بسم الله الرحمن الرحيم
{عفا الله عنك لِمَ أذنتَ لهم حتى
يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}.
ملخص معاني الآية:
لقد قرّر المنافقون أنهم لا يشاركون في غزوة
تبوك، لكنهم جاءوا إليك ليستأذنوك بحيل واهية، يظنون أن إذنك يستر نفاقهم، ويقدرون
على البقاء في المنازل، وقد قرّروا أنهم لا يخرجون، سواء أذنت لهم أم لم تأذن. فلما
جاءوا للاستئذان أذن لهم الرسول ·، فقال الله تعالى: {عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم}
أي كان منعهم أفضل من إذنهم لكي يتبين لك كذبهم من صدقهم.
عبارة جامعة:
وأفضل خلاصة لما كتبه أهل العلم حول هذه الآية
هو ما كتبه العلامة العثماني فيما يلي:
«إذا جاء المنافقون للاعتذار عن القعود من
الجهاد، غضّ النبي · عن كيدهم ونفاقهم، وأذن لهم بالقعود درءً للفتنة التي
يخلقونها إن خرجوا مع المسلمين، فقال الله تعالى: لو لم تأذن لهم لكان خيراً، حتى
يتبيّن لك أن امتناعهم عن الغزو غير مقيد بإذنك، فهم لا يوفّقون للمشاركة في
الجهاد، لكن عند منعهم تبيّن لك كذبهم، فإذنهم لم يكن ذنبا، لكن كان الأولى في
الظروف الحالية عدم الإذن، وللتعبير عن هذا الوجه الأفضل ابتدأ الله تعالى الكلام
بلفظ {عفا الله عنك} وكلمة العفو لا تدل على الإثم في الأحوال كلها، والبعض قالوا:
أراد بلفظ {عفا الله عنك} الدعاء والتعظيم، كما كان ذلك معروفا في محاورات العرب،
لكن المروي عن السلف هو ما أسلفناه الآن. يؤيده لفظ {لِـمَ أذنتَ لهم}. والله أعلم
(التفسير العثماني بتسهيل)
وفي التفسير الماجدي:
{لِـمَ أذنتَ لهم} أي في القعود عن القتال وعدم
الخروج له، وهذا الإذن لم يكن معصية، لكن الأولَى كان المنع رعاية للظروف المحيطة،
وكلمة العفو في {عفا الله عنك} لا تدل على صدور الإثم، لأن العفو كما أنه يجري على
الإثم والجريمة كذلك يجري على إتيان ما هو مخالف للأفضل والأولى. (التفسير
الماجدي)
والغضب الحقيقي على المنافقين:
وبالتأمل في الآية الكريمة يتضح لنا أن الغضب
الحقيقي يصب على المنافقين، وفي ثنايا الغضب والعتاب ذكر حبيبه المصطفى مع غاية
اللُطف والمحبة، أن توفير الغطاء الموقت بالإذن لم يكن من الأولَى والأفضل. قال
صاحب التفسير الماجدي:
معنى الآية أن المنافقين حصل لهم بعض الاطمئنان
بعدما أذن لهم النبي · بالقعود في بيوتهم، ولو لم يأذن لهم لما حصل لهم ذلك، وظهر
خبثهم للجميع. (التفسير الماجدي)
العفو أولاً ثم التنبيه:
قال مفسر القرآن الكريم العلامة ابن كثير رحمه
الله:
عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟
نداء بالعفو قبل المعاتبة فقال: {عفا الله عنك لم أذنتَ لهم}. (تفسير ابن كثير)
