بسم الله الرحمن الرحيم
{اِنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا
بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون}.
ملخص معاني الآية:
اخرجوا للجهاد إذا استُنفر له، سواء كنتم في
حالة اليسر أو العسر، اُخرجوا في الأحوال كلها، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم
وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
الأقوال ومراجعها
حاجاتكم الشخصية لا تعرقل طريق
الجهاد:
الواجب على المسلم الخروج للجهاد كلما سمع الاستنفار،
مهما كانت الظروف، ويقدّم ما يملكه من الغالي والنفيس لأجله، فلا يعيق الإفلاس
طريقه ولا الثراء، لا الظروف الشخصية ولا الاجتماعية، لا شبابه ولا هرمه، سواء كان
رجالا أو ركبانا، وباختصار عليه الاستعداد للجهاد في جميع الأوقات بغضّ النظر عن
مصالحه الشخصية. (التفسير الفرقان)
إن أردتم أن يُكتب لكم شرف نصر الدين المتين،
فاخرجوا كلّما سمعتم الاستنفار، قل العتاد أو كثر. (حاشية اللاهوري)
خفافا وثقالا:
وردت كلمتا «خفافا» و «ثقالا» في الآية، وقد
اختلفوا في المراد منها.
قال الرازي:
{انفروا خفافا وثقالاً} : والمراد انفروا سواء
كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو الصفة التي يثقل. (التفسير الكبير)
وفي التفسير الماجدي:
خفافا وثقالا كلمتان متقابلتان، وقد وردت لهما
تفاسير مختلفة ومتنوعة، كاليسر والعسر، والشاب العدّاء والهرم البطيء، النافع
والمهمل، مع العتاد وبدونه، بطيب خاطر وبدونه.
أي شيبا وشبانا (ابن جرير عن الحسن) أي أغنياء
ومساكين (ابن جرير عن قتادة) أي مشاغيل وغير مشاغيل (ابن جرير عن الحاكم) أي نشاطا
وغير نشاط (ابن جرير عن ابن عباس وقتادة).
والغرض منه توجيه الأمر بالجهاد، في أي حال
كان، اخرجوا له، وقد حسم ابن جرير النزاع عقب سرده أقوال أهل العلم بقوله: المراد
من الخفاف كل من كان قويا صحيحا شابا موسرا متفرغا، متمتعا باليسر بأي نوع كان.
والثقال المراد منه كل من كان عكس ما ذكرنا في الخفاف من الأحوال والظروف. وقد كتب
ابن كثير ما يقاربه، فقال: حتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط
والمكره والعسر واليسر. (ابن كثير، وتفسير الماجدي)
وفي التفسير المظهري:
وردت تفاسير عديدة لكلمة «خفافا وثقالا» :
(1) شبابا كانوا أو شيوخا. (الحسن، الضحاك،
مجاهد، قتادة، عكرمة)
(2) سريعا أو بطيئا.
(3) موسرا أو معسرا.
(4) رجالا أو ركبانا. (عطية العوفي)
(5) قل العتاد أو كثر. (ابن عباس)
(6) تمتلكون العقارات أو لا تمتلكونها، والتي
يشق عليكم فراقها. (ابن زيد)
(7) متفرغون عن العمل أو مشغولون فيه.
(8) صحيحا أو مريضا. (الهمداني)
(9) عُزّابا أو متزوجين.
(10) مع الخدم والحشم أو بدونهم. (اليماني)
(11) أثرياء أو فقراء. (أبو صالح)
(12) قيل: المراد منه الخروج للجهاد فور سماع
الاستنفار بدون أي تردّد وتأمل، أو مع التأمّل والاستعداد. روى الزهري أن سعيد بن
المسيّب خرج للجهاد في سبيل الله و إحدى عينيه تشتكي، وتكاد تضيع، فقيل له: ألستَ
مريضاً تشتكي عينك؟ فقال: لقد قال الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} والتنفير
عام، كثّرتُ سواد المسلمين إن عجزتُ عن قتال العدو، أحرس متاعهم. (التفسير
المظهري)
ومثله سرد القرطبي عدة أقوال، لاحظوا فيما يلي
نص ما كتبه:
وفيه عشرة أقوال: الأول: يذكر عن ابن عباس فانفروا
ثبات أو سرايا متفرقين. الثاني: روي عن ابن عباس أيضاً وقتادة: نشاطا وغير
نشاط. الثالث: الخفيف: الغني والثقيل الفقير، قاله مجاهد. الرابع: الخفيف: الشاب،
والثقيل: الشيخ، قاله الحسن. الخامس: مشاغيل وغير مشاغيل، قاله زيد بن علي والحكم
بن عتيبة. السادس: الثقيل: الذي له عيال، و الخفيف الذي لا عيال له، قاله ابن زيد.
الثامن: الخفاف: الرجال، والثقال: الفرسان، قاله الأوزاعي. التاسع: الخفاف: الذين
يسبقون إلى الحرب كالطليعة وهو مقدم الجيش، والثقال: الجيش بأسره. العاشر: الخفيف
: الشجاع، والثقيل: الجبان. حكاه النقاش، والصحيح في معنى الآية أن الناس اُمروا
جملة، أي انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت.
فيه من الأقوال ما سبق نقلها عن التفسير
المظهري، مع اختلاف في بعضها، وهي:
(1) خفافا: سرايا متفرقين، وثقالا: الجيش
بأسره.
(2) الخفيف: الشجاع، والثقال: الجبان.
(3) خفافا: أي الطليعة ومقدم الجيش، وثقالا: أي
الجيش بأكمله.
وقال القرطبي بعد سرد الأقوال:
والمعنى الصحيح للآية أن فيها أمر الجميع
بالخروج للجهاد في سبيل الله، سواء خفّ عليهم الخروج أو شقّ. (القرطبي)
فائدة:
قال بعض أهل العلم: عموم معنى الآية قد نُسخ،
نسخها قوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} وغيره، إلا أن القرطي وغيره
من أهل العلم رفض ذلك، وقالوا: إنها آية محكمة لم ينسخ شيء، وأن علاقتها بحالة
الاستنفار العام إذا صار الجهاد فرضاً على الأعيان.
كأن يهاجم العدو على بلد، ويحتلوه، أو استنفار
عام من جهة أمير المؤمنين، ويجب على الأمير إرسال جيش لقتال المشركين على الأقل
مرة من كل عام.. لاحظوا تفسير القرطبي للتفاصيل.
بعض الحوادث:
لقد استدل بهذه الآية صحابة رسول الله · بعد
وفاته، وفيه دليل على عدم نسخها، وقد حاربوا الأعداء في الظروف الصعبة استنادا إلى
هذه الآية، أشار القرطبي إلى بعض تلك الوقائع في تفسيره، حيث قال:
والصحيح أنها ليست بمنسوخة، روي عن ابن عباس عن
أبي طلحة في قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} قال شبانا وكهولا الخ.
ثم خرج أبو طلحة نحو الشام، وجاهد في سبيل الله
حتى آخر لحظة من حياته. وروي عن أنس أن أبا طلحة تلا سورة التوبة حتى وصل إلى قوله
تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} فقال: يا أبنائي! أعدّوا جهازي للغزو، أعدّوا جهازي
للغزو، فقالوا: رحمك الله، ألم تجاهد مع رسول الله · حتى فارق الدنيا، ثم جاهدت مع
أبي بكر حتى فارق الدنيا، ثم جاهدت مع عمر حتى فارق الدنيا، والآن نحن نجاهد عنك، (وأنت
تتقاعد عنه) قال: لا، أعدّوا جهازي، ثم شهد غزو البحر، ومات فيه، فما وجدوا أرضا
ليدفنوه فيها، وبقيت جثته معهم سبعة أيام، ولم تفسد، ثم وصلوا إلى جزيرة فدفنوه
فيها. رضي الله عنه
وروى الطبري بسنده أن رجلا رأى المقداد بن
الأسود قاعداً على صندوق لصرّاف بحمص في الشام، لا يستوعبه الصندوق لبدانته، وكان
يستعد للغزو، فقالوا: لقد عذّرك الله، فقال: لقد نزلت السورة التي تكشف أحوال
المنافقين: {انفروا خفافا وثقالا} (القرطبي).
سؤال:
قال القرطبي: فإن امتنع الناس كلهم عن الجهاد
في سبيل الله إلا واحدا منعهم، فما الحيلة له؟ أجاب عنه فقال: يحرّر أسيراً مسلماً
بالفدية، أو يجاهد بنفسه إن قدر عليه، أو يحمل زاد المجاهدين ويبلغه إليهم.
(القرطبي)
وباختصار، يسعى إلى الجهاد في سبيل الله بأي
شكل من الأشكال.
مسألة:
وفي التفسير الماجدي:
استنبط الفقهاء مسألة من قوله تعالى: {انفروا
خفافا وثقالا} فقالوا: الجهاد لا يسقط بعد وجوبه، سواء تفسق الإمام والجنود أو لم
يتفسّقوا.
«فإن قيل: هل يجوز الجهاد مع الفساق؟ قيل له أن
كل أحد من المجاهدين فإنما يقوم بغرض نفسه، فجائز له أن يجاهد الكفار، وإن كان
أمير الجيش وجنوده فساقا. (الجصاص)
{ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}
أي لاشك أن بالجهاد يسعد المرء في آخرته ويفوز
بنعيمه، لكنه يسعد في ديناه أيضاً، بالفتح والغنيمة والمال والعزة والشهامة
وغيرها.
قال الإمام الرازي رحمه الله تعالى: لم يقل
الله تعالى {إن كنتم تعلمون} إلا للإشارة إلى أن منافع الجهاد لا يدركها إلا من
قوي إيمانه باليوم الآخر وثوابه وعقابه.
