بسم الله الرحمن الرحيم
{لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله
واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والله عليم بالمتقين}.
ملخص معاني الآية:
الجهاد من أحد أفضل الوسائل لإرضاء الله تعالى،
فهو العمل العظيم الذي يساعد في الفوز بسعادة الآخرة، وعلامة التقوى، لذلك لا
يستأذن بالقعود في المنازل أولئك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، بل يبالغ في
الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، والله عليم بالمتقين، وسوف يجازيهم حسب
أعمالهم.
الأقوال ومراجعها
التمييز بين المؤمن والمنافق:
قال الإمام الرازي رحمه الله: الغرض من هذه
الآية الكريمة الإشارة إلى التمييز بين المؤمن والمنافق، فالمؤمن سبّاق إلي الجهاد
إن استُنفر له، ولا يتردّدُ فيه، أما المنافق فيتردد، ويلجأ إلى حِيَلٍ واهية
للابتعاد عنه.
والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن
المنافقين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه، ولم يتوقفوا، والمنافقون
يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار. (التفسير الكبير)
تعامل الصحابة:
ليس من شعار المؤمنين أن يستأذنوك عند
الاستنفار للجهاد، لذلك قال المؤمنون الصادقون من المهاجرين والأنصار: لن نستأذن رسول
الله · بالقعود، بل نقاتل إلى جانب رسول الله · بأموالنا وأنفسنا».
ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن
يجاهدوا، وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي · أبداً أو
لنجاهدن أبداً معه بأموالنا وأنفسنا. (كشاف)
الجهاد من مقتضيات الإيمان:
تأمّلوا هذه الآية الكريمة، لاحظوا أن الله
تعالى أشار إلى آية المؤمنين أنهم لا يستأذنون للتخلف عن الجهاد، بل يتسابقون
إليه، فدلت على أن من كان مؤمنا بالله واليوم الآخر كان سبّاقا إلى الجهاد.
قال المفسر ابن كثير رحمه الله:
لأنهم يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه
بادروا وامتثلوا. (تفسير ابن كثير)
فإن قمنا بمقارنة هذه الآية بأعمال الصحابة
لوجدنا أنهم كانوا على ثلاث حالات:
(1) كانوا يتسابقون إلى الجهاد، ويخافون من أن
يُوقفوا عنه.
(2) ومن مُنع منهم من الجهاد، شقَّ عليه القعود
في البيت، كما وقع مع علي بن أبي طالب في غزوة تبوك مُنع منها، فقال: يا رسول الله
! أ أقعد مع النساء والأطفال في البيت؟ فطمّنه النبي ·. قال الإمام الرازي رحمه
الله: وكانوا بحيث لو أمرهم الرسول بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا ترى أن علي بن أبي
طالب لما أمره رسول الله · بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له
الرسول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. (التفسير الكبير)
(3) أما الذين لا يقدرون على الخروج لعذر
فكانوا مهمومين مغمومين، تفيض أعينهم من الدمع، كما تأتي في سورة التوبة... {تولوا
وأعينهم تفيض من الدمع حزنا}. (التوبة 92)
بعض العبارات الشيّقة:
كيف بإمكان أهل الإيمان التهرّب من الجهاد،
إنما هم يتسابقون إلى الامتثال لأمر الله. وقال المرشد التهانوي رحمه الله: لا
يسمع المؤمن الاستنفار إلى الجهاد إلا تسابق إليه، وهذه الحالة لا تنشأ إلا
بالرغبة، ومن هنا تحققت الرغبة. (التفسير الماجدي)
(2) المؤمنون لا يتهرّبون من الجهاد. (حاشية
اللاهوري)
(3) في هذه الآية أشار إلى قاعدة كلية، وهي أن
المؤمنين المخلصين لن يطلبوا استثناءهم من المشاركة في الجهاد، لأن من أكبر
أمانيهم أن يضحوا أغلى ما يملكون لله ... {إن صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله رب
العالمين}. (التفسير الفرقان)
(4) {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم
الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين} (بيان القرآن).
شهادة قرآنية على تقوى
المجاهدين:
قال الله تعالى في آخر الآية: {والله عليم
بالمتقين} قال أهل التفسير: فيها إشارة إلى أمرين، الأول: أن المجاهدين أتقياء.
والثاني: يعدهم الله تعالى بالأجر والثواب.
{والله عليم بالمتقين} شهادة لهم بالانتظام في
زمرة المتقين، وعدة لهم بأجزل الثواب. (كشاف، البحر المحيط)
في الجملة الأخيرة شهادة لهم بالتقوى، ووعد
(كناية) بالأجر. (التفسير المظهري)
ملاحظة:
قال أبو حيان: قيل: التقدير لا يستأذنك
المؤمنون في الخروج ولا القعود، كراهة أن يجاهدوا، بل إذا أمرت بشيء ابتدروا إليه،
وكان الاستئذان في ذلك الوقت علامة النفاق. (البحر المحيط).
وهذا الذي اختاره القرطبي. راجعوا تفسير
القرطبي.
