بسم
الله الرحمن الرحيم
{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ
لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله
وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير}.
ملخص معاني الآية:
أمر الله تعالى بالجهاد للقضاء على الفتن
ولغلبة الإسلام، ووعد بنصره وتأييده، والجهاد لا يخلو عن الغنائم، ولا يجوز
تقسيمها إلا بما يُرضي الله ورسوله، فالذي يُرضي الله تعالى هو تقسيمها على خمسة
أقسام، أربعة منها للمجاهدين، والخامس لله تعالى، وهذا الخامس يصرفه رسول الله ·
إلى المصارف الخمسة التالية نيابة عن ربه:
1- على ذاته · 2- على أقربائه من بني هاشم وبني
عبد المطلب 3- على اليتامى 4- على المحتاجين من المسلمين 5- على ابن السبيل
يا أيها المسلمون! إن كنتم تؤمنون بالله ونصره
الذي أنزله على عبده محمد · يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، فعليكم أن لا تقسموا
المغانم إلا بالوجه الذي ذكرناه، واعلموا أن الله على كل شيء قدير، قادر على نصركم
وتأييدكم فيما تأتي من الأيام.
كلام بركة:
قال الشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى:
أنزل الله نصره وفتحه على عبده، وبه انتصرتم
على أعدائكم، فالله قادر على أن ينصركم فيما تأتي من الأيام، أما الأموال التي
حصلتم عليها نتيجة الجهاد فهي غنائم، وخمسها نذر لله تعالى، يصرفه رسول الله · على
نفسه وذوي قرابته والفقراء من المسلمين، وبعده يصرفه زعيم المسلمين وأميرهم، أما
الأموال التي حصلتم عليها من الكفار مصالحةً فهي للمسلمين في بيت مالهم، أما الأقسام
الأربعة الباقية من المغانم فهي للمقاتلين، للراكب سهمان وللراجل سهم واحد. (موضح
القرآن)
بيان عثماني:
قال في أول السورة: {قل الأنفال لله والرسول}
وهنا ذكرها بشيء من التفصيل، فقال: ما حصلتم من الأموال بعد القتال مع الكفار
فخمسه لله، يستلمه النبي · نيابة عن ربه ويصرفه إلى جهات خمسة: 1- على نفسه 2- على
ذوي قرابته من بني هاشم وبني عبد المطلب الذين نصروه في أول الإسلام وآزروه إما
للإسلام وإما للقرابة، ومنعوا من أموال الزكاة 3- على اليتامى 4- على ذوي الحاجة
من المسلمين 5- على ابن السبيل.
وأما أربعة أخماس الباقية فهي للمقاتلين،
للراكب سهمان وللراجل سهم واحد. وبعد وفاة النبي · لم تبق من مصارف الخمس إلا الثلاثة
الأخيرة، لأن بعد وفاته · لا إنفاق عليه، وكذلك ذووا قرابته لا يحصلون على قديم
نصرهم للنبي ·، أما نصيب الفقراء والمحتاجين فيقدّم فيه ذووا قرابة رسول الله ·
على غيرهم. وقال بعض أهل العلم: يجوز للأمير أخذ خمس الخمس الذي كان يأخذه النبي ·.
والله أعلم
في بعض الروايات أن النبي · كان يخص بعضاً من
خمس الخمس للكعبة المشرفة، فقال بعض أهل العلم: يخص للمساجد بدلاً من الكعبة إن
كانت الكعبة تبعد عنهم. وأراد بيوم الفرقان «يوم بدر»، الذي فرّق بين الحق
والباطل، فيه نصر الله أكمل عباده، وأمدهم بالملائكة، وأنزل عليهم السكينة، فالذين
آمنوا بالله ونصرهم من الغيب، لا يصعب عليهم تخصيص الخمس من المغانم لله تعالى.
(التفسير العثماني)
فائدة:
جميع ما ذكره المفسرون في التفاسير العربية،
لخصناها في العبارتين التاليتين، والآن لاحظوا بقية أحكامها وفوائدها.
ربط الآية:
قال الإمام أبو حيّان رحمه الله تعالى:
«ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما أمر
تعالى بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة، اقتضى ذلك وقائع وحروباً، فذكر بعض أحكام
الغنائم».
ثم قال الكلمة الضافية التالية:
«وكان
في ذلك تبشير للمؤمنين بغلبتهم للكفار». (البحر المحيط)
ومن هنا عرفنا أن الآية مرتبطة بآية {وقاتلوهم
حتى لا تكون فتنة} يؤيده ما كتبه العلامة التهانوي رحمه الله تعالى:
في الآية السابقة {وقاتلوهم} كان الأمر
بالقتال، والقتال لا يخلو عن غنيمة عادة، لذلك بدأ الآن بذكر أحكامها. (بيان
القرآن)
وكذلك الإمام الرازي ربط هذه الآية بآية
{وقاتلوهم} وبالتأمل في هذا الارتباط تظهر لنا أمور مهمة:
إن حكم تقسيم المغانم هذا باق إلى يوم القيامة،
فعلمنا أن الأمر بالقتال في {وقاتلوهم} مستمر إلى يوم القيامة. ففي قوله
{وقاتلوهم} أمر بقتال طويل إلى أن يتم القضاء على الفتنة ويتغلب الإسلام على
الأديان كلها، ولا يتم ذلك إلا عند قرب الساعة، والسؤال هنا هو من أين يتوفر
السلاح لهذا القتال الطويل؟ فأراد ببيان المغانم تطمين المؤمنين أن الله سبحانه
وتعالى سيهبهم أموال الكفار ودولهم وحكوماتهم، التي تُيسّر عملية استمرار الجهاد.
في قوله {وقاتلوهم} أمرهم بالقتال حتى يتم
القضاء على الفتنة، والواقع أن المال أكبر فتنة لهذه الأمة، والمسلمون يقعون في
الفتنة بعدما يحصلون على الأموال بالجهاد، ولمنعهم من الوقوع في الفتنة بيّن قانون
تقسيم الأموال، وأشار إلى أنكم إن قسّمتموها وفق ما بيّنه الله تعالى لكم فإنكم لا
تقعون في الفتنة، لذلك يلزمكم قبول هذا التقسيم تجنّبا عن الفتنة، فإذا حصلت لكم
المغانم فاجعلوا خمسه لله، ثم قسّموا الباقي كما ذكر الله لكم.
آية {وقاتلوهم} توجب الجهاد على المؤمنين،
والمسلم إذا خرج للجهاد فمن أين يأكل هو وأهله؟ وكل شخص له حاجاته وحاجات أهله
وعياله، لذلك أعقب تقسيم المغانم بعد الأمر بالقتال، وأشار إلى أن الله سوف يمنحهم
هذا المال الطاهر الطيب، ويقضي به حاجاتهم، كما جاء في بعض الروايات عن ابن عمر عن
النبي صلى الله عليه وسلم جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على
من خالف أمري.
في قوله {وقاتلوهم} أمر بتحطيم قوة الكفار
وشوكتهم، وقبلها أشار إلى قوة المشركين وشوكتهم بفضل أموالهم، وأنهم يحاربون
الإسلام والمسلمين بإنفاق أموالهم، ويقيمون أحلافا، ومن هنا عرفنا أن بقاء أموال
كثيرة بيد الكفار أشد خطراً على الناس من الموت، فبعد قوله {وقاتلوهم} ذكر تقسيم
المغانم وأشار إلى أن بفضل جهادكم تتحطم قوة المشركين المالية، وأن أموالهم التي
كانوا ينفقونها لإضلال الناس وتدميرهم ستتحول إلى مغانم، وتصرف إلى الفقراء
والمساكين واليتامى، كما تؤدي إلى تقوية دعائم الخلافة الإسلامية وتوطيد الحركات
الجهادية، ففيها بشارة وترغيب إلى أنه يجب على المسلمين العمل لمنع تقوية قوة
المشركين المالية، أي لا يسمحوا لسموم الأفاعي وأسنانه بأن تزداد وتتحسن. (والله
أعلم بالصواب)
2- ويمكن أن تكون هذه الآية مرتبطة بأول آية من
سورة الأنفال وهي {قل الأنفال لله والرسول} وأن هذه الآية تفصيل وبيان لها، وهذا
الذي اختاره صاحب التفسير العثماني أثناء تفسير الآية.
وكما قال التهانوي رحمه الله تعالى:
وإن كان نزول هذه الآيات في غزوة بدر كما قال
أكثر المفسرين، فهذه الآية تفصيل للآية الأولى من سورة الأنفال من وجه، وهي: {قل
الأنفال لله والرسول}. (بيان القرآن)
وقال أبو حيان رحمه الله:
قال الكلبي نزلت ببدر، وقال الواقدي: كان الخمس
في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من
الهجرة. (البحر المحيط)
فالسؤال الآن: هل هذه الآية ناسخة لآية {قل
الأنفال لله والرسول} أم لا؟ ذكر القرطبي القولين، ويُعلم من عبارات أهل العلم في
ديارنا أن الأرجح عدم نسخها، بل لمّا اختلف صحابة رسول الله · في مغانم بدر، أنزل
الله تعالى هذه الآية ليبتعدوا عن حب المال ويحذروا من النزاع فيما بينهم، وأكّد
أن ما غنموا من الأموال فهي لله ولرسوله، فلا يصلح لكم أن تبدوا آراءكم فيها، وتتنازعوا
فيما بينكم، بل الله ورسوله يحكم فيها كيف يشاء، فبعد نزول الآية صلحت قلوبهم، ولم
يتعمقوا في المغانم، وعادوا للجهاد غير طامعين في المغانم، فأنزل الله تعالى هذه
الآية، وأعاد إليهم أربع حصص الغنائم، وجعله قانونا يعمل به إلى يوم القيامة،
فكأنّ الآية الأولى تحمل حكما مختصرا أن تقسيم الغنائم يكون بأمر الله تعالى، و
هذه الآية تذكر تفصيله. (والله أعلم بالصواب)
معنى الغنيمة في اللغة
والاصطلاح:
الغنيمة في اللغة: الفوز بالشيء. (التفسير
الكبير)
قال القرطبي رحمه الله:
الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة
بسعي.
وفي الشريعة: مال الكفار إذا ظفر به المسلمون
على وجه الغلبة والقهر. (القرطبي)
والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين
من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب. (التفسير الكبير)
أما الفييء فما يحصل عليه المسلمون بدون قتال،
إما باستسلام المشركين أو بالصلح.
معاني بعض الكلمات:
{واعلموا أنَّما} «ما» فيها بمعنى «الذي» وصلته
«غنمتم» والضمير محذوف فيه، تقديره: واعلموا أن الذي غنمتموه. (المدارك)
{من شيء} «من» بيانية، والتنوين للإشارة إلى
العموم أن ما من شيء غنمتموه سواء كان أصغر من الإبرة والخيط.
{من شيء} بيانه قيل حتى الخيط والمخيط.
(المدارك)
وقد استثنى الفقهاء استعمال بعض الأشياء أثناء
القتال في ضوء الأحاديث الصحيحة، كالمأكولات والمشروبات والسلاح.
{فاَنَّ لله خمسه} صرّح فقهاء الحنفية أن اسم
الله ذُكر في أول مصارف الخمس للبركة، لأن كل ما في الدنيا ملك لله تعالى، ذكره
تعالى للتبرك باسمه في ابتداء الكلام إذ الكل لله. (الدرالمختار). (التفسير
الماجدي)
يجب على المسلم إذا انتصر على الأعداء وحصل على
مغانم أن يتذكر الله تعالى قبل كل شيء، الذي لأجله قاتل، وبنصره تحقق النصر له،
لذلك كان ابتداء المصارف باسم الله تعالى، بأن يُفرز نصيب الله قبل الجميع، ومنحه
للرسول كمنحه لله (كما هو مصرّح في التفاسير) وتقديمه إلى بيت مال المسلمين أو
إعطاءه للفقراء والمساكين كإعطاءه لله تعالى، فهذا من فضل الله عليه، وإلا فهو غني
لا يحتاج إلى شيء. (والله أعلم بالصواب)
أي أربعة أخماس الغنيمة يوزّع بين المقاتلين،
والخمس الباقي ينذر لله تعالى، يُصرف إلى جهات الخير التي يُقصد منها مرضاة الله
تعالى، من نشر الدين وتبليغه والدعوة إليه.
وفي مصطلح اليوم هذا، يكون ذلك من نصيب الدولة
الإسلامية، ويُوجّه إلى خزانة الدولة. (التفسير الماجدي)
{وللرسول} ليس للرسول نصيب منفصل عن نصيب الله،
بل لهما نصيب واحد، ونصيب الرسول كان يأخذه · في حياته، وبعد وفاته تقديمه إلى
خليفة الله في الأرض أمير المؤمنين هو بمثابة تقديمه إلى الله تعالى، فهذا الخُمس
الذي لا يُشكّل أكثر من 25% كان يأخذه من كان أميراً للدولة وقائداً للجيش وحاملا
لرسالة الإسلام، والذي سقط بعد وفاته ·.
وسهم النبي · سقط بموته (هداية). وسهم النبي ·
إنما كان له ما دام حيا، فلما توفي سقط سهمه. (جصاص)
وقالت الشافعية: سهم النبي · للخليفة بعد
وفاته، واستدل الحنفية على عدم منحه للخليفة بأن النبي · كان يستحقه لرسالته، ولا
رسالة بعد وفاته. (هداية)
يؤيده عمل الخلفاء الراشدين، فإنهم ما نقلوا
نصيبه إليهم عقب وفاته ·. (التفسير الماجدي)
يوم الفرقان:
يوم الجمعة 17 رمضان سنة اثنين من الهجرة،
المطابق لـ 624م وقعت معركة بدر، يوم ميّز الله بين الحق والباطل بمرأى ومسمع من
العالم، ضرب أروع مثال يدوم ما دامت السماوات الأرض.
والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات، والملائكة
والفتح يوم بدر. (التفسير الكبير)
{والله على كل شيء قدير} أي يقدر على نصركم
وأنتم قليلون ذليلون. (التفسير الكبير)
فائدة:
أعقب بيان توزيع المغانم بتذكير معركة بدر
بأنكم إن أردتم أن يتواصل نصر الله والفتح، فعليكم بتطبيق حكم الله في المغانم.
(والله أعلم بالصواب)
نكتة عجيبة:
لاحظوا قسمة الغنائم بالدقة، ستصلون إلى مكانة
الجهاد ومنزلته العظيمة والرفيعة، ذهب المجاهد للجهاد، وعاد بالغنيمة، فقال الله
له بكل محبة ومودة: النصيب الأول منه لي، سبحان الله، ما أعظم هذا الحب؟ أليس الله
بغني عن العالمين وعن مغانمهم؟
ثم
عيّن في هذه الغنيمة نصيب حبيبه المصطفى ·، وهنا تصوروا كم يكون ذلك المال طاهرا
وذكيا الذي حدّد الله فيه نصيب آخر أنبياءه المحبوب، ثم حدّد نصيب اليتامى
والمساكين وأبناء السبيل حتى لا يُحرم أحد من ذلك الخير الذي جلبه المجاهد،
والروايات تشير إلى تخصيص شيء من هذه المغانم للكعبة والمساجد. إذاً بركة الجهاد
وخيراته وصلت إلى الكعبة المشرفة وعامة المساجد، ومن هنا يمكن تحديد مكانة الجهاد
ومنزلته العالية المباركة. (والله أعلم بالصواب)
