{سورة التوبة مدنية، الآية : 42}

بسم الله الرحمن الرحيم

{لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعُدت عليهم الشقة، وسيحفلون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يُهلكون أنفسهم، والله يَعلمُ إنهم لكاذبون}.

ملخص معاني الآية:

المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله · في غزوة تبوك كان بسبب حبهم للدنيا، فقد اتخذوا الدنيا غايتهم، وجعلوا الآخرة وراء ظهورهم، لا يتحملون لها تعبا ولا مشقة ولا يضحون لها، آمنوا في الظاهر للمكاسب الدنيوية، فلمّا استُنفروا لغزوة تبوك ما رأوا فيها مصلحة ظاهرة من مصالح الدنيا، بل رأوا أن فيها خسارة لهم، لأن السفر كان طويلا وشاقا، ولا أمل للغنائم، لأنهم كانوا يزعمون الروم أقوياء لا ينهزمون، فرفضوا الخروج مع رسول الله ·، لو كان السفر قريبا، وتيقنوا من حصول الغنائم، لخرجوا، ليكسبوا المال، وليبقى نقافهم مستورا، ظنوا أن الرسول وأصحابه لن يعودوا إلى المدينة من تبوك، لكنه لمّا رجع منصورا وغالباً، وهابت الحكومات الكافرة المسلمين، لحقهم العار والندامة. وبعد عودتكم إلى المدينة يأتون إلى رسول الله · للاعتذار، قال الله تعالى: وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يُهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون فيما يحلفون، وأنهم كانوا يستطيعون، لكنهم ما خرجوا لنفاقهم وشركهم.

موضوع الآية:

(1) قال اللاهوري:
ما من رجل يدعي الإسلام ثم يخاف من الخروج للجهاد بعد النفير العام، إلا وأهلك نفسه. (حاشية اللاهوري)
أي موضوع الآية هو أن ترك الجهاد يستلزم التهلكة.
وقال القرطبي:
لمّا رجع النبي · من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم. (القرطبي)
أي في الآية المباركة وعيد شديد للمنافقين، وفيها ورد بيان أحوالهم وأفكارهم. قال صاحب أنوار البيان:
ثم ذكر أحوال أولئك المنافقين الذين لم يخرجوا مع المجاهدين، قال فيهم: إنهم طلاب الدنيا، لو عرفوا أن هناك متاعا قريبا من متاع الدنيا، أوكان السفر خفيفا ليس فيه شيء من المتاعب، لخرجوا مع المجاهدين، وحافظوا على إسلامهم الظاهري، وبقيت آمالهم معلقة بالمنافع الظاهرة التي لأجلها أشهروا الإسلام، لكنهم لمّا تأمّلوا في السفر وجدوا أنه طويل وشاق، فظهر نفاقهم، واستقر رأيهم على عدم الخروج، فتخلفوا عنه. عادةً يتحمل المنافقون المتاعب القليلة، لكن المتاعب الكثيرة تشكف عن نفاقهم. (أنوار البيان)
وفي التفسير الفرقان:
إلى هنا كان بيانا لتلك المشاكل التي تعرقل الطريق قبل البدء في الجهاد، ومن هنا بدأ تلك الأمور التي تظهر أثناء القتال. (التفسير الفرقان)

المنافقون هابوا قوة الروم النصارى:

قال الإمام الرازي:
فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم، فلهذا السبب تخلفوا. (التفسير الكبير)
ومن أهم أمراض المنافقين أنهم يخافون الكافرين، ولا تتركز أنظارهم على قوة الله ونصره.

اسم غزوة تبوك:

ذكر أهل السير عدة أسماء لغزوة تبوك، ومنها «الغزوة الفاضحة» وقال مؤلف السيرة الحلبية: «قد تُطلق على هذه الغزوة اسم العسيرة، (لعسر المسلمين وضعف إمكانياتهم المادية) كما يقال لها الفاضحة، وهي ما كشفت الأسرار، والفضيحة هي الذلة والندامة، فقد كشف الله تعالى أحوال كثير من المنافقين فيها، (وكانوا قد أخفوا نفاقهم، وقاموا بأعمال معادية للمسلمين في السر). (السيرة الحلبية)
وابتدأ الآن بيان فضائح المنافقين، وهو من أهم موضوعات سورة البراءة.

عبارة مليئة بالألم والحزن:

«تحالف النصارى اليوم للقضاء على الوجود الإسلامي، يتعرض المسلمون للهجوم من الأطراف كافة، يحتل النصارى دولهم وبلادهم، وهم للأسف الشديد يسعون إلى الابتعاد عن واجب الدفاع في هذه الظروف المحدقة، فقبل كل شيء يبحثون عن التطمينات بشأن الانتصار، يتفكرون حول النهاية والنتيجة، ويعتبرون ذلك مخالفا للعقل والمنطق، ثانيا : يتمنون أن يكون السفر قريبا، لا يتعبون له، وتتحقق الغاية بكل راحة. ولاشك أنهما من المهملات، إذ لا ترد مثل هذه الأفكار إلا في قلب خال عن حب الشعب والوطن، يريدون إرضاء المسلمين بالكلمات المعسولة، يحلفون لهم يقولون لو استطعنا لخرجنا معكم، والواقع لم يكن يحق لهم استثناء أنفسهم منه، وكان واجبهم هو الاستعداد، وسوف يعاقبون على تخلفهم عن واجبهم، فهم إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الإسلام شيئا. (التفسير الفرقان)

ثلاثة أسباب الهلاك:

قال الله تعالى بشأن المنافقين: {يُهلكون أنفسهم} أشار أهل العلم إلى ثلاثة أسبابه: (1) النفاق (2) التخلف عن فريضة الجهاد (3) الحلف الكاذب.
وقد اجتمعت في هؤلاء الأشقياء الأسباب الثلاثة رغم كفاية الواحدة منها للهلاك. قال العلامة أبو حيان:
والمعنى: إنهم يوقعونها في الهلاك، بحلفهم الكاذب وما يحلفون عليه من التخلف (البحر المحيط).
وقال القرطبي: يُهلكون أنفسهم، أي بالكذب والنفاق. (القرطبي)

�ير القرطبي.

المؤمن ينتظر الجهاد بفارغ الصبر:

ذكر الآلوسي تحت هذه الآية الكريمة الحديث الذي جاء فيه أن المؤمن يظل في انتظار الجهاد، يسمع النداء فيطير إليه، يطلب الموت في سبيل الله. (روح المعاني)