بسم
الله الرحمن الرحيم
{لِيَمِيْزَ اللهُ الخَبِيْثَ مِنَ
الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيْثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيْعاً
فَيَجْعَلَهُ فِيْ جَهَنَّمَ اُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُوْنَ}.
ملخص معاني الآية:
لا يُنفق الكفار شيئاً من أموالهم في محاربة
الإسلام إلا ليُفرّق الله به بين الكافر الخبيث والمؤمن الطيّب، وليُميّز الله بين
المال الطيب والخبيث، حيث الطيب يُنفق في جهات الخير، والخبيث يُنفق في جهات الشر،
ثم يجعل الخبيث بعضه على بعض، بحيث يتراكم ويجتمع بعضه على بعض، فيجعله في جهنم،
أولئك هم الخاسرون.
كلام بركة:
قال الشاه رحمه الله تعالى:
أي إن الله سبحانه وتعالى سيُغلب الإسلام على
الكفر رويدا رويدا، وأثناءه ينفق الكفار قواهم البدنية والمالية في محاربة
الإسلام، ليمتاز الخبيث من الطيب، أي ليدخل في الإسلام كل من قدّر الله له ذلك،
ومن قضى عليه بالكفر يموت عليه، فيدخل في نار جهنم مع أمثاله من الكفار مجتمعين.
(موضح القرآن)
والمعنى أن الكفار بإنفاق المال يسلّطون الحرب
على المسلمين، ويقيمون حلفا مع أنصارهم، يتحالف معهم الحريصون في المال، أما
المؤمنون المخلصون فينزلون في ساحة القتال لمحاربتهم، وهكذا تمتاز جماعة المؤمنين
عن جماعة الكافرين، وسوف يلقيهم الله تعالى في نار جهنم مجتمعين.
كلام الرازي:
ذكر الإمام الرازي رحمه الله تعالى معنيين
للآية:
الأول: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من
الفريق الطيب من المؤمنين.
فاللام في «ليميز» متعلقة بـ «يحشرون»، والمعنى
أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب.
الثاني: المراد بالخبيث نفقة الكافر على معاداة
محمد ·، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان رضي الله
عنهما في نصرة الرسول ·.
والمعنى أن الله يميّز المال الخبيث من الطيب،
والمال الخبيث ما أنفقه المشركون في محاربة محمد ·، والمال الطيب هو ما أنفقه
المسلمون في محاربة المشركين، مثل ما أنفقه أبو بكر وعثمان لنصر النبي ·، ثم يجمع
الله المال الخبيث فيجعله في نار جهنم، ويعذّب به المشركين، كما قال تعالى :
{فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} أي تُذاب الفضة والذهب في نار جهنم، ثم تكوى
بها جباههم وجنوبهم. ووفق هذا التفسير تكون لام «ليميز» متعلقة بـ «تكون». كما في
التفسير الكبير: «وعلى القول الثاني متعلق بقوله ثم تكون عليهم حسرة». (التفسير
الكبير).
فائدة:
أشارت الآية الكريمة إلى أن المشركين يتخذون حلفاء
بأموالهم لمحاربة المسلمين في كل عصر وزمان، وعلى المسلمين أن لا يفزعوا منهم، ولا
يتقاربوهم، بل عليهم محاربتهم بكل ثبات ويقين، إذ هم وقود النار، إلا من اعتنق
الإسلام منهم. والله أعلم بالصواب
نكتة مهمة:
الطيب
من المال عند الله كل مال اُنفق في الجهاد في سبيل الله، وعلى كل مسلم أن يسعى إلى
ادخار هذا النوع من المال لينفعه في الآخرة. (والله أعلم بالصواب)
حلفاء الدنياء رفقاء النار:
قال صاحب أنوار البيان:
كان المشركون في الدنيا يدا بيد في محاربة
الإسلام، همهم الوحيد هو إلحاق الضرر بالمسلمين، وسوف يجتمعون معاً يوم القيامة في
دار العذاب ليذوقوا طعمه، ويخلدوا فيها. (أنوار البيان)
المجاهدون طيبون والمتخلفون
ضده:
قال العلامة ابن كثير في تفسير هذه الآية
الكريمة:
أي إنما أقدرناهم على ذلك ليميز الله الخبيث من
الطيب، أي من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين أو يعصيه بالنكول على ذلك كقوله {وما
أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل
لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} (آل
عمران 166-167)
دروس:
1- أموال أعداء الإسلام أخطر سلاح ضد المسلمين،
والواجب السعي إلى تدميره.
2- كل مال اُنفق في محاربة الإسلام فهو مال
خبيث.
3- وكل مال اُنفق في محاربة الكفار فهو مال
طيب، ويجب على المسلمين أن ينفقوا أموالهم في الجهاد في سبيل الله، أجراً وذُخراً
لهم في الآخرة.
4- الكفار يقيمون حلفاء اعتماداً على المال،
لذلك يجب على المسلمين أن يتحالفوا فيما بينهم ليس على أساس المال، بل على أساس الإيمان
والهجرة والنصرة والجهاد.
5- كل من جاهد في سبيل الله من المسلمين فهو
طيب طاهر، وكل من أعرض عن فريضة الجهاد فهو ليس كذلك.
6- الكفار يسلّطون على المسلمين حربا اقتصادية،
ويسعون إلى إحداث اضطرابات في صفوف المسلمين بإنفاق الأموال على كل من يعمل
لمصلحتهم، وطريق محاربة هذا النوع من الحرب أن يُبعد المسلمون عن أنفسهم حرص المال
وطمعه، ويحرصوا على قضاء حياة عادية بعيدة عن الترف والتنعّم، لا يتخذوا زينة
الحياة الدنيا وبهجتها مقصود حياتهم، ولا يقعوا في حب المال، إن كانوا يشتاقون إلى
لقاء الله ويتمنون الشهادة في سبيل الله، فإن حرب الكفار الاقتصادية لن تضرهم، وتتحول
أموالهم إلى مغانم للمسلمين، كما وقع في غزوة بدر، وحدث ذلك مرارا في عهد الصحابة
الزاهر. والقرآن قد دعا إلى الجهاد عقب هذه الآية، واستعرض مسألة تقسيم الغنائم،
وفي ذلك إشارة واضحة إلى أساليب القضاء على حرب الكفار الاقتصادية. (والله أعلم
بالصواب)
