بسم
الله الرحمن الرحيم
{إذْ أنتم بالعُدوة الدنيا وهم
بالعُدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقضي
الله أمراً كان مفعولا، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيَّ عن بينة، وإن الله
لسميع عليم}.
ملخص معاني الآية:
يوم الفرقان يوم الحسم ويوم النصر الخاص، فيه
خرج المسلمون للاستيلاء على عير أبي سفيان، والمشركون خرجوا من مكة لإنقاذها، فجمع
الله بينهما على غير ميعاد، وفي ساحة القتال ببدر كان المسلمون بالجهة التي هي
أقرب إلى المدينة، ولم تكن صالحة للقتال، والمشركون كانوا بالجهة الأبعد من
المدينة، وهي أرض نقية قريبة من الماء، أما عير أبي سفيان فقد تمكنت من الفرار
بطريق الساحل، فكان اللقاء بين الفريقين على غير ميعاد، لأنه إن كان محدداً لما
تمكن الفريقان من الوصول إلى ساحة القتال في الميعاد، لكن الله جمع بينهما لما
أراد من إظهار ما تم بتّه من نصر المؤمنين وغلبة الدين وهزيمة الكافرين، أمّا أن
الله تعالى قد أحق الإسلام وأبطل الكفر والشرك يوم بدر فلإتمام الحجة، وليعلم من
كان متمسكا بذيل الكفر والشرك أنه على الباطل وأن مصيره إلى النار، وأن من كان
مؤمنا رأى بأم عينه أنه سائر على طريق الحق والسعادة، فكأنّه سبحانه وتعالى أراد
سدّ باب الخلط بين الحق والباطل، لا يخفى على الله شيء وهو السميع العليم.
كلام بركة:
قال الشاه عبد العزيز الدهلوي رحمه الله:
خرجت قريش لنصر العير، وأنتم لتدميرها، فتخلصت
العير، واجتمع الفريقان على جانبي الوادي بدون علم منهما، بتدبير من الله تعالى،
ولو تواعدتم على الاجتماع لما استطعتم الوصول إلى الساحة في الميعاد، ثم بعد فتحكم
عليهم ظهر للمشركين صدق الرسول، فمن قُتل قُتل عن علم بالباطل، ومن سَلِم عن القتل
تبيّن له الحق، لتتم حجة الله عليهم. (موضح القرآن)
تراكيب الألفاظ ومعانيها:
{إذ أنتم} «إذ» فيه بدل من «يوم». (الجلالين)
أي يوم الفرقان اليوم الذي كنتم فيه بالناحية
القريبة من المدينة.
والتركيب الثاني أن «إذ» بدل من «وما أنزلنا».
أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة. (القرطبي)
والتركيب الثالث بإضمار «اذكروا» في العبارة،
أي اذكروا إذ أنتم، أنه متعلق بمضمر معناه: واذكروا إذ أنتم. (التفسير الكبير)
{العُدوة} والعدوة جانب الوادي. (القرطبي)
قال ابن السكّيت: عدوة الوادي وعدوته جانبه.
(التفسير الكبير)
{الدنيا} تأنيث الأدنى، بمعنى الأقرب.
والدنيا تأنيث الأدنى من دنا يدنوا. (القرطبي)
{والقُصوى} تأنيث الأقصى، بمعنى الأبعد.
والقصوى تأنيث الأقصى من قصا يقصو (القرطبي)
فالدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوى مما يلي
مكة. (القرطبي)
{العُدوة الدنيا} أي جانب الوادي الأقرب من
المدينة، بطريق الشام المؤدي إلى مكة جبال بجهة الشمال الغربي بالقرب من بدر، بها
نزل المسلمون. (التفسير الماجدي)
{العُدوة القُصوى} أي جانب الوادي الأبعد من
المدينة، جبال بجنوب وشرق بدر، نزل بها جيش المشركين بزعامة أبي جهل المخزومي.
(التفسير الماجدي)
وقال الإمام الرازي رحمه الله تعالى:
وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون.
(التفسير الكبير)
الغاية من بيان خارطة معركة
بدر:
قال النسفي رحمه الله:
«ليعلم الخلق أن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة
والأسباب، بل بالله تعالى...» الخ
(فالله سبحانه وتعالى أشار في هذه الآية
الكريمة إلى منازل الجيشين ومراكزهما رغم مشاهدتهم ذلك بأعينهم، فكان ذلك) للإعلام
بأن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة والأسباب، بل بفضل الله وكرمه وحكمه، ثم قال
النسفي موضحا خارطة معركة بدر:
«وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون
كان فيها الماء، وكان أرضا لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي غبار تسوخ فيها
الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة وكان العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم
وعدتهم، وقلة المسلمين وضعفهم ثم كان ما كان». (المدارك)
{وإنَّ الله لسميع عليم}...
يسمع الله نداءات المسلمين المظلومين وعويلهم، ويعلم
كيف ينصرهم، انظروا كيف سمع عويلهم في بدر ونصرهم. (التفسير العثماني)
ظروف معركة:
يُذكّر القرآنُ المسلمين بمعركة بدر مراراً
وتكرارا لكي يسعوا إلى إحياء ترتيباتها، فيتغلب الإسلام على العالم، وفي ثنايا
التذكير ببدر يركّز الله تعالى على حالة معينة من حالاتها، حتى يتيقن المسلمون
بنصر الله، ويقدروا على إحياء ترتيبات بدر في مراحل القتال المتنوعة، فخروج النبي
· إلى بدر، ووعد الله بالتمكين على إحدى الطائفتين، ومناقشة بعض المسلمين مع رسول
الله · ضعفهم وقلة أسبابهم، ودعاء الرسول · ليلة القتال وتضرعه إلى الله، ونزول
الماء من السماء، ونزول السكينة بأمنة نعاس، ثم نزول الملائكة من السماء،
ومشاركتهم في القتال، وغير ذلك من المراحل والأحوال التي مرّت بالمسلمين ببدر
سجّلها القرآن بأسلوبه الحكيم، ثم أسمعها أجيال المسلمين المتتالية إلى يوم
القيامة، والآن في هذه الآية أشار إلى ترتيبات ساحة القتال التي تؤكّد على نصر
المسلمين، لكنهم رُغم ذلك تلقّوا هزيمة نكراء.
ليس من الصعب على الله تعالى نصر عباده
المؤمنين رُغم عدم مواتاة الظروف لهم، فالمسلمون لا يضعون نصر الله نُصب أعينهم،
ولا يخرجون إلى ساحة القتال منقادين لأمره، يشكون عدم مواتاة الظروف ثم يقعدون في
بيوتهم. انظروا إلى بدر هل كانت الظروف تواتيهم؟ بل كان قتال المسلمين من أوله إلى
آخره بنصر الله وتأييده، وهذا النصر لا زال مع المسلمين إن خرجوا للجهاد، وضحّوا
بأنفسهم وأموالهم، ليبرهنوا على إيمانهم. (والله أعلم بالصواب)
الجهاد يوضّح الدليل:
أشار في هذه الآية الكريمة إلى الأسباب التي
كانت وراء معركة بدر، وأظهر الحق من الباطل بحيث لا يخفى على أحد من الناس، ليحيى
من حيى على الحق، ويموت من يموت على الباطل، فالجهاد ذلك العمل الذي إذا خرج
المسلمون له رغم قلة عددهم وعُدتهم، نصرهم الله نصراً مؤزّراً، وفتح الله عليهم
البلاد بحيث لا يجد العدو بد من الاعتراف بصدق الإسلام، ويدخل في دين الله من بقي
على الفطرة، وأما من لم يبق على الفطرة فقد يستمر في كفره وعناده، لكنه يعلم أنه
ليس على الحق. أما إن لم يكن هناك جهاد، والحال حال غلبة الكفار على المسلمين، زعم
الكفار أنهم على الحق، وتتطور زعمهم هذا كلما رأوا المسلمين في الشقاق والتعاسة
والذل، حتى وصل ذلك إلى حد اليقين، والضعفاء من المسلمين يتزعزعون في إيمانهم لمّا
يرون حال إخوانهم من الضعف والذل، وحال الكفار في ازدهار ورُقي، كأنّ الأمر انقلب
رأسا على عقب، نسأل الله أن يوفّقنا
لإحياء فريضة الجهاد في سبيل الله وفق الترتيب الذي كان عليه المسلمون يوم بدر.
آمين يا رب العالمين.
قال العلامة ابن كثير رحمه الله:
قال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد الحجة لما
رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك. وهذا تفسير جيد وبسط ذلك أنه
تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد، على غير ميعاد، لينصركم عليهم،
ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهراً والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة،
ولا يبقى لأحد حجة، وحينئذ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة
من أمره أنه مبطل لقيام الحجة عليه، ويحيى من حيى أي يؤمن من آمن عن بينة أي حجة
وبصيرة، والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} (الأنعام 122) (تفسير ابن كثير).
سبحانه ما أعظم شأن الجهاد، يجعل النور
والبصيرة في إيمان المؤمن، ويُظهر كفر الكافر على نفسه، وبما أن أكبر جهاد هو ما
كان يوم بدر لذلك سمّاه بيوم الفرقان.
تواعدهم على القتال لماذا لم
يكن ليتحقق؟
قال الله تعالى: {ولو تواعدتم لاختلفتم} ذكر
المفسرون قولين في شرح «لاختلفتم»:
1- تردد المسلمون من القدوم إلى ساحة القتال
لقلة عددهم وعُدتهم، وامتنع المشركون عن التوجّه إلى ساحة القتال خوفا من شجاعة
المسلمين وبسالتهم واستعدادهم للتضحية بالغالي والنفيس.
