بسم
الله الرحمن الرحيم
{وقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى لا
تَكُوْنَ فِتْنَةٌ وَّيَكُوْنَ الدِّيْنُ كُلُّهُ للهِ. فَإِنِ انْتَهَواْ فَاِنَّ
اللهَ بِمَا يَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ}.
ملخص معاني الآية الكريمة:
أيها المؤمنون.. قاتلوا الكفار ولا تتوانوا حتى
تتحطم قوتهم وشوكتهم، ويتغلب الإسلام على بقية الأديان، فإن انتهوا عن الكفر
والشرك فتوقفوا عن قتالهم، إن الله بصير بأعمالهم.
أقوال أهل العلم
1- كلام بركة:
قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، أي قوة الكفار
وشوكتهم القادرة على منع الناس من الإيمان. (موضح القرآن)
2- لدحر قوة الكفر والشرك:
لن يُعيد أهل الإيمان الأوفياء سيوفهم إلى
أغمادها حتى يدحروا قوة الكفر والشرك، وترفرف راية التوحيد خفّاقة في العالم كله.
3- ما معنى الآية عند الصحابة؟
قال بعض أهل العلم: معنى الآية: واصلوا قتال
المشركين حيثما وُجدوا حتى ينتصر الإسلام على الدين كله، ولانتصار الإسلام وجهان:
الأول: أن يعتنقوا الإسلام، والثاني: يوافقوا على دفع الجزية، فصحابة رسول الله ·
واصلوا الجهاد طيلة حياتهم، ثم سار على نهجهم كثير من الملوك والحكام، لكن
المسلمين اليوم تركوا الجهاد، لذلك يقهرهم الكفار ويتغلبون عليهم.
4- حتى يسود الحق والصدق على
الأرض:
يأمر الله المسلمين بمواصلة قتال المشركين حتى
تندحر فتنة الكفر والمعاصي، ويسود الحق والصدق في الأرض. (التفسير الحقاني)
5- الاعتراف بالقرآن بأنه أسمى
دستور:
أشار في الركوع السابق إلى أن المشركين يعملون
دائما للإضرار بالمسلمين، وأن الله سينصر المخلصين الموحدين ضدهم، لكن بشرط أن
يجعلوا القرآن الذي اُنزل على محمد · دستور حياتهم، ويواصلوا قتال المشركين،
فسلاسل النور والظلمة والحق والباطل والإيمان والكفر تبقى مختلفة، يسعى كل منهما
إلى القضاء على الآخر، ويستحيل استتباب الأمن والسلام ما بقي الكفر والشرك، فإن
تمنيتم أن يسود الأمن والسلام ربوع الأرض فعليكم الاستعداد لمحاربة المشركين
للأبد، حتى يتم تطبيق شرع الله، وحتى لا يتجرأ أحد على تقبيحه أو تنقيصه، وتزول
الفتن كلها، وتقام حكومات الإسلام في العالم كله، وتعيش شعوب العالم والأديان في
ظله بأمن ورخاء، فهذا هو: {حتى تضع الحرب أوزارها} أي مادامت الحرب قائمة لا يجوز
للمسلمين القعود عنها، وهذا هو قوله: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}، وفيه
كان قوله ·:
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا
الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.
لم يأت الإسلام لإراقة الدماء وذبح الناس، بل
جاء لنشر شرع الله وليستتب الأمن والاستقرار في الأرض، فكلما امتنع الكفار عن
مخالفة الإسلام، وسادت تعاليم الإسلام في العالم، وتم الاعتراف بضوابط الإسلام على
أنها أسمى دستور على وجه الأرض، جاز للمسلمين وضع السيوف في أغمادها، ثم لا يخفى
على الله ما يفعلونه بعدها، فإن عادوا إلى التمرد كفى الله المؤمنين القتال، وسوف
ينصرهم عليهم، لذلك اجعلوا إعلاء كلمة الله أقصى غاياتكم وأهدافكم، ولا تهتموا
بالغنائم كثيراً. (تفسير الفرقان)
6- تفسير جامع للآية:
معنى الآية : قاتلوهم حتى لا يقدروا على إعاقة
طريق الإيمان، أو يشكلوا تهديدا للدين الحق، يشهد لذلك التاريخ، كلما تحقق النصر
للكفار شكّل تهديداً لإيمان المسلمين ودينهم، وخير شاهد عليه ما حصل على أرض
الأندلس من قتل وإبادة وارتداد عن الدين بعدما تغلب النصارى على المسلمين. وعلى كل
حال فمن أهم مقاصد الجهاد إمكانية أداء شعائر الإسلام في أجواء آمنة بحيث لا يتعرض
إيمان المسلم وعقيدته للتهديد بيد الكفار والمشركين، وهذا هو تفسير الفتنة المنقول
عن ابن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في كتب الحديث. {ويكون الدين كله لله}
وهذا من مقاصده الأخيرة، بأن يتم القضاء على قوة الكفر وشوكته، ويكون الحكم لله،
ويتغلب دين الحق على الأديان كلها. {ليُظهره على الدين كله} سواء أكان ذلك حال
بقاء الديانات الباطلة، كما وقع ذلك في عهود الخلفاء الراشدين، أو بالقضاء على
جميع الأديان الباطلة، كما سيكون عند نزول المسيح عليه السلام.
والحاصل أن الجهاد بنوعيه الهجومي والدفاعي
مشروع ما لم يتحقق الغرضان المذكوران، لذلك قال النبي ·: «الجهاد ماض إلى يوم
القيامة». ويمكن مراجعة كتب الفقه لمعرفة أحكام الجهاد وشروطه. ثم قال: {فإن
انتهوا} أي كل من امتنع عن الفساد والكفر في الظاهر من المشركين فلا قتال معه،
ويفوّض باطنه إلى الله سبحانه وتعالى، لأنهم لا يغيبون عنه، ولا يكلّف المسلمون
إلا بالظاهر. (التفسير العثماني)
7- حكم الجهاد باق إلى يوم
القيامة:
ملخّص هذا التفسير أنه يجب على المسلمين محاربة
أعداء الإسلام حتى لا يشكلّوا فتنة وتهديدا للمسلمين، وينتصر الإسلام على كافة
الأديان، وهذا لا يتحقق إلا قرب الساعة، لذلك اُمروا بالجهاد إلى يوم القيامة.
(معارف القرآن)
لقد ساعدت ما ذكرنا أعلاه من العبارات على
توضيح نواحي عدة من الآية الكريمة، وفيما يلي لاحظوا الإحالات إلى بعض المراجع
العربية:
1- سبقت عبارة القرطبي هذه عند تفسير الآية 193
من سورة البقرة: «وقاتلوهم أمر بقتال كل مشرك في كل موضع». (القرطبي، سورة البقرة،
الآية 193).
2- قال الإمام الرازي رحمه الله: إن كان معنى
قوله: {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة} هو: «قاتلوهم لأجل أن يحصل هذه المعنى» فالآية
تتعلق بجزيرة العرب. وإن كان معناها: «قاتلوهم لغرض أن يحصل هذا المعنى» ففيها أمر
بقتال كفار العالم كلهم. (التفسير الكبير)
3- قال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله:
وقوله تعالى: {ويكون الدين كله لله} يدل على
وجوب قتال سائر أصناف الكفر.
ثم كتب حول لفظ «الفتنة» في الآية:
«قال ابن عباس والحسن: حتى لا يكون شرك. وقال
محمد بن إسحاق: حتى لا يفتتن مؤمن عن دينه، والفتنة ههنا جائز ان يريد بها الكفر،
وجائز ان يريد بها البغي والفساد، لأن الكفر إنما سمّي فتنة لما فيه من الفساد،
فتنظم الآية قتال الكفار وأهل البغي وأهل العيث والفساد، وهي تدل على وجوب قتال
الفئة الباغية». (أحكام القرآن)
4- وقال الإمام الآلوسي رحمه الله:
«قيل: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، وسيتحقق
مضمونها إذا ظهر المهدي، فإنه لا يبقى على ظهر الأرض مشرك أصلا على ما روى عن أبي
عبيد». (روح المعاني)
نكتة مهمة:
نُقل النوعين من التفاسير عن الصحابة، و مسألة
الجهاد بصفة عامة مبسوطة في مئات صفحات القرن الكريم، إذا قرأنا الآية التي قبلها،
اتضح لنا معنى الفتنة هنا، وهو كون الكافرين بوضع وقوة تمكّنانهم من منع الناس عن
الإسلام أو على إيذائهم، هذا هو معنى الفتنة، كلما استخدموا قوتهم العسكرية
والاقتصادية ضد الإسلام والمسلمين، تحققت الفتنة، والمسلمون لا يقضون عليها إلا
بالجهاد في سبيل الله، فالإسلام لم يأت للجزيرة العربية، إنما جاء للعالم كله، كما
اتضح ذلك بالعبارات السابقة. والله أعلم بالصواب
فائدة:
يسخر الكفار جميع إمكانياتهم المادية والمعنوية
لمنع المسلمين عن دينهم، ويتآمرون ضد قياداتهم، كما يدبرون الحيل ضد القرآن
وتعاليمه، يقيمون حلفاء لمحاربتهم، ويخوضون حربا ثقافية لمنعهم عن الذكر والصلاة،
يستخدمون أموالهم لمحاربة الإسلام والمسلمين، فمقدرة الكفار على كل هذه هي الفتنة،
لأنهم بها يضلون المسلمين ويضعفونهم، ويمنعون من تطبيق الشريعة الإسلامية والنظُم
القرآنية على العالم، والضعفاء من المسلمين إذا شاهدوا قوتهم وشوكتهم وبرقهم
الظاهري، رغبوا فيهم وضلّوا.
فالفتنة هي كون الكفار بحال يتمتعون فيها
بالقوة والشوكة، وقد أمر الله تعالى بكسر هذه الشوكة بالقتال في سبيل الله، وخير
مثال عليه غزوة بدر التي سبق ذكرها، فالمشركون بمكة كانوا أقوياء، ظلموا المسلمين
وآذوهم، وأجبروا بعضهم على نطق كلمة الكفر، ومنعوا بعضهم عن دينه، كما دبّروا لقتل
النبي · بفضل هذه القوة، وأجبروا المسلمين على الهجرة، وأدخلوا بعض الضعفاء من
المسلمين بالتهديد بالقتل وبالإغراء بالأموال في صفوفهم، وكانوا بفضل هذه القوة
يمنعون المسلمين من المسجد الحرام، ويقومون فيها بأفعال قبيحة، وفوجئ المسلمون
بالأمر بالقتال، فباتت تندحر قوة المشركين هذه التي كانت تخلق الفتن، حتى زال اسم
الشرك من الجزيرة العربية. وفي ضوء هذا المثال أراد الله تعالى تعليم المسلمين هذه
النكتة، وكل من تعلّمها ووعاها استطاع أن يملأ الأرض بنور الإسلام بعد أن كانت قد
امتلأت بالظلم والجور، ومن لم يعيها حُرم من الجهاد وثواب إعلاء كلمة الله، ومن
هنا نقول: هذه الآية تُشير إلى نصاب تقدم المسلمين وتراجعهم، فهم إن عملوا بقوله:
{قاتلوهم} تحطمت الفتنة وضعفت، وتغلب دين الله على الأديان كلها، وإن تركوا العمل
بقوله: {قاتلوهم} فإن الفتنة تُلاحقهم في جميع الميادين وتُؤذيهم وتتغلب عليهم،
يجب على المسلمين أن يعلموا أن الإسلام إنما جاء للتنفيذ والغلبة، لذلك لا يكتفي
أحد على أن المشركين لا يمنعوننا عن الإسلام والصلاة. (والله أعلم بالصواب)
