بالنسبة
للمشركين الذين كانوا يستخدمونه للنيل من المسلمين والقضاء عليهم، فبه كانوا
يشترون السلاح، وينظمون به المقاتلين لمحاربة المسلمين، وبه يجنّدون المرتزقة،
ويشترون المنافقين من المسلمين، ويسعون إلى القضاء على الإسلام والمسلمين، فأموال
أعداء الإسلام كالسم في فم الحية، فهل لا يشرع لأحد أن يأخذ الحية ويطرح السم من
فمها؟ فالنبي · وصحابته كانوا بعيدين عن حب المال، لأنهم إن أحبوا المال لوافقوا
على عرض تحويل اُحد ذهبا، إن كان المال ما يطمحه النبي · لوافق على ما عرض عليه
المشركون من جمع مال عظيم له بمكة، فكل من ألقى نظرة عابرة على حياته · المباركة
وتعاليمه الكريمة، لاعترف – سواء أكان محبا له أم
معاديا - أنه لم يكن يحب المال والدنيا، أما خروجه مع أصحابه للقاء عير أبي سفيان
التجارية فكان لقصم ظهر المشركين من الناحية الاقتصادية، التي كانت تتمثل دعامة
المشركين الأولى في محاربة الإسلام والمسلمين، فهذه الآية الكريمة تُشير إلى
الأضرار الجسيمة التي تلحق بالمسلمين في حال تقدم المشركين في المجالات
الاقتصادية، يا ليت لو تأمّل أولئك المؤرّخون الذين يشعرون بالخجل على خروجه ·
للقاء عير المشركين في هذه الآية المباركة الوحيدة لأدركوا أن مهاجمة أموال أعداء
الإسلام من أهم ما يقتضيه الإسلام، بل أموالهم تُشكّل خطراً أكبر من عامتهم، لذلك
من الأولى مهاجمة أموالهم قبل نفوسهم بغرض حماية الإسلام والمسلمين. (والله أعلم
بالصواب)
ومن هنا ندرك بأن الآية الكريمة تُشير المسلمين
إلى ضرورة تحطيم القوة المالية للمشركين وإضعافها.
عموم مضمون الآية:
قال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى إن مضمون
الآية عام رغم خصوص سبب النزول، فكلما بذل الكفار أموالهم لمنع الناس من الحق، فشلوا
في دنياهم واخراهم، وندموا، فدين الله يكتمل وينتشر. ينفق الكفار أموالهم ليطفئوا
نور الله بأفواههم، ثم يندمون عليه، يتحسرون على أنهم أنفقوا أموالهم لكن أهدافهم
لم تتحقق، فهؤلاء يُغلبون في الدنيا، ويدخلون نار جهنم في الآخرة. (تفسير أنوار
البيان)
